المرء على دين خليله

المحاضرة بعنوان المرء على دين خليله، وكانت بمسجد الفاروق بالمعيان 8 جمادى الأول 1433هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل مصاحبة الصالحين وخطر مجالسة السوء

يستهل الدرس بالحديث عن أهمية اختيار الصحبة الصالحة وتجنب صحبة السوء مستدلاً بالقرآن والسنة، مبيناً أن مجالسة الأخيار تجلب البركة والمغفرة والاقتداء الحسن بينما مجالسة الأشرار تؤدي إلى الضلال والفساد. ويؤكد على وجوب حرص المسلم على مصاحبة الأخيار لنيل الخير في الدنيا والآخرة.

أثر مصاحبة الأخيار والأشرار على دين المسلم وخلقه

يفصل المقطع في ثمار مصاحبة الصالحين كاكتساب الأخلاق الفاضلة وتصحيح العيوب ونيل الدعوات والأمن يوم القيامة، محذراً من مصاحبة الأشرار التي تجر إلى الغيبة والنميمة وزعزعة العقيدة مصداقاً لقوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. ويبين أن حال الإنسان يُعرف بأصحابه وتؤثر فيهم سلباً أو إيجاباً.

خطر الصحبة السيئة على العقيدة والأهل والتلفاز

يحذر من تأثير رفقاء السوء في إفساد العقيدة والأخلاق مستشهداً بآيات سورة الصافات وقصة أبي طالب مع أبي جهل، مبيناً أن مجالس الغافلين تكون حسرة يوم القيامة. ويؤكد أهمية اختيار الزوجة الصالحة ومراقبة صحبة الأبناء والبنات، منبهاً إلى التلفاز كرفيق سيء يهدم الأخلاق والآداب الإسلامية.

الأمثلة النبوية: المرء على دين خليله وتشبيه الصحبة بالمسك والكير

يتناول حديث «المرء على دين خليله» مبيناً أن طبيعة الإنسان تميل للمخالطة فيحث النبي صلى الله عليه وسلم على اختيار الجليس الصالح المعين على الطاعة، مستدلاً بأقوال العلماء. ويختم بتشبيه المصاحب الصالح بحامل المسك وجليس السوء بنافخ الكير، مؤكداً أمر النبي بحسن اختيار الخلطاء والصحبة.

  • 10 جمادى الأولى 1433هـ - 01/04/2012مـ
التفريغ النصي الكامل

ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد، أيها المسلمون، فإنه قد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى في خلقه أن جعل الإنسان ميالًا إلى مخالطة الآخرين، وإلى مجالستهم والاجتِماع بهم. وهذه المجالسة والمخالطة لها أثرها الواضح في فكر الإنسان، وفي سلوكه، وفي أخلاقه ومعاملاته، وهي سبب لصلاح المرء أو فساده. وقد دلّ الشرع والعقل والواقع المشاهد على ما تقدم. فمن الشرع قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم يصف لنا عز وجل ندم ذلكم النادم عندما تأثر بجليس السوء، وعندما كذلك انجرف خلف الشهوات وخلف الملذات، فترك متابعة النبي عليه الصلاة والسلام لأنه كان يصاحب قد نسوء. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾. فلا شك أن هذا أثر واضح بيّن في تأثير الجليس على جليسه. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة». فانظروا إلى هذا الأثر الواضح الذي يبين لنا مدى تأثير الجليس الصالح والجليس السوء. مثل النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الجليس الصالح بحامل المسك الذي يحمل المسك، والذي يصاحب المسك، فإن هذا الشخص إما أن تشم منه رائحة طيبة لأن هذا المسك يفوح ويشم، وإما أن تشتري منه، تبتاع منه يعني تشتري منه، وإما كذلك أن يحذيك يعني يعطيك هدية من عنده، فلا تعدم فائدة من مجالسة حامل المسك. وهكذا الجليس الصالح. وأما الجليس السوء فما مثله إلا كمثل نافخ الكير، ذلكم الحداد الذي ينفخ الكير من أجل أن يصهر الحديد. فهذا النافخ للكير إذا جلست بجانبه إما أن يحرق ثيابك، فتطاير الشرر من هذا الكير فتقع على ثيابك فتحرق هذه الثياب وتمزق هذه الثياب، وإما أن تشم منه ريحًا منتنة، تشم منه ريح الدخان وريحًا كذلك صهر الحديد وإلى غير ذلكم، فلن تكتسب خيرًا من الجلوس عند نافخ الكير. وهكذا مجالسة أهل السوء، فإنهم يضرونك ضررًا بالغًا عظيمًا. فلا شك كما سمعت أن الإنسان ميال، ميال بطبعه إلى المجالسة، وإلى المجانسة، وإلى المحادثة، فلا بد له في هذا المجتمع أن يخالط غيره وأن يجلس مع غيره. وهذه المجالسة وهذه المخالطة لا تكون إلا مع إحدى صنفين: إما أن تجلس مع أهل الخير، ومع أهل الصلاح، ومع أهل التقى، ومع أهل البر، وإما أن تجلس مع أهل الفسق، مع أهل المعاصي، مع أهل الفجور. فلا بد للإنسان من أن يجالس غيره. ولذلك حث شرعنا الحكيم على مجالسة الأخيار، وعلى مجالسة الأبرار. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، رواه أبو داود والترمذي وحسنه العلامة الألباني: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي». نصيحة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لك أخي المسلم ألا تصاحب إلا المؤمنين، إلا أهل الإيمان وأهل العمل بهذا الإيمان وأهل الاستقامة على هذا الدين. لا تصاحب إلا مؤمنًا. وهكذا يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. فإذا صاحبت أهل التقى فتستمر هذه الصحبة وهذه الرفقة إلى يوم القيامة، لا تنقطع بالموت في هذه الحياة، بل تستمر بعد هذه الحياة. وهذا فيه حث أكيد على مصاحبة الأتقياء والأبرار. فعليك أخي المسلم أن تحرص على مصاحبة أهل الخير والصلاح، وعليك أن تتفكر وأن تتمعن في الثمرات العظيمة الكثيرة التي تجنيها من مصاحبتك لأهل الصلاح ولأهل الخير. فمن أعظم تلكم الثمرات يا أيها الأخ المسلم، يا من جالست أهل الخير والصلاح وجالست أهل البر، أهل البر والاستقامة، اعلم حفظك الله تعالى أن من أعظم ثمرات مجالسة الصالحين أن بركة مجالسهم تشملك، أن بركة مجالسهم تشملك، ويعمك الخير الحاصل لهم في تلك المجالس التي تجلس معهم فيها. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد قال كما جاء في الحديث القدسي، في حديث فضل مجالس الذكر، أن الله سبحانه وتعالى - والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة - يقول لملائكته، كما جاء في آخر ذلكم الحديث الطويل: «أشهدكم أني قد غفرت لهم»، أي قد غفرت لأهل ذلكم المجلس. فيقول ملك من الملائكة: يا رب، إن فيهم فلانًا ليس منهم، وإنما جاء لحاجة. فيقول الله سبحانه وتعالى: «وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». وفي رواية مسلم: يقول الملك: يا رب، فيهم فلان خطى، ليس منهم، وإنما جاء لحاجة. فيقول الله عز وجل: «وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». انظر يا عبد الله كيف أن بركة مجالس الصالحين وصحبة الصالحين تشملك، تشملك هذه البركة، وإن كان عملك لم يبلغ مبلغ عملهم، لم يبلغ... لم يبلغ عملهم. ولكن بمجالستك للصالحين ولأهل الخير ولأهل مجالس الذكر فتشملك هذه الرحمات وهذه النفحات. فهذا يدلك دلالة واضحة على عظم مجالسة أهل الخير والصلاح. وهكذا من ثمرات مجالس الصالحين وصحبة الصالحين أن المرء مجبول على الاقتداء بغيره، وعلى التأثر بعمله وبأخلاقه. وقد قرر علماء التربية أن التأثير عن طريق القدوة أبلغ من التأثير بالمقال والنصح. التأثير عن طريق القدوة أبلغ من التأثير بالمقال والنصح. فبمجالستك لأهل الأخلاق الفاضلة، لأهل الصلاح، لأهل التقى، تأخذ من سمتهم، وتأخذ من هديهم، وتأخذ من أخلاقهم، فتقتدي بهم، فتصلح أحوالك وتصلح أخلاقك. ولذلك كان العلماء يحضر مجالسهم العدد الكثير، وليس كل هذا العدد ممن يكتبون، وممن كذلك يحرصون على اقتناء آتلكم الفوائد التي تقال، وإنما كثير منهم كان يجلس مجالس العلماء من أجل أخذ الهدي والسمت. فهكذا ينبغي عليك أن تحرص على أن تصاحب أصحاب الأخلاق الفاضلة، أصحاب الهمم العالية، أصحاب الهمم الرفيعة، فبذلك تكون مثلهم وتقتدي بهم. ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول كما عند الترمذي وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله»، أي على طريق خليله، وعلى فعل وأخلاق خليله. «فلينظر أحدكم من يخالل»، ينظر أحدكم من يخالل، يعني لا يخالل إلا من اتصف بالصفات الطيبة، بالصفات الحميدة التي متى ما صاحبته أخذت هذه الأخلاق وأخذت هذه السلوب الطيبة. وهكذا يقول القائل: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه، إن القرين بالمقارن يقتدي. وقال الآخر: إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم، ولا تصحب الأرض فتردى مع الردي. إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم، اصحب خيار القوم، اختر لك الصاحب الذي ترى أنه قد بلغ مبلغًا عظيمًا في حسن الخلق، في التقى، في الأمانة، في صدق الحديث، في كذلك الجد والاهتمام بأمر العلم وبأمر العمل وبأمر العبادة. إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم، ولا تصحب الأرض فتردى مع الردي، تتأثر بهذا الردي الذي عنده من الأخلاق السيئة ومن الأخلاق الرديئة، فتكون رديئًا مثله، فتكون رديئًا مثله، لأن المرء يتأثر بجليسه كما سمعت. وهكذا من ثمرات مجالس الصالحين ومجالس أهل الخير وأهل الأخلاق العالية أنهم يبصرونك بعيوبك، أنهم يبصرونك بعيوبك، فأنت تمشي نحو الإصلاح، تعرف الخلل فتمشي نحو الإصلاح، فتصلح من نفسك، وهكذا تتخلى عن عيوبك، تتخلى عن عيوبك. ولذلك شبه النبي عليه الصلاة والسلام المؤمن الذي هو يبصر عيوب أخيه فيدلها عليه شبهه بالمرآة، كما جاء عند أبي داود من حديث أبي هريرة، وحسنه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المؤمن مرآة أخيه المؤمن، المؤمن مرآة أخيه المؤمن». المرآة تنظر بها العيوب الظاهرة، أنت ما في جبهتك، ما في خدتك، ما في... ربما شعر لحيتك، ما تستطيع أن تراه، ما تستطيع أن تراه، فإذا نظرت إلى المرآة عرفت هذا القذى وهذا الأذى فأمطه وأزلته. فهكذا ربما أنت لا تعرف عيب نفسك، تظن أن أخلاقك عالية، وأن طريقك مستقيم، وأن عبادتك صحيحة، وأن كذلك طريق طلب العلم صحيح الذي تسير عليه صحيح. فإذا مشيت وصاحبت الأثقياء الأبرار الصالحين، بيّنوا لك عيوبك، أنت تظن أنها ليس بعيوب، ولكن هي في حقيقة الأمر عيوب، فينصحونك عملًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، ولأئمة المسلمين وعامتهم. فالصالحون الأثقياء البررة لا يهنأ لهم بال إذا رأوا عيبًا في أخيهم، لا يجاملون، ولا كذلك... ماذا يستحون بسبب هذه الصحبة وبسبب هذه الرفقة، بل سرعان ما يبادرون إلى النصيحة. فأنت إذا صاحبتهم بيّنوا لك عيوبك، إذا غفلت ذكروك، إذا فترت نشطوك، إذا أخطأت قوّموك وصوّبوك. هذه فوائد عظيمة تجنيها يا أخي المسلم من مصاحبة الأخيار، من مصاحبة الأبرار، فلا ينبغي للمسلم أن يعدل عن صحبتهم وعن السير معهم. وهكذا من ثمرات مجالسة الصالحين ومجالسة كذلك الأبرار أن بصحبتك لهم تنال الأجر العظيم. فمن ذلك أنك تأمن من الخوف في يوم القيامة، وهكذا تضمن استمرار هذه الرفقة وهذه الصحبة إلى يوم القيامة. قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. انظر يا عبد الله، عندما ترافق الأبرار، عندما ترافق الصالحين، تؤمن بإذن الله سبحانه وتعالى في يوم القيامة من تلك الأمور العظيمة، فتكون في أمن، وتكون كذلك في بعد عن الخوف. نعم، كما سمعت في هذه الآية، كما سمعت في هذه الآية. وهكذا من ثمرات مصاحبة الصالحين ومصاحبة الأتقياء والأبرار أنك تنال دعاءهم. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا دعا أحدكم لأخيه بظهر الغيب، فيقول الملك: ولك بمثل، ولك بمثل». فأهل الخير وأهل الصلاة يدعو بعضهم لبعض، يدعو بعضهم لبعض، فتنال هذه الدعوات من أولئك الصالحين، من أولئك الأبرار. فما يدريك أن يدعو لك بدعوة طيبة فيتقبلها الله سبحانه وتعالى، فتكون سببًا هذه الدعوة في فلاحك، وفي كذلك... وفي سعادتك في الدنيا والآخرة. وهكذا من ثمرات مصاحبة الأبرار، مصاحبة الصالحين، مصاحبة الأتقياء، أن في مجالستهم البعد عن المعاصي، عن المعاصي وعن المنكرات. فهذا البعد، الوقت الذي ربما تجلس معهم الساعة أو الساعتين أو أكثر من ذلك، هذا الامتناع والبعد، الوقت ربما يكون سببًا في الامتناع الأمدي، في الامتناع الأمدي، فتتروض نفسك على ترك المعاصي، وعلى ترك كذلك المنكرات. ربما تؤنبك نفسك عندما تكون مع أصحابك الصالحين وأنت بعيد عن الغيبة، بعيد عن النميمة، بعيد عن الكلام الفاحش، بعيد عن كذلك السب والشتم. فإذا فارقت أصحابك وسولت لك نفسك أن تقول قولًا سيئًا، أو أن تغتاب، أو أن كذلك تسب، فتؤنبك نفسك، فتقول لك: ما هذا النفاق؟ عندما تكون عند أصحابك الصالحين تبتعد عن هذه الألفاظ السيئة، وعندما لم تكن عند أصحابك تأتي بهذه الألفاظ السيئة. فهذا يعينك على البعد عن الكلام السيئ والكلام البذيء. نعم، فهذه أيضًا من الثمرات العظيمة التي يستفيدها من صاحب الأبرار، من صاحب الأثقياء، من صاحب الصالحين. وهكذا ذلكم الشخص وذلكم المرء الذي يصاحب الأشرار، الذي يصاحب الفجار، فإنه في خسارة عظيمة، وفي أضرار جسيمة. فمن أضرار مجالسة الأشرار أن مجالستهم لا تخلو من الغيبة، من النميمة، من الكلام الفاحش، من الكلام البذيء، من كذلك... ربما بعد ذلك الذهاب إلى عمل الفواحش والمنكرات. نعم، فإن هذه المجالس من أعظم أسباب الفساد، وكما سمعت أن الجليس يتأثر بجليسه. وهكذا من أضرار مجالسة الأشرار ربما يشككونك في معتقدك الصحيح، ربما يشككونك في عبادتك الصحيحة. أمر كنت تعرفه وكنت تعتقده، فما أن تجلس مع هؤلاء الأشرار من أهل الفسق، أو من أهل البدع، أو من أهل الخرافات، إلا وصرت مثلهم، إلا وصرت مثلهم. اسمع إلى قول الله سبحانه وتعالى في سورة الصافات، كيف أن الصديق ربما يجر صديقه إلى الكفر والعياذ بالله، وقد قيل: الصاحب ساحب. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾، يعني كان لي صاحب. هذا الرجل من أهل الجنة في يوم القيامة، لأن هذه الآية جاءت بعد ذكر أهل الجنة، فذكر المفسرون أن أهل الجنة كانوا يتحادثون ويتكلمون. فقال قائل من أهل الجنة: إني كان لي قرين، أي في الدنيا، إني كان لي قرين. ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾، أي إن لمجزيون بما نعمل في هذه الدنيا، يعني يشككه بالبعث والنشور، يقول له: أنت تصدق أننا بعد ما نموت نبعث ونجازى على كل ما نعمل؟ ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾، أي إن لمحاسبون على ما نعمل في هذه الدنيا. ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾، قال المفسرون: أي في وسط الجحيم، في وسط النار، في وسط النار. رأى ذلكم المشكك له، رآه في وسط النار والعياذ بالله. ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، إلى آخر الآيات التي جاءت في سورة الصافات. فانظروا كيف لولا فضل الله عز وجل على ذلكم الرجل لصار من أهل الجحيم، بسبب ماذا؟ بسبب هذا الصديق السيء، صديق السوء والعياذ بالله. فكم من الناس صار ربما رافضيًا بسبب الصحبة، أو صار اشتراكيًا بسبب الصحبة، أو صار بعثيًا بسبب الصحبة، أو صار صوفيًا بسبب الصحبة، فتغير منهجه وتغير معتقده، وكذلك ذهب عن الفطرة السليمة والعياذ بالله بسبب المصاحبة. رفقاء السوء يصدونك عن طريق الجنة، يصدونك عن المعتقد الصحيح، وعن العمل بلا إله إلا الله. في الصحيح البخاري، لما حضرت أبا طالب الوفاة، عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي كان يحوطه ويمنعه، لما حضرت حضرته الوفاة، جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فدخل عليه، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية، وهما على الكفر. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمه: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». يطمع النبي عليه الصلاة والسلام أن يؤمن عمه أبو طالب، وأن يكون من أهل هذه الكلمة في هذا الموقف الذي بلغه عمه. فقال له: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال له أي: أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» انظر إلى رفقاء السوء، قالوا له: كيف تقول هذه الكلمة؟ أترغب عن ملة عبد المطلب؟ أتترك ملة عبد المطلب؟ لأنهم يعلمون أن قول هذه الكلمة معناه ترك عبادة الأصنام وعبادة الأوثان. فقالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلا يزال النبي صلى الله عليه وسلم يكررها، وهما يعيدان عليه هذا: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» حتى كان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، فمات والعياذ بالله على الكفر. انظروا إلى رفقاء السوء كيف أنهم ربما يصدون العبد عن المعتقد الصحيح، وعن هذه الكلمة العظيمة، كلمة لا إله إلا الله. وهكذا من أضرار مجالسة الأشرار أنهم لا يذكرون الله عز وجل في مجالسهم، فتكون هذه المجالس حسرة وندامة عليهم يوم القيامة، كما عند أبي داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من قوم يقعدون مجلسًا ثم يقومون منه ولا يذكرون الله فيه إلا قاموا على مثل جيفة حمار، إلا قاموا على مثل جيفة حمار، وكان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة». انظر، ترضى يا عبد الله أن تقوم من مجالس كأنك قمت من جيفة حمار؟ تصور أن حمارًا ميتًا له أيام وهو ميت، كيف ستكون رائحته؟ رائحة كريهة جدًا. فهكذا مجالس الأشرار لا يكون فيها ذكر الله عز وجل، فكيف ترضى لنفسك يا عبد الله أن تقوم من مجلس لا يذكر الله سبحانه وتعالى فيه؟ فهكذا ثمرات مجالس الصالحين، وهكذا أضرار مجالس الأشرار، تجعلك تختار لنفسك يا عبد الله من تصاحب. «فلينظر أحدكم من يخالل». أتريد أن تتحصل على ثمرات مجالس الصالحين، أو تريد أن تتحصل على أضرار مجالس الأشرار؟ اختر لنفسك يا عبد الله. ولا محالة أن العاقل اللبيب هو الذي يختار لنفسه الرفقة الصالحة. أيها الناس، وإني في هذا المقام أدل على رفيق صالح ينبغي للمسلم أن يحرص على اختياره، ولا محالة له من صحبته، ألا وهي الزوجة الصالحة. الزوجة الصالحة، لا بد للمرء أن يختارها، وأن يقضي معها جل وقته، أن يقضي معها جل وقته. ولذلك ربنا سبحانه وتعالى سماها صاحبة، لأنها تصاحب الإنسان. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾، صاحبته أي زوجته. فينبغي عليك يا عبد الله أن تختار، إن كنت قادمًا على الزواج، أن تختار الزوجة الصالحة، فإنك تعاشرها، وإنك تقضي معها جل وقتك يا عبد الله. وهذه هي نصيحة النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فاضفر بذات الدين، تربت يداك». وإن كنت قد تزوجت فاحرص على أن تصلح هذه الزوجة، وأن تعينها على صلاح نفسها، وذلك بتعليمها، وبتأديبها، وبحثها على مجالس العلم، وعلى رفقة الصالحات من الأخوات المؤمنات الصالحات. هذا أمر مهم جدًا. فإذا صلحت زوجتك فإن أسرتك جميعها تصلح، فهي ربة بيتك، وهي كذلك مربّية أولادك. فاحرص يا عبد الله على أن تكون هذه الزوجة زوجة صالحة. وإني أيضًا في هذا المقام أحذر من جليس سيء ابتلي به كثير من المسلمين في هذه الأزمان، وقضوا معه جل أوقاتهم والعياذ بالله، ألا وهو التلفاز. هذا الرفيق السيء الذي حطّم الأخلاق، وحطّم كذلك الآداب الإسلامية السامية. فترى المدمنين عليه قد تحطّمت أخلاقهم، وتشبّهوا بأعدائهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فاحذر يا عبد الله من هذا الصديق السيء، وأنصحك ألا تدخله بيتك، ألا تدخله بيتك، فإنه من أعظم رفقاء السوء الذين يخربون عليك بيتك، يخربون عليك بيتك وأنت تخرب بيتك بيدك. نعم، فاحذر أخي المسلم من هذا الشر الذي ابتلي به كثير من المسلمين. فلنحرص جميعًا عباد الله على أن نصاحب الأبرار، على أن نصاحب الأتقياء، وعلى أن لا نبتعد عنهم. فابتعادك عن الصالحين معناه ابتعادك عن الخير، ابتعادك عن الصلاح، ابتعادك عن العلم، ابتعادك عن الأخلاق الأسامية. فاحرص يا عبد الله على أن تصاحب الصالحين، على أن تصاحب الأبرار. وكذلك احرص على أن تراقب أولادك، من يصاحبون؟ فإن الولد لا يعرف مصلحة نفسه، فاختر لولدك الصاحب المناسب الذي ترى فيه الخير، وترى فيه الصلاح، وترى فيه الاستقامة. وقصصًا البنات، تختار لبناتك الصاحبات الصالحات المستقيمات. احذر من أن تصاحب ابنتك المفسدات، المتتبعات للموضات، وهكذا المتتبعات... المتتبعات للألبسة الخليعة الفاضحة. احذر أخي المسلم من أن تتأثر ابنتك بأمثال هؤلاء الصاحبات، اللاتي هن خلف الموضات، وخلف كذلك الألبسة التي فيها من العري، وفيها من نزع الحياء، وفيها... وفيها من هذه الأمور التي ابتليت بها مجتمعات المسلمين. فالصحبة كما سمعت لها أثر بالغ واضح في صلاح أو فساد المرء. فلنحرص على أن نختار لأنفسنا، وعلى أن نختار لزوجاتنا، وعلى أن نختار لأولادنا وبناتنا الأصحاب الأتقياء الصالحين الأبرار. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فنحمد الله جل وعلا، وهو... وهو للحمد أهل، نحمده ربنا، نحمده ربنا جل وعلا على إنعامه وإفضاله، وإفضاله المتتابع علينا ليلًا ونهارًا، فلله الفضل وله النعمة وحده سبحانه وتعالى. ومن نعم الله جل وعلا، جل وعلا علينا، نحن للسنة والجماعة، أنعم الله جل وعلا علينا بنعم كثيرة عامة، وأخرى... وأخرى اختص الله جل وعلا، وعلا بها من اختص من عباده. ومن هذه النعم العظيمة الجليلة التي اختص الله جل وعلا بها أهل السنة والجماعة، هذه النعمة التي نحن فيها، نعمة مذاكرة كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، نعمة التذكير، ونعمة الدعوة إلى الله رب العالمين وحده لا شريك له، نعمة اللقاءات في بيوت الله جل وعلا، ينصح بعضنا بعضًا، ويذكر بعضنا بعضًا، ويعين بعضنا بعضًا على طاعة الله رب العالمين. دعوة تدعو الناس إلى ربهم جل وعلا وحده لا شريك له، تربط العباد برب العباد، يدعون الناس من كتاب الله رب العالمين إلى كتاب الله رب العالمين، ومن سنة رسوله الأمين إلى سنة رسوله الأمين، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم. فنحمد الله جل وعلا حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ويرضى، ونحمد الله جل وعلا كذلك على أن هيأ لنا هذا المجلس، وهذه الزيارة لإخوان لنا في الله في هذا المسجد المبارك، من مساجد الخير والسنة والدعوة إلى الله رب العالمين. فنحمد الله جل وعلا على إنعامه وآلائه وفضله وإحسانه سبحانه وتعالى. ثم كذلك نشكر إخواننا المتكلمين، سواء كان أخونا سعيد بن صالح، أو أخونا أبو معاذ، فأجزاهم الله خيرًا على ما قدما وذكرا ونصحا وبينا. وقد سمعنا كذلك في كلمة أخينا الفاضل الداعي إلى الله أبو معاذ، حفظه الله تعالى، خيرًا كثيرًا، تكلم حفظه الله تعالى على فوائد الصحبة في الدنيا والآخرة، ونبه بتنبيهات طيبة نافعة، وألمح بإلماحات لطيفة إلى أمور ومهمات. وما بقي لنا إلا أن نستعين بالله جل وعلا، فنتكلم بما فتح الله جل وعلا علينا في هذا المقام. وقد سمعتم أن عنوان المحاضرة: «المرء على دين خليله». وإذا كان الأمر كذلك، فنقف مع عنوان هذه المحاضرة وقفات. وهذه المحاضرة كما هو واضح ظاهر، عنوانها مأخوذ من الحديث المشار إليه قبله، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، عند أبي داود والترمذي بإسناد حسن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، المبعوث رحمة للعالمين، الذي قال فيه ربه جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. ما من خير من خير الدنيا والآخرة، وما من شر من شر الدنيا والآخرة، ما من خير إلا وحسنا عليه وأرشدنا إليه، وما من شر إلا حذرنا منه وأنذرنا عنه. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وفي هذا الحديث كما هو واضح إرشاد بأمر منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بمنطوق هذا الحديث، وبمفهومه كذلك تحذير وإنذار منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالنبي صلى الله عليه وصحبه وسلم يقول كما سمعتم: «المرء على دين خليله». وقوله: «المرء»، أي الإنسان. وكما قال من قال من أهل العلم بأن الإنسان سُمّي إنسانًا لاستئناسه بغيره، فقالوا: إن الإنسان مشتق من الإنس أو من الأنس، فهو يأنس بغيره. وإذا كان يأنس بغيره، وطبيعة الإنسان مدنية، إذن لا بد له أن يخالط غيره. فلما كانت هذه المخالطة غريزية طبعية، أرشدنا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في هذا الحديث إلى اختيار الجليس. لذا قال: «المرء على دين». والدين من دان يدين دينًا، يطلق على عدة معان، ومن أنسب ما يقال في هذا المقام بأنه بمعنى: ما يعتاده الإنسان من خير أو شر، ما يعتاده الإنسان من خير أو شر. فقوله: «المرء على دين»، أي على ما يعتاده من خير أو شر. فقوله صلى الله عليه وسلم: «على دين خليله». والخليل كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى من الخلة، قال العلماء: معناها خالص المحبة، خالص المحبة. ومن هنا نعلم دقيقًا تعبير النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث بهذه الألفاظ. فهو صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أوتي جوامع الكلم، وهو أبلغ الناس، وأنصح الناس، وأصدق الناس، وأحرص الناس على هداية الناس. صلى الله وسلامه عليه. إذا نظرنا لألفاظ هذا الحديث وما دل عليه من معان، توصلنا إلى المقصد الأسنى من قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «المرء على دين خليله»، بمعنى أن الإنسان يكون على عادة صاحبه المحبوب لديه، وعبادته وخلقه. فإن كان خيرًا فهو إلى خير، وإن كان سيئًا كان إلى شر. كما جاء في الحديث الآخر المتفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري، قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «مثل الجليس... مثل الجليس الصالح والجليس السوء». مثل الجليس الصالح... قد يقول قائل: من هو الجليس الصالح؟ قال العلماء، قال العلماء رحمهم الله: الصالح هو من قام بحق الله وحق خلقه. فمن قام بحق الله جل وعلا، وقام كذلك بحق عباد الله جل وعلا، فهذا هو الصالح. وقل: الصالح من يعينك على طاعة الله رب العالمين، ومن يحذرك عن معصية الله رب العالمين. فالصالح هو الذي يعينك على طاعة الله، يعينك على محبة الله، على تعظيم الله، على إجلال الله، على الرغبة فيما عند الله جل وعلا، يحببك بنبيك صلى الله عليه وسلم، يحببك بسنة نبيك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يحببك بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يحببك بدين الله رب العالمين. وتأمل معي إلى الحديث الذي رواه الإمام مسلم، بل هو متفق عليه، من حديث أنس رضي الله عنه، وجاء كذلك بنحوه من حديث ابن مسعود رضي الله عنهما، رضي الله عنه، كما في الصحيحين. جاء في حديث ابن مسعود: قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، المرء يحب القوم ولما يلحق بهم. قال: «أنت مع من أحببت». وجاء في حديث أنس: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يسأله عن الجنة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «وما أعددت لها؟» جاء في بعض روايات أنه قال: يا رسول الله، ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، أو كما قال، «ولكني أحب الله ورسوله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من أحببت». قال أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: «فما فرحنا بحديث ما فرحنا بهذا الحديث». قال أنس: «فإني أحب رسول الله، وأحب أبا بكر، وأحب عمر، ولم أدرك، أو لا أستطيع أن أدرك أعمالهم». إذن الخليل الصالح من يعينك على محبة الله، ومحبة رسوله، ومحبة دينه، الذي يكون سببًا بإذن الله جل وعلا إلى الظفر بفضل الله جل وعلا وإنعامه وفضله وجناته. والعكس بالعكس في جليس السوء. لذا كما سمعتم في الحديث: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثلي... أو قال: كحامل المسك ونافخ الكير». فحامل المسك إما أن يحليك، أي يعطيك من الطيب، وإما أن تبتاع منه، أي تشتري منه طيبًا، وإما أن تجد منه ريحًا طيبًا. إذن أنت تتقلب بين... من خير إلى خير. إما أن تشتري فتربح وتأخذ الطيب، والطيب كما قيل كاسمه طيب، وإما أن تجد منه، وإما أن يعطيك من ذلك الطيب، وإما أن تجد منه تلك الريحة الطيبة. إذن أنت في خير، وتنتقل من خير إلى خير. وجليس السوء بالعكس، ومثل الجليس السيء كحامل... أو مثل الجليس السيء كنافخ الكير، إما أن يحرق عليك ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة. قال العلماء رحمهم الله: وفي هذا التمثيل من النبي صلى الله عليه وسلم بيان أن الجليس الصالح أينما كنت معه فإنك على خير، والجليس السيء حيثما كنت معه كنت على خطر وعلى سوء. وحسبك أنك تصنف بتصنيف قرينك، وبحال قرينك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله». لذا كان الناس إذا نظروا إلى إنسان وجهلوا حاله، سألوا عن أصحابه: من يجالس؟ ومن هم خلانه؟ ومن هم رفقاؤه؟ فإن قيل: من أهل الخير والصلاح، الحقوه بهم، وإن كان من أهل السوء والفساد، الحقوه بهم. لذا كان من عبارات السلف المشهورة عن أئمة السلف أنهم كانوا يقولون: «من خفيت عنا بدعته لم تخفَ عنا مودته». بمعنى أنه بمودته لأهل الخير يصنف بأنه من أهل الخير، وبمودته لأهل الشر يصنف بأنه من أهل الشر. قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور: «فلينظر أحدكم من يخالل». هذا أمر وإرشاد منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لنا جميعًا بأن ننظر من نخالل، من نصاحب، من نحب، من نجالس، من يكون جليسًا لنا. وهو حث من