الدرس في الجواب الكافي 56، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول أسباب حدوث الزلازل وفقًا للأحاديث النبوية والآثار، حيث يرى أن انتشار المعاصي يؤدي إلى وقوع الزلازل كعقوبة إلهية. يُذكر أن الله تعالى يغار على دينه ويعاقب العباد على إفسادهم في الأرض.
يشير إلى أن فعل الطاعات والصدقات سبب لدفع عذاب الله، ويستشهد بوصية عمر بن عبد العزيز بالتصدق والدعاء عند حدوث الرجف، وكذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرشد إلى الصدقة عند الكسوف.
يتناول تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم من الركون للدنيا والحرص على المال، ويشرح تأثير ذلك على سلوك الناس ومعاملاتهم المالية مثل بيع العينة وبيع التورق.
يشرح جواز بيع التمر الرديء لتحصيل التمر الجيد أو المال للحاجة، مثل شراء شيء ضروري، ويعتبر هذا الأمر جائزا وفقا للاحتياج.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المقيم رحمه الله تعالى: وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة وهو رجل آخر، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين، حدثين عن الزلزلة. فقالت: «تستباحوا الزنا، وشربوا الخمور، وضربوا بالمعازف، غار الله عز وجل في سمائه، فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا وإلا هدمها عليهم». قال: يا أم المؤمنين، عذابا لهم؟ قالت: «بلى، موعظة ورحمة للمؤمنين، ونكالا وعذابا وسخطا على الكافرين». فقال: أنا سمعت حديثا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا أشج فرحا به مني بهذا الحديث. تقدم أن الحديث ضعيف، بل حكم عليه بعضهم العلم بالوضع، وذكرنا شيئا مما يتعلق بما دل عليه النصوص مما ذكر فيه كاستباحة الغناء وإعلان الفواحش وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: وذكر ابن أبي الدنيا حديثا مرسلا أن الأرض تزلزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوضع يده عليها، ثم قال: «اسكني، فإنه لم يأني لك بعد». ثم التفت إلى أصحابه فقال: «إن ربكم ليستعتبكم، فاعتبوه». ثم تزلزلت بالناس على عهد عمر بن الخطاب، فقال: أيها الناس، ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه، والذي نفسي بيده لئن عادت لأساكنكم فيها أبدا. وهذا كما ذكر رحمه الله أنه مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، وفي سنده شهر بن حوشب وليث بن أبي سليم، وهما ضعيفان. وما ذكر فيه ريان عقوبة الله جل وعلا على عباده، وأن الناس إذا اقترفوا الذنوب والمعاصي وانتشرت المنكرات، عاقبهم الله، قد يعاقبهم بمثل هذه العقوبات مثل الزلازل وغير ذلك. وهذا حادث تحصل الزلازل في بعض البلاد أحيانا بين فترة وأخرى، وذلك دليل على أن الله جل وعلا غار سبحانه وتعالى، فالله غيور على دينه جل وعلا، إن الله يغار. قال رحمه الله تعالى: في مناقب عمر لابن أبي الدنيا أن الأرض تزلزلت على عهد عمر، فضرب بيده عليها وقال: «مالكي، مالكي، أما إنها لو كانت القيامة لا حدثت أخبارها». سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان يوم القيامة فليس فيها ذراع ولا شبر إلا وهو ينطق». وهذا أيضا ضعيف، بل في سنده من هو متهم بالوضع، وفيه ما ذكر في ما قبله. قالوا: ذكر الإمام أحمد عن صفية، وهي زوجة عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم، قال: زلزلت المدينة على عهد عمر، فقال: يا أيها الناس، ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتم، لئن عادت لأساكنكم فيها. وهذا صحيح، بعض العلماء صححه عن صفية رضي الله تعالى عنها زوجة عبد الله بن عمر، وفيه بيان شيء من عقاب الله على عباده إذا أحدثوا الذنوب والمعاصي وظهرت المنكرات. قال: وقال كعب: «إنما تزلزل الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي، فترعد فرقا - أي خوفا - من الرب عز وجل أن يطلع عليها». وهذا كذلك ضعيف، بل وفيه في متنه نكارة، فترعد فرقا من رب عز وجل أن يطلع عليها، فالله جل وعلا مطلع على كل شيء، الله جل وعلا مطلع على كل شيء، فلا يخاف منه جل وعلا أن يطلع على شيء من الذنوب والمعاصي، فيه شيء من نسبة النقص في علم الله جل وعلا، فهو مردود ولا يصح. قال رحمه الله تعالى: وكتب عمر بن عبد العزيز للأمصار: أما بعد، فإن هذا الرجف شيء يعاتب الله عز وجل به العباد، وقد كتبت إلى الأمصار أن يخرجوا في يوم كذا وكذا في شهر كذا وكذا، فمن كان عنده شيء فليتصدق به، فإن الله عز وجل يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾، وقولوا كما قال آدم: «ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين»، وقولوا كما قال نوح: «وإن لا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين»، وقولوا كما قال يونس: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين». وهذا إسناده صحيح كما ذكر بعض العلماء إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وأنه كتب هذا إلى الأمصار يوصيهم بالصدقة، وكذلك بالدعاء، وأن يدعوا بما دعا به الأنبياء، لأن الصدقات والدعاء وفعل الطاعات سبب لحصول البركات وسبب لدفع العقوبات. فمن أعظم أسباب دفع العقوبات فعل الطاعات وفعل الصالحات، فإذا سارع الناس إلى فعل الطاعات وفعل الصالحات كان سببا لدفع عذاب الله، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام أرشد في الكسوف إلى الصدقة، لأن الصدقة سبب لإطفاء غضب رب العالمين جل وعلا. فإذا حدث الكسوف خرج النبي صلى الله عليه وسلم فزعا، فالصدقات والأعمال الصالحات سبب لإطفاء غضب الله عز وجل، فيرحمهم الله جل وعلا، لأنه قد ينزل عذابا عليهم، لا يدرى ماذا بعد هذا الكسوف للقمر أو الشمس، فالإنسان يكون في هذا الوقت على خوف وخائفا، يفزع إلى الصلاة، يريد من الله جل وعلا أن يرفع هذا، ومن أعظم ما يرفع هذا الصدقة. فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى الصدقة، وكانت عندنا عادة قديمة، لكن الآن الحمد لله انتهت، لأنها عادة هي بدعة، كان الناس إذا حصل الكسوف خرج الأولاد الصغار والبنات، ولعل بعضكم أدرك هذا، يدورون في الشوارع: «يا غافلين، قسموا تمرا للمحسنين»، أو «يا محسنين، قسموا تمرا للجاهلين»، وهكذا، ومعهم علب اللبن، قصاع، يفقعون بها، يدورون إلى أن يرجع القمر إلى ما كان، يدورون في الشوارع: «يا غافلين، قسموا تمرا للجاهلين»، «يا غافلين، قسموا تمرا للجاهلين». نعم، هذا كان قبل ثلاثين سنة أو أكثر قليلا، فكان الجهل منتشرا انتشارا عظيما، الشيبان يعرفون هذا، وبعض الشباب الكبار يعرفون هذا. قال رحمه الله تعالى: وقال لنا محمد، حدثنا أسود بن عامر، قال: حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بلاء، لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم». وهذا رواه أبو داود، إسناده حسن، صححه العلامة الألباني رحمه الله كما في الصحيحة وغيرها. وفي هذا الحديث الحذر من هذه الخصال، لأنها من أسباب حصول البلاء، فمن أعظم أسباب حصول البلاء والفتن والمصائب الركون للدنيا والحرص على الدينار والدرهم، ويصير أكثر هم الناس الدينار والدرهم، دخل من حلال أو دخل من حرام، أدوا فرائض الله، المهم الدينار والدرهم، صاروا يتبايعون بالدينار والدرهم، ويحصلون على ذلك، يوالون لأجل ذلك، يعادون لأجل ذلك، وهكذا. فإذا ضنوا بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة، صاروا لا يبالون ببيوعهم ومعاملاتهم، هل هي حلال أم هي حرام؟ يتبايعون ببيوع ربوية، وذكرنا بمثال على ذلك بيع العينة. بيع العينة أن يشتري الشخص من بائع، يشتري مثلا ثلاجة، يشتري مسجلة، يشتري سيارة، أي شيء يشتريه، مثلا بخمسين ألف ريال، مؤجلا دينا، فيسجلها عليه دينا، ثم يشتريها هذا البائع بأربعين ألف ريال نقدا، هذه أربعون ألف ريال، ثم إذا مرت السنة، جاء ودفع المبلغ كاملا، ففيه زيادة عشرة، فهذا بيع العينة، فيه تحايل على الربا. وهناك بيع التورق، يختلف عن بيع العينة، بأن يبيع لغير الذي اشترى منه، عمر، زيد اشترى من عمر ثلاجة بثلاثين ألف ريال، دينا، ذهب زيد إلى بائع آخر، فباع له ثلاجة بخمسة وعشرين ألف ريال، قاصر خمسة آلاف، هذا يقال له بيع التورق، لأنه يريد الورق، وهو الفضة، كان يتعاملون بالفضة وبالذهب، فهو يريد هذا المبلغ، ما يريد ثلاجة ولا يريد سيارة، ولا يريد فرنا، ولا يريد شيئا، يريد مالا. فذهب إلى عمر واشترى الثلاجة، سجل عليه دينا بثلاثين ألفا، ثم يبيعها لصالح بأقل، بسبعة وعشرين، بخمسة وعشرين، هذا بيع التورق، فيه خلاف بين العلماء، الجمهور على جوازه، سدوا بحديث أبي سعيد الخدري الصحيح، حين جاء ذلك الصحابي للنبي عليه الصلاة والسلام بتمر جنيب من تمر المدينة، وهو من التمر الجيد، فقال له النبي عليه السلام: «أكل تمر المدينة هكذا؟» قال: لا يا رسول الله، إننا نشتري الصاع من هذا بالصاعين، نشتري الصاع من هذا التمر الجنيب الجيد بصاعين من التمر الرديء. فقال النبي عليه السلام: «لا تفعل ذلك، بيع الجملة بالدراهم - يعني التمر الرديء - بيعه بالدراهم، الفضة، ثم اشتر به جنيبا». يعني بيع التمر الرديء أولا، ثم يشتري الجنيب الجيد بزيادة. فأخذها العلماء من هذا جواز بيع التورق، لأن هذا فعل هذا يريد تمرا جيدا، قالوا: فيدخل فيه كل ما احتاجه الشخص، من الناس من يحتاج مالا، يشتري شيئا الآن في السوق، مثلا فواكه وخضروات، وكذا وكذا من الأشياء، طيب الإنسان ما عنده مال، ما عنده مال، يريد مالا، فإذا هو يذهب ويشتري شيئا سلعة، وإن كان لا يريدها، وما عنده مال أصلا، فهو يذهب ويشتريها دينا عليه، ثم يبيعها لشخص آخر، لأجل التورق، وهو المال، فهذا أجازه جمهور العلماء، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والإمام ابن القيم، وجمع من العلماء أجازوا التورق، لكن كما يقال: للحاجة، إذا احتاج الإنسان فلا بأس. وعلى هذا فتوى وقرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وأيضا فتوى لسماحة العلامة ابن باز رحمه الله، وعبد الرحمن السعدي، جمع من العلماء أجازوا التورق، لكن كما يقال: للحاجة، إذا احتاج الإنسان فلا بأس بهذا، لأن الأصل في المعاملات الحل، إلا بدليل واضح وبين، ولا دليل واضح يدل على منع مسألة التورق، بل حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح يدل على جواز هذا للحاجة، كما كان يحتاجون للتمر الجيد. نعم، فيبيعون التمر الرديء لتحصيل التمر الجيد، فقد يحتاج الناس إلى المال لشراء شيء آخر، ما عندهم مال، ولا يمكن الوصول إلى ذلك إلا بشراء شيء لي، بشراء شيء دينا عليهم، فيأخذوا المال، فيشتروا به ما أرادوا، فصار هذا الأمر جائزا للحاجة، والله أعلم. ونكتفي بهذا، صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.