الدرس في الجواب الكافي 50، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل حديث ابن القيم عن أقوال الإمام أحمد والرسول صلى الله عليه وسلم حول عقوبة الله للأمم التي تضيع أمره وتكثر من المعاصي. كما يشير إلى أن العقوبة تشمل الجميع ولكن الصالحين يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان.
ذكر ابن القيم أحاديث وأثار لبيان أسباب حلول المصائب والفتن على الناس، منها ابتغاء الدنيا بالدين وظهور الربا والزنى وإضاعة العمل بالعلم والتقاطع بالأرحام. هذه الأسباب تؤدي إلى حلول العقوبات والمصائب على الناس في مجتمعاتهم.
يتناول هذا الفصل حديثًا نبويًا يشير إلى أن الأمم ستتداعى على الأمة الإسلامية من كل الجهات بسبب تفريطها في دينها. الحديث يصف هذا التداعي بمثل الأكلة التي تتجمع على قصعتها.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الصفوان بن عمر، قال: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، قال: لما فتحت قبرص، فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم عز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى. وقال علي بن الجعد: أنبأنا شعبة، عن عمر بن مرة، قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم. وفي مسند الإمام أحمد، من حديث أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا ظهرت المعاصي في أمتي، عمهم الله بعذاب من عنده، فقلت: يا رسول الله، أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟ قال: بلى، قلت: كيف يصنع بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان. وفي مراسيل الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزال هذه الأمة تحت يد الله، وفي كنفه، ما لم يمالئوا أمراءهم، وما لم يزكي صلحاؤهم فجارهم، وما لم يهن خيارهم أشرارهم، فإذا فعلوا ذلك، رفع الله يده عنهم، ثم سلط عليهم جبابرتهم، فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر. وفي المسند، من حديث ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل لا يحرم الرزق بالذنب يصيبه. وفيه أيضا، عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قلنا: يا رسول الله، أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا، وكراهة الموت. وفي المسند، من حديث أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما عرج بي، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم. وفي جامع الترمذي، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين، ويلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله عز وجل: أبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيها حيرانا. وذكر ابن أبي الدنيا، من حديث جعفر بن حمد، عن أبيه، عن جده، قال: قال علي: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، ساجدتهم يومئذ عامرة، وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، منهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود. وذكر من حديث سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: إذا ظهر الربا والزنى في قرية، أذن الله عز وجل بهلاكها. وفي مراسيل الحسن: إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا بالأرحام، لعنهم الله عز وجل عند ذلك، فأصمهم وأعمى أبصارهم. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى هذه الأحاديث، وهذه الآثار، لبيان أسباب ما يحل بالناس من المصائب والفتن والهلاك، وهي أسباب متنوعة، إذا وقعت في دنيا الناس، في مجتمعاتهم، حل بهم من العقوبات والمصائب ما حل بهم. فذكر ما جاء في مسند الإمام أحمد، عن أبي الدرداء، حين فتحت قبرص، فلما فرق بين أهلها، بكى أهل هذه البلاد، حين فرق بين أهلها، فأبو الدرداء جلس يبكي، فجبير بن نفير استغرب من بكاء أبي الدرداء، لماذا يبكي في هذا اليوم الذي أعز الله فيه أهل الإسلام؟ فقال له: ما يبكيك في يوم عز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: ما أهون الخلق على الله عز وجل، كانوا على ملك، وكانوا على عزة، كانت أمة قاهرة وظاهرة، لهم الملك، فبعد هذا صاروا إلى ما صاروا عليه من الهوان، بسبب ما وقعوا فيه من المخالفات. وذكر عن أبي البختري، عن من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم، وهذا حديث صحيح، كما صححه العلامة الألباني. وفيه أن الله جل وعلا لا يهلك الناس حتى يقيم عليهم الحجة، حتى يعدروهم من أنفسهم، لأن الله جل وعلا يحب العذر، وإقامة الحجة. وذكر رحمه الله تعالى ما جاء في مسند الإمام أحمد، من حديث أم سلمة، في قوله صلى الله عليه وسلم: إذا ظهرت المعاصي في أمتي، عمهم الله بعذاب من عنده. والحديث صحيح، كما صححه العلامة الألباني. وفيه بيان أن الله جل وعلا يعم عذابه الصالح والطالح، إذا نزل العذاب، لكن الصالحين يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان. ثم ذكر رحمه الله تعالى ما جاء عن الحسن، لكنه مرسل، وفيه أن هذه الأمة لا تزال تحت يد الله ورحمته، وفي كنفه، إلا إذا حصلت هذه الأمور المخالفة لشرع الله جل وعلا، مثل ممالاة الأمراء، وتزكية الفجار، وإهانة الأخيار، فإذا حصل هذا، رفع الله يده عنهم، ثم سلط عليهم جبابرتهم، فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر. وذكر عن ثوبان رضي الله تعالى عنه، في المسند، عند الإمام أحمد، عنه صلى الله عليه وسلم قال: إن الرجل لا يحرم الرزق بالذنب يصيبه. وفيه أيضا، عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. والحديث صحيح، كما صححه العلامة الألباني. وفيه أن هذه الأمة ستداعى عليها الأمم من كل الجهات، بسبب تفريطها في دينها، وعدم اعتزازها بشرع الله جل وعلا. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.