باب الصدق من رياض الصالحين 8

باب الصدق من رياض الصالحين 8

الدرس في باب الصدق من رياض الصالحين 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

خيار المجلس في البيع المطلق

يشرح حديث «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» موضحاً أن الخيار يثبت للبائع والمشتري في البيع المطلق ما داما في مجلس العقد ولم يتفرقا ببدنيهما، مع أمثلة على رجوع أحدهما قبل التفرق.

صور اشتراط إسقاط الخيار وحكم الإقالة

يبين صورتين لإسقاط الخيار: تنازل أحد الطرفين أو اشتراطهما معاً عدم الخيار، ثم ينتقل لحكم الإقالة مستحباً لا واجباً مستدلاً بحديث «من أقال أخاه المسلم أقال الله عثرته» مع جواز أخذ العوض والأفضل الاحتساب.

الفرق بين الصدق والبيان في البيع

يوضح أن الصدق هو ذكر الصفات المرغوبة والبيان هو الإفصاح عن العيوب، وكلاهما مطلوب، وأن الصدق يجلب البركة في المال فينمو ويحصن، بينما الكذب والغش يمحقان البركة ويضيعان المال.

أثر الصدق في جلب البركة للرزق

يؤكد أن الصدق والوضوح في البيع يجلبان البركة في المال والرزق، بينما الكذب والكتمان يمحقانها، مستخلصاً أن الصدق سبب رئيسي للبركة في الأرزاق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الصدق، الحديث السادس، وهو آخر حديث في هذا الباب: عن أبي خالد حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» متفق عليه. معنى هذا الحديث: المراد بالبيعان البائع والمشتري، وأطلق عليهم اسم البيع، ما قال: البائع والمشتري، إنما قال: البيعان، من باب التغليب، مثل ما يقال: القمران للشمس والقمر، والعمران لعمر وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما، فهذا من باب التغليب، فالمراد بالبيعان: البائع والمشتري. وقوله: «بالخيار»، أي: كل منهما يختار ما يريد، لا يلزم أحدهما بالبيع طالما أنهما في مجلس الخيار، ولذلك قال: «ما لم يتفرقا»، أي: ما داما في مكان العقد لم يتفرقا بعد. والصحيح أن التفرق يكون بالأبدان، أي: ما لم يتفرقا ببدنيهما، فكل واحد لا يزال في مجلس البيع. مثال ذلك: رجل اشترى مثلاً سيارة، أو اشترى ثلاجة، فاتفقوا على سعر بعشرين ألف، ثلاثين ألف، ثم اتفقوا على كل شيء، ووافق المشتري على السعر، ووافق البائع على البيع، وقبل أن يتفرقا قال المشتري: أنا الآن ما عندي رغبة في هذه البيعة، فليس للبائع أن يلزمه؛ لأنه لا يزال في مجلس الخيار، لا يزال المشتري في مجلس الخيار. والعكس بالعكس: إذا قال البائع: أنا تراجعت عن البيع، ما أريد أن أبيع الآن، فدلي أن أبقي هذه الثلاجة، أحتاجها، فليس للمشتري أن يلزمه بالبيع؛ لأنه لا يزال في مجلس الخيار. فهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». والخيار له صور في هذا البيع: فالصورة الأولى: أن يثبت الخيار لهما للبائع والمشتري، وذلك عند البيع المطلق، يعني: الذي لم يقيد بشرط، فالبيع الذي لم يقيد بشرط فالخيار للبائع وللمشتري، كلاهما. هذه الصورة الأولى. الصورة الثانية: أن يتبايعا بشرط أن لا يكون الخيار لواحد منهما، مثلاً قال: سأبيعك هذه الثلاجة، الثلاجة، لكن ليس لك الخيار، أي: ليس الخيار للمشتري، فهنا يلزم المشتري إذا وافق على البيع أن يقبل هذا البيع ولا يتراجع عنه؛ لأن الخيار حق لأحدهما، فإذا تنازل أحدهما عن حقه فله ذلك، له أن يتنازل عن حقه. الخيار الآن للبائع والمشتري، فلو تنازل أحدهما عن الخيار فله ذلك، له ذلك. فإذا وافق المشتري أن لا خيار له، ثم تمت البيعة، ثم أراد أن يتراجع، فليس له التراجع، ليس له التراجع؛ لأنه وافق على عدم الخيار. والعكس بالعكس: إذا جاء البائع عند المشتري، قال: لو أبيع لك هذه الثلاجة، قال المشتري: سأشتريها لكن بشرط: ليس لك خيار، ليس لك خيار، قال: وافقت، البائع قال: خلاص اشتريت، فليس للبائع أن يتراجع عن بيعه، فليس له الخيار. هذه الصورة الثانية. الصورة الثالثة: أن يتبايعا أن الخيار، أو أن البيع ليس فيه خيار لا للمشتري ولا للبائع، جاء قال: سأبيع لك هذه الثلاجة لكن ما في خيار، لا لي ولا لك، إذا وافقت وتم البيع ملزم البيع للطرفين، فهنا أيضًا يلزم كل واحد بعدم الخيار. هذه صور ذكرها أهل العلم في ذلك. فإن تفرقا بطل الخيار، خلاص. فيبقى هناك مسألة أخرى في البيع: إذا تراجع أحدهما وأراد الرجوع عن البيع، هذا يسمى الإقالة، فالشرع حث على أن يقال النادم، النادم في بيع أو شراء، يقال: بمعنى يقبل تراجعه، يقبل تراجعه على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب. مثاله: بعت لك الثلاجة، وانتهى مجلس الخيار، بعد يوم أو يومين قلت لي: والله أنا ما أريد الثلاجة هذه، تراجعت عن بيعي، فلا يلزم البائع، لا يلزم البائع على التراجع في البيع، لا يلزم، لكن يستحب له، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أقال أخاه المسلم أقال الله عثرته يوم القيامة». يستحب، فإذا أبى فله ذلك، وإذا أراد شيئًا من المال مقابل هذا التراجع فله ذلك، والأفضل والأكمل له أن يبتغي الأجر من الله وأن يقبل تراجع وإقالة أخيه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما»، ما الفرق بين الصدق والبيان؟ الصدق والبيان في البيع والشراء، وهذا هو موضع الشاهد من إرادة هذا الحديث في باب الصدق، في باب الصدق، فما الفرق بين الصدق والبيان؟ الفرق بينهما: أن الصدق يكون بذكر صفات السلعة من الصفات المرغوبة، من الصفات المرغوبة، فمثلاً تريد أن تبيع إليه سيارة، تقول له: هذه السيارة موديل 2020 مثلاً، هذا شيء، مثلاً مرغوب، أو 2026 آخر موديل، هذا شيء مرغوب، أو تقول له: السيارة ما تصرف، مكينتها طيبة، فهذا من باب الصدق، هذا من باب الصدق، فكل صفة في السلعة مرغوب فيها هذا يسمى صدق، يسمى صدق. وأما البيان فيكون بذكر العيوب غير المرغوب فيها، هذا واجب عليك، مثلاً: السيارة فيها صدمة، فيها معجون، تقول له: الله، هذه السيارة شوف، فيها صدمة، لابد تبين، هذه السيارة تصرف فيها قليل صرفية، هذا من البيان، فالبيان يكون في الأشياء غير المرغوب فيها، والصدق يكون بذكر الأوصاف المرغوب فيها، وكل ذلك من باب البيان والصدق، نعم. وفي هذا الحديث: أن الصدق سبب للبركة في البيع، إذا لم تصدق، قلت: موديل 26، وهي موديل 20، أو قلت: ما تصرف، وهي تصرف، أو قلت: لا عيبة فيها، وهي فيها عيوب، هذا سبب لمحقي بركتي هذا البيع، ما تستفيد من هذا المال، ولا يبارك لك فيه. كم من إنسان هكذا في بيعه وشرائه، كذب وتدليس وغش، ويدخل المال الكثير، ثم يذهب عليه، إما في أمراض، وإما في عدم توفيق في صرف المال، فيصرفه في أمور تافهة، أو أمور محرمة، تجده يدخل المال فيصرفه في القات، في السجائر، في اللهو واللعب، في أمور تافهة لا يستفيد منها، ولا يستفيد منها أهله ولا أولاده، وهذا من محق البركة، محق البركة لها صور كثيرة. وأما إن صدق، فالله أولاً يبارك له في هذا المال، بمعنى أنه يحفظ له هذا المال، ويكثر هذا المال، لأن البركة ما معناها؟ البركة هي ثبوت الخير وزيادته، هذه هي البركة: ثبوت الخير وزيادته، فمتى صدقت في بيعك وشرائك بارك الله لك في هذا المال، ونمى، وحفظ، ولم يخرج إلا في حقه، ولم يخرج إلا في حقه. فهذا الحديث فيه حث على الصدق في البيع، وفي الشراء، وفي الشراء، نعم. «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»، محقت بركة بيعهما، فهذا الحديث وجه الشاهد منه: فإن صدقا وبينا، فالصدق سبب للبركة في الأموال والأرزاق، فهذا هو ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.