الخطبة بعنوان الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 19 جمادى الآخر 1446هـ الموافق 20 ديسمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبرز الخطيب صيام الشتاء كغنيمة باردة يسهل أداؤها لقصر النهار وبرودة الطقس، مستدلاً بأحاديث تبين عظيم أجر الصيام كإبعاد الوجه عن النار سبعين خريفاً. ويذكر حرص الصحابة على صيام التطوع كقدوة للمسلمين في اغتنام مواسم الطاعات.
يستعرض المقطع فضائل الصيام العظمى كتقوى الله ودخول الجنة من باب الريان، وقطع الشهوة للشباب. ويبين أربعة أنواع من صيام التطوع: صيام داود، وصيام يومي الاثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر.
يستعرض المقطع أنواعاً موسمية لصيام التطوع كالأيام البيض ويوم عرفة وعاشوراء وست من شوال، مع بيان أحكام تميزه عن الفريضة كجواز النية نهاراً وجواز الإفطار للمتطوع. ويحث على المداومة على هذه النوافل لنيل الأجر العظيم.
يختتم الخطيب بدعاء جامع يطلب فيه المغفرة والرحمة والتوبة، وصلاح أحوال المسلمين أجمعين. ويسأل الله أن يولّي خيارهم ولا يسلّط شرارهم، مختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، لقد سبق وأن تكلمنا عن غنيمة باردة من غنائم الشتاء، ألا وهو التذكير بقيام الليل. وفي هذا المقام نذكر بغنيمة باردة أخرى من غنائم الشتاء، ألا وهو الصيام. فإن الصيام يا عباد الله في مثل هذا الوقت غنيمة باردة، كما جاء ذلك عن أبي هريرة وعن عمر رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: «الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء». وذلك لما يكون من قصر النهار ومن برودة الجو، فيسهل على الصائم الصيام في هذا الشتاء، فهو كغنيمة باردة يتحصل عليها المجاهد من غير عناء ولا تعب. أيها المسلمون وعباد الله، إن الصوم فيه أجر عظيم وفضل كبير، ولذلك ينبغي للمسلم أن يربي نفسه وأن يعودها على هذه العبادة العظيمة. جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً» -سبعين سنة-. انظروا يا عباد الله إلى هذا الفضل العظيم، هذا في صيام يوم واحد، فكيف بمن صام عدة أيام؟ وكذلك جاء عند الإمام أحمد وغيره، أو جاء عند مسلم أيضاً من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله، دلني على عمل آخذه عنك ينفعني الله به، أو مرني بأمر آخذه عنك ينفعني الله به. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «عليك بالصيام فإنه لا مثل له»، وفي لفظ: «فإنه لا عدل له، لا يعدله شيء». ولذلك قال الراوي عن أبي أمامة: فما رؤي أبو أمامة ولا امرأته ولا خادمه إلا صياماً، ولا يرى في بيت أبي أمامة دخان في النهار إلا إذا نزل عليه ضيف، فنعرف أن عنده ضيف بتصاعد الدخان في النهار. انظروا يا عباد الله إلى حرص الصحابة على الخير، وإلى همتهم في العمل بما يعلمون من نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. وكذا يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كما في الصحيحين: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وبصلاة الضحى، وبوتر قبل النوم، فلا أدعهن حتى أموت، فلا أدعهن حتى أموت». فكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه حريصاً على هذه الأعمال الثلاثة، ومنها الصيام. عباد الله، إن الصيام حفظ ووقاية للمرء من الوقوع في المعاصي والآثام. فاسمع أخي الشاب، يا من تثور بين جنبيك الشهوة، اسمع إلى ما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود، قال عليه الصلاة والسلام مخاطباً لك: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» -أي قاطعاً للشهوة، ذاهباً بها-. فهو معين بإذن الله عز وجل على لزوم الطاعة وعلى ترك المعصية. الصيام، وما أدراك ما الصيام يا عباد الله! إنها عبادة عظيمة ينبغي على المسلم أن يكون له حظ منها. ومن فضائل الصيام تقوى الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. الصيام يا عباد الله فيه منافع عظيمة، وفيه أجور كبيرة، ففرصة عظيمة أن يكون المرء من أهل الصيام وأن يكثر منه. فقد جاء أيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن في الجنة باباً يقال له الريان، لا يدخله إلا الصائمون، لا يدخله إلا الصائمون، يقال لهم: قوموا، فيدخلون منه، لا يدخل أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلا يدخل أحد منه». انظروا يا عباد الله إلى هذه الكرامة العظيمة لأهل الصيام. فنسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يجعلنا من أهل الريان، وأن يجعلنا من عباده الطائعين الصائمين القانتين القائمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، ولقد حث الشرع على صوم التطوع في أحوال وأيام معلومة، جاء ذكرها في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلله الحمد والمنة. فإن صيام التطوع جاء على أربعة أنواع: صيام يتكرر بتكرر الأيام، وهو أفضل الصيام، وهو صيام نبي الله داود: أن تصوم يوماً وتفطر يوماً، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أفضل الصيام صيام نبي الله داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً». ثانياً: من أنواع الصيام صوم أسبوعي يتكرر بتكرر الأسابيع، وهو صيام يوم الاثنين ويوم الخميس. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيامه ليوم الاثنين، فقال: «يوم ولدت فيه، وفيه أنزل علي». وجاء عند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن صيامه ليوم الاثنين والخميس، فقال: «فيهما تعرض الأعمال على الله، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». ما أعظمها من كرامة! يوم أن تعرض أعمالك على الله، فإذا فيها الصيام، وإذا فيها القيام، وإذا فيها الأعمال الصالحة. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم هذين اليومين ليعرض عمله وهو صائم، وهو قائم بهذه العبادة العظيمة الجليلة. وهكذا النوع الثالث من أنواع صيام التطوع: صيام شهري يتكرر بتكرر الشهور، وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، كما سمعت في حديث أبي هريرة: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث: أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر». وهكذا الأفضل في هذه الأيام أن تصام في الأيام البيض، وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، لحديث أبي ذر عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له: «يا أبا ذر، إذا صمت في الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة». وهكذا يجوز أن تصام في أي أيام الشهر، في أي أيام الشهر، لحديث معاذة رضي الله عنها أنها سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: هل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؟ قالت: نعم. فقالت لها: فأي أيام الشهر كان يصومه؟ فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان لا يبالي في أي أيام الشهر»، كان لا يبالي، أي في أي يوم من أيام الشهر. وهناك أيضاً قول آخر لبعض أهل العلم: قال: وأيضاً لو صام العبد، أو لو صام الصائم في كل عشرة أيام يوماً، لكان ذلك حسناً. ولكن الأفضل كما جاء في حديث أبي ذر أن تصام الثلاثة الأيام البيض، لمن قدر على ذلك وتيسر له ذلك. الحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى، أي حديث عائشة في سؤال معاذة لها. وهكذا يا عباد الله، النوع الرابع، النوع الرابع من أنواع صيام التطوع: صيام سنوي يتكرر بتكرر السنوات، كصيام يوم عرفة، أو صيام يوم عاشوراء، أو صيام الست من شوال، أو صيام التسع من ذي الحجة، أو صيام أكثر المحرم، أو صيام أكثر شعبان. فكل ذلك مما وردت فيه الأدلة بالحث على صيامه والترغيب فيه. أيها المسلمون عباد الله، وإن مما يفارق صيام التطوع صيام الفريضة: أنه يجوز للصائم أن يعقد نية صيام التطوع من النهار، بشرط أن لا يأكل شيئاً قبل عقد نيته، أي أنه لم يأكل شيئاً منذ طلوع الفجر إلى حين عقد نية صيام التطوع، لما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل عليها فقال: «هل عندكم شيء؟» قالت: لا. فقال عليه الصلاة والسلام: «إذن إني صائم». فعقد النية من هذا الوقت، وهذا هو قول جمهور أهل العلم. وينال الصائم من الأجر بقدر الوقت الذي صامه، ولو بعد الزوال، ولو قبل الزوال، فالمهم أنه لم يأت بمفطر قبل عقد نيته. وهكذا مما يفارق فيه صيام التطوع صيام الفريضة: أن الصائم صيام التطوع له أن يفطر إن بدا له ذلك، كأن يكون فطره سبباً لدخول السرور على أخيه المسلم الذي دعاه، أو كذلك لأمر احتاج إليه، فله أن يفطر، فهو أمير نفسه، كما جاء في حديث أم هانئ عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر». ولا شك أن الأفضل والأكمل أن يصوم إذا لم يعرض له عارض، وإذا لم يكن في فطره مصلحة، وإذا لم يكن في فطره مصلحة. فهذه بعض الأحكام، وبعض كذلك الأحاديث التي تحثنا على هذه العبادة الجليلة. ألا فيا عباد الله، ليكن لنا حظ منها، ول نقبل عليها، ولنعلم أنها أيسر في هذه الأيام علينا من غيرها من الأيام. ألا فلنكن من أهل الصيام، ولنعود أنفسنا على هذه العبادة العظيمة، العبادة الجليلة التي سمعنا فضلها وأجرها، وعظيمة كذلك منزلتها. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. اللهم ول علينا خيارنا، ولا تول علينا شرارنا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا أرحم الراحمين. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.