المحاضرة بعنوان التذكرة بحديث لا عدوى ولا طيرة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بتاريخ 24 صفر 1448هـ الموافق 7 أغسطس 2026م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبيّن الخطيب أن الجهل هو أصل المعاصي والشرور في مجتمعات المسلمين مستدلاً بالوحي، وأن العلاج يكمن في العلم النافع من الكتاب والسنة والجلوس للعلماء. وقد قدم المحاضر الشيخ وليد مقرم للحديث في هذا الموضوع الحيوي.
يستعرض المتحدث نصوص الوحيين الدالة على قدسية النفس المسلمة وتحريم قتلها بغير حق، مبيناً أن الجهل بحرمة الدماء سبب رئيس في انتشار القتل. ويستشهد بقصة بني إسرائيل وأحاديث رفع العلم ونزول الجهل محذراً من التهاون في دم المعصوم.
يشرح المقطع أن حديث «لا عدوى» ينفي تأثير العدوى بذاتها واستقلالها عن مشيئة الله لا ينفي وجودها كسبب قدري، ويجمع بين ذلك والأمر بالفرار من المجذوم وتجنب أرض الطاعون. ويستدل بفعل عمر بن الخطاب في طاعون عمواس محذراً من التشاؤم بشهر صفر.
يشرح المقطع حديث «لا عدوى ولا طيرة» مبيناً أن النفي أبلغ من النهي، ويستعرض صور التطير عند أهل الجاهلية كالتشاؤم بالطير والمنازل والأيام مع أمثلة قرآنية. ويبطل الاعتقاد في الهامة والصفر وطائر الدميمة مؤكداً أن الخير والشر بقضاء الله وقدره.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فإن الناظر فيما يقع في مجتمعات المسلمين من المعاصي والذنوب، كبيرها وصغيرها، ابتداء من الشرك إلى ما هو دونه، سببه الجهل. فالجهل يا عباد الله من أعظم أسباب تلك الشرور التي تعج بها مجتمعات المسلمين. وقد بيّن ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن ما من عاصم يعص الله عز وجل إلا وهو جاهل. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. وهكذا الأنبياء لما دعوا أقوامهم إلى توحيد الله فأبى هؤلاء إلا الإصرار على الشرك، بيّن هؤلاء الأنبياء أن سبب شركهم هو الجهل. قال نبي الله نوح: ﴿ وَيَا قَوْمِ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِن مَالٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ﴾، ﴿ وَلَا أَطْرُدُ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾. وقال نبي الله هود: ﴿ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾. وقال نبي الله لوط: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾. فانظروا كيف يؤدي الجهل بأصحابه إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى. وكذلك الجهل، كفى به ذماً أن يتبرأ منه من هو فيه. لو أتيت إلى جاهل وقلت له: يا جاهل، لغضب وتبرم وقال لك: أنا جاهل وهو جاهل. فكفى بالجهل ذماً أن يتبرأ منه من هو فيه، وكفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس فيه. من ليس بعالم لو قلت له: يا عالم، انتفخ وفرح بهذا اللقب. فانظروا يا عباد الله إلى أثر الجهل في المجتمعات. فما هو علاج هذا الجهل؟ علاج هذا الجهل يا عباد الله هو العلم النافع من الكتاب والسنة، ومن الجلوس بين يدي علماء الأمة. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "والجهل داء قاتل وشفاؤه أمران في التركيب متفقان: نص من القرآن أو من سنة، وطبيب ذاك العالم الربان". هذا هو علاج ما نراه من جهل في مجتمعات المسلمين. وليس المراد بالجهل يا عباد الله الجهل بالأحكام الشرعية فحسب، فهذا نوع من أنواع الجهل، ولكن من الجهل كذلك الجهل بعقوبات الذنوب والمعاصي، والجهل بغضب وسخط الله عز وجل على من عصاه. فإذا هذه المجالس وهذه المحاضرات مما يسهم في رفع الجهل عن هذه الأمة. انظروا يا عباد الله إلى انتشار الشرك في مجتمعات المسلمين، ودعاء غير الله عز وجل، والتعلق بغير الله من دعاء غيره، ومن الاستغاثة بغيره، ومن كذلك اتخاذ الأسباب التي لم يجعلها ربنا سبحانه وتعالى أسباباً لا للشفاء ولا لدفع الضر ولا لجلب الخير. فتجد كثيراً من المسلمين لجهلهم يتعلقون بهذه الأمور الشركية، سواء أكانت من الشرك الأكبر أو من الشرك الأصغر. وهكذا انظروا يا عباد الله، لا نسمع في هذه الأيام من كثرة سفك الدم المسلم بغير حق، إما بضرب بالسلاح وإما بطعن بالسكاكين وإما بغير ذلك. إنما سبب هذا يا عباد الله هو الجهل بدين الله سبحانه وتعالى، وإلا لو علم هذا القاتل عقوبة وعظم حرمة دم المسلم لما تجرأ ولما فعل هذه الفعلة الشنيعة. وهكذا ما هو منتشر بين شباب الأمة من المخدرات ومن المسكرات، إنما سبب ذلك الجهل بدين الله سبحانه وتعالى. هذا الدين الذي جاء بحفظ ضروريات الخمس، ومنها حفظ هذه العقول من أن تكون خارجاً عما خلقت له. فتجد من يتعاطى هذه المخدرات يكون كالمجنون، يفعل فعل المجانين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. وهكذا ما نراه من التبرج والسفور والزنا وغيرها من تلك المنكرات، إنما سببها الجهل بدين الله سبحانه وتعالى. فوفق الله عز وجل أهل العلم وأهل السنة بتعليم الناس دين الله سبحانه وتعالى، سواء كان عن طريق المراكز العلمية والدروس المستمرة، أو بالمحاضرات الأسبوعية، أو بالدروس العامة اليومية، أو بالدعوة إلى الله عز وجل بعد كل صلاة ونحو ذلك. فهذه لا شك أنها تسهم في تثقيف الناس وفي تعليمهم، وفي كذلك إخراجهم من هذه الجهالات. ونحن في هذه الليلة مع محاضرة للشيخ الفاضل، الشيخ الوقور، والداعية الصبور، حفظه الله تعالى، أخونا أبو خالد وليد مقرم، حفظه الله تعالى، فجزاه الله خيراً. يتعاهد بلده هذه البلد بين فترة وأخرى، فيأتي إما محاضراً وإما خطيباً وإما محاضراً وخطيباً على ما يتيسر له، فجزاه الله خيراً. وندعوه ألا يتأخر عن مثل هذه المحاضرات وهذه المجالس الطيبة النافعة، وقد نفع الله به بما أتاه الله عز وجل من الإلمام بالموضوع الذي يتكلم فيه، وبالتفصيل فيه بأسلوب علمي، بأسلوب كذلك طيب، جزاه الله خيراً وبارك الله فيه. فإن شاء الله تعالى بعد ركعتي السنة تبدى محاضرته، فأهلاً وسهلاً ومرحباً به في بلده وفي مركزه وبين إخوانه وأهله. أسأل الله أن يفتح عليه وأن يسر له الخير، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله تبارك وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضى، الذي يسر لنا هذا اللقاء وهذا الاجتماع في هذا الجامع، في هذه الدار، جامع التقوى بجرية الشهر، محافظة حضرموت. صلى الله عز وجل أن يجعل لقاءنا هذا لقاءً مباركاً، اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروم. شكر الله للشيخ الفاضل أبي معاد، أبي بكر با طيب، حفظه الله، على ترحيبه، مقدمته، وما أتحفنا به من فوائد في كلمته التي ذكر فيها بخطورة الجهل وآثار الجهل إذا وجد على المسلمين في معتقداتهم وفي عباداتهم وفي معاملاتهم وأخلاقهم. الجهل هو رأس كل شر. فما أشرك من أشرك إلا بسبب جهله بحق الله تبارك وتعالى عليه من التوحيد والعبادة وإفراده جل وعلا بالعبادة. وما ابتدع من ابتدع إلا بسبب جهله بحق الله وحق رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، الذي لا ينبغي أن يستدرك عليه وأن يزاد على ما شرعه عليه الصلاة والسلام بما أواه الله جل وعلا إليه. وهكذا الجهل بالمعاملات وغير ذلك. وكما سمعتم، حتى الشرك إنما كان سبب وقوع من وقع فيه هو الجهل. فهذا موسى عليه الصلاة والسلام، قال جل وعلا عنه في كتابه الكريم: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. وحدثاء العهد بالكفر من مسلمة الفتح لما خرجوا يوم حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه عند الترمذي وغيره، مروا على سجرة للمشركين يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، أي يعلقونها يطلبون البركة، يقال لها ذات أنواط. فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم». فهذا الجهل يعمل بأصحابه. وهذا سمعت بكلمة الشيخ حفظه الله أن كثرة القتل قد انتشرت، أي في أوساط المسلمين، كثر القتل، وسبب القتل الجهل بحق هذه النفس المسلمة التي جعل الله جل وعلا لها حقوقاً وجعلها حرمة. فهؤلاء المعتدون على هذه الأنفس، إنما كان من أسباب ذلك جهلهم بحق هذه النفس المسلمة التي شهدت لله جل وعلا بالوحدانية، شهدت النبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة، فصارت نفساً مصونة، صارت نفساً معصومة، لا يجوز الاعتداء عليها لا في عرض ولا في مال، فضلاً عن الاعتداء على هذه النفس وسفك دمها. لكنه الجهل. صدق رسول الله صلى الله عليه وآله صحبه وسلم، قد ثبت في البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود، وجاء من حديث أبي موسى الأشعري وأبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بين يدي الساعة أياماً يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج». قالوا: ما الهرج يا رسول الله؟ قال: «القتل، القتل». العلم يرفع، وإذا رفع العلم نزل الجهل، وانتشر الجهل، وإذا انتشر الجهل كثر الهرج، والهرج القتل بلسان الحبشة. فهكذا هو الجهل عباد الله. ومحاضرتنا في شرح حديث: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». حديث أبي هريرة، وجاء من حديث أنس في البخاري ومسلم وغيرهما. وحب أن أذكر بعض نصوص الوحيين في حرمة دماء المسلمين من باب الإسهام في التحذير من التهاون بقتل النفس المعصومة من غير تعليق، حتى لا يطول المقام، ثم نرجع إلى موضوع محاضرتنا. وإنما ذكرت لنصوص من الكتاب والسنة، وأعظم ما يوعظ به العباد كلام الله جل وعلا، كلام رسوله صلى الله عليه وسلم. إذا لم يرتدع العبد بكلام الله جل وعلا، كلام رسوله عليه الصلاة والسلام، فبماذا سيرتدع؟ وإذا لم يخوف بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فبماذا يخوف؟ هل هناك أعظم من كلام الله أو من كلام رسوله صلى الله عليه وسلم؟ ومن هذه النصوص ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَن أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ * مِّنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾. وقال عز وجل: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾. وقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾. في الصحيحين، حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض». ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». لما أراد الخوارج قتل عثمان الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه، قال لهم: على ما تقتلوني؟ على ما تقتلوني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». فوالله ما زنيت لا في جاهلية ولا في إسلام، ولا قتلت نفساً بغير حق، ولا رغبت عن ديني بعد أن هداني الله إليه. وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء». وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل». في البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». وفي البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أبغض الرجال إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومطلب دم امرئ مسلم ليهريق دمه، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية». وفي مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن نبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً». وجاء خارج الصحيح: «فإن أصاب دماً حراماً بلح، فإن أصاب دماً حراماً بلح، خرج من السعة التي كان عليها والفسحة التي كان عليها». فمعنى أنه سيعتدي على أنفس أخرى. وتعلمون حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري في الذي قتل مائة نفس، وإنما قتل مائة نفس لأنه استهان بالأمر حين قتل النفس الأولى. نرجع إلى موضوع محاضرتنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه بهريرة وأنس المالك في البخاري ومسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». زاد مسلم في روايته: «ولا نوء ولا غول». لا عدوى، ولا طيرة. سبب اختيار هذا الموضوع أننا في آخر شهر صفر، هناك من الناس من لا زال على اعتقاد أهل الجاهلية من التشاؤم بهذا الشهر أو ببعض أيامه، فلزم التذكير، تذكير المسلمين، لأن هناك ربما من لا زال يجهل فيقع في هذا الشرك، وهو التشاؤم والتطير. والتشاؤم شرك، ثبت عند الترمذي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك». قال ابن مسعود: وما منا إلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى». هنا النفي لتأثير العدوى بذاتها، وليس نفياً لوجود العدوى. قد اختلف العلماء في قول عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى»، هل هو نفي لوجود العدوى، أي أنها غير موجودة، ومن اعتقد وجودها فقد وقع في الإثم والاعتقاد المخالف للشرع؟ أم المراد به نفي تأثير العدوى بذاتها، وأن تكون مؤثرة بذاتها، بمعنى أن من خالط مريضاً فلابد من انتقال المرض إليه عن طريق العدوى ولابد؟ فقول عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى»، أي مؤثرة بذاتها، وليس المراد بقول «لا عدوى» أي لا وجود للعدوى، وليس المراد نفي العدوى. فالعدوى موجودة، العدوى موجودة، وهذا مشاهد في الواقع، ينتقل المرض من المريض إلى السليم. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «لا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا، لا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا»، قال أعرابي: يا رسول الله، إن الإبل تكون كالظباء في الرمل، فإذا خالطها البعير الأجرب أجربها. يعني هذا شيء موجود يا رسول الله، هذا بعير سليم كالظبي ما به جرب، لما خالطه البعير الأجرب أجربه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أعدى الأول؟ فمن أعدى الأول؟» الأول الذي أصابه الجرب، أول بعير أجرب، من الذي نقله الجرب وهو لم يخالط؟ الجواب: الله. إذن كذلك انتقل هذا الجرب من هذا البعير الأجرب إلى هذا البعير السليم بإذن الله عز وجل. أهل الجاهلية كانوا يقولون: لا، لا يعتقدون هذا، يعتقدون أنه لابد خالط البعير السليم الأجرب فلابد من أن تنتقل العدوى فيجرب هذا البعير كالبعير الأجرب، فيجرب هذا البعير السليم كالبعير الأجرب. فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد نفي هذا الاعتقاد الجاهلي الذي كان عليه أهل الجاهلية، وأنهم يعتقدون أن العدوى تنتقل بذاتها لا بإذن الله جل وعلا، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى». وجعل عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يوردن ممرض على مصح» كما في حديث أبي هريرة. العنو: حدث بحديث «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، وأيضاً حدث بحديث «فر من المجذوم كما تفر من الأسد»، حدث بحديث «لا يوردن ممرض على مصح ولا مصح على ممرض». ثم بعد ذلك أبو هريرة رضي الله تعالى عنه سكت عن التحديث بأحد الحديثين، وسكت عن حديث العدوى، فقالوا: قد كنت تحدث بهذا، فسكت. يعني كأن أبا هريرة رضي الله عنه وجد إشكالاً بين الحديثين: حديث الأول «لا عدوى»، وهنا «لا يورد ممرض على مصح». الجمع بين هذا: النفي للعدوى في الحديث الأول، النفي لتأثيرها بذاتها، و«لا يوردن ممرض على مصح» من باب الأخذ بالأسباب، من باب الأخذ بالأسباب. فإن المسلم مأمور بالأخذ بالأسباب، لأنه إذا خالط المريض قد تنتقل عدوى بإذن الله. نعم، العدوى لا تنتقل العدوى بذاتها، العدوى تنتقل لكن بإذن الله عز وجل. فالمسلم مطالب بالأخذ بالأسباب فلا يخالط المريض، لماذا؟ لأن ذلك من أسباب انتقال العدوى بإذن الله تبارك وتعالى. في البخاري أن عمر رضي الله عنه لما أراد الدخول بالجيش إلى بلاد الشام، فاعترضه أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، لأن عمر علم وجاء الخبر أن في بلاد الشام الطاعون، فأراد يرجع بالجيش. فقام أبو عبيدة رضي الله عنه وقال لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، أفراراً من قدر الله؟ أفراراً من قدر الله؟ يريد أن يدخل، أن يدخل عمر بالجيش بلاد الشام. فقال له عمر رضي الله عنه: لو أن غيرك قال يا أبو عبيدة، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت إن كانت لك إبل، نزلت بها وادياً، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيها في الأرض الخصبة فبقدر الله، وإن رعيها في الأرض المجدبة فبقدر الله؟ فبقدر الله. فأثناء الحديث جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، وكان في غيبة له، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه». هذا من باب الأخذ بالأسباب، يعني أن عبد الرحمن بن عوف ذكر هذا الحديث الذي وافق قول عمر وهو الرجوع بالجيش، لا يدخل بالجيش إلى بلاد الشام فيها الطاعون. قد مات في طاعون عمواس جملة من الصحابة، منهم معاذ بن جبل رضي الله عنه وجماعته. فوافق عبد الرحمن بن عوف، ووافق قول عبد الرحمن بن عوف الذي ذكره هو الحديث عنه عليه الصلاة والسلام، ما أراده عمر رضي الله تعالى عنه وهو الأخذ بالأسباب. هذا من باب الأخذ بالأسباب، والآن يسمونه بالحجر الصحي. تعلمون لما جاء مرض كورونا وجدت هناك المحاجر في عزل هؤلاء المرضى. وهكذا لما حصل الجذام، وربما إلى اليوم في طريق مكة، تعلمون ذلك المكان الذي يقال له "مأوى المجذومين"، عزلوا في ذلك المكان. هذا من باب الأخذ بالأسباب، هذا من باب الأخذ بالأسباب. لكن أحياناً المسلم قد يفعل هذا الشيء، مثلاً يخالط المريض، ويخالط مثلاً من به جرب، ويخالط من به كورونا أو كذا، إذا رأى أن هناك من عنده الاعتقاد الفاسد، ليبطل هذا الاعتقاد، وليبين له أن الأمر بقدر الله عز وجل، فليخالطه، ولن يحصل شيء بإذن الله تبارك وتعالى. وذلك جاء حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، محسن بعضه، علم أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من قصعة مع مجذوم وقال له: «كل ثقة بالله عز وجل، بسم الله». فهذا الحديث، قاله العلم، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين أن الأمر بقدر الله عز وجل. فمعناه أنه أحياناً قد تحتاج المصلحة إلى المخالطة، إذا كان عدم المخالطة مفسدته أكبر، فترتكب المفسدة الأدنى لدفع المفسدة الكبرى. وإلا فالأصل أن المسلم مأمور بالأخذ بالأسباب. وله العلم أقوال في قول عليه الصلاة: «لا عدوى». فمنهم من نفاها وقال: لا عدوى، عليه الصلاة والسلام قال: «لا عدوى»، إذن ما هي موجودة. ولكن هذا القول ليس بصواب، فالعدوى موجودة. «ولا طيرة» أيضاً هنا قول عليه الصلاة: «ولا طيرة»، أي للنفي، والنفي أبلغ من النهي، لأن النهي قد يراد منه النهي فقط عن هذا الشيء، لكن النفي أبلغ، فهو النهي عن هذا الشيء، وأيضاً النفي لهذا الأمر الذي اعتقد، فهو اعتقاد باطل ومنفي، لا حقيقة له. «ولا طيرة»، الطيرة أصلها مأخوذ من التطير بالطير، لأن العرب كانوا يتشاؤمون ببعض الطيور، بعض حركاتها، فإذا ذهبت يميناً تفاءلوا، وذهبت شمالاً تشاءموا. إذا أرادوا سفراً، إذا أرادوا نكاحاً، إذا أرادوا عقد تجارة، يأتون إلى من يزر لهم الطير، فيقول له: ازجر لنا طيرك، فيزجر لهم الطير، فيذهب يميناً، قال له: اذهب، هذا سفر خير، وهذا النكاح خير، وهذه تجارة رابحة. لكن ذهب شمالاً، قال له: لا تسافر، هذا سفر شر ولا خير فيه، وهذا الزواج لا خير فيه، لا تعقد نكاحاً، لا تعقد تجارة. وكان عندهم ما يسمى بالناطح والنطيح، والقاعد والقعيد، والسانح والبارح، يشاءمون ببعضها ويتفاءلون ببعض آخر. فهذا هو التطير الذي كان عليه أهل الجاهلية. ويتشاءمون هناك ببعض المنازل، بعض منازل القمر، وبعض الأنواع كمنزلة الدبران، ويتشاءمون ببعض الأيام وبعض الشهور. وكل هذا من التطير. وهكذا يتشاءمون ببعض المسموعات، يشاءمون ببعض المعلومات الزمانية أو المكانية. وقد حكى الله عز وجل التطير عن أعداء الرسل والرسالات. فحكى الله جل وعلا التطير عن قوم صالح عليه السلام، ثمود. قال عز وجل في كتابه الكريم على لسان النبي صالح عليه السلام: ﴿ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾. وحكى الله جل وعلا التطير عن قوم موسى، بني إسرائيل. قال عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. وقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. هكذا يتشاءمون بموسى عليه السلام وبمن كان معه. ﴿ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ مَعَهُمْ ﴾، فشؤمكم بسبب أنفسكم ومقدر من عند الله جل وعلا بسبب ذنوبكم ومعاصيكم. وقد حكى الله جل وعلا التطير عن أهل القرية. قال عز وجل في كتابه الكريم سورة يس: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُم لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴾. وكان أيضاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فيمن أسلم من أهل العرب، إذا رجع إلى بلده، لباديته، ووجد زرعه قد نما، أو إبل قد ولدت، قال: هذا دين طيب. وإذا كان ليس كذلك، فإنه يتطير ويتشاءم. قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَا لِهَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾. حديث: «ما أصابك من حسنة فمن الله، ما أصابك من سيئة فمن نفسك، وأرسلناك للناس رسولاً، وكفى بالله شهيداً». في مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله، وإنا منا أناس يتطيرون. قال: «فلا تأثموا». في لفظ: «ذاك شيء يجد أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم». هذه النصوص فيها النهي عن التطير، ونفي التطير الذي كان يعتقد أهل الجاهلية أن حصول هذا الشر كان بسبب حركة ذلك الطائر، أو حصول هذا الخير بسبب حركة ذلك الطائر يميناً، أو بسبب طلوع تلك المنزل الفلانية للقمر، أو بسبب هذا اليوم، أو بسبب هذا الشهر، أو بسبب صوت ذلك الغراب، أو عوى ذلك الذئب، أو الكلب، أو رؤية ذلك الظبي، وغير ذلك. كل هذا لا حقيقة له ولا أثر له. فالله سبحانه وتعالى هو الذي يقدر الأمور من خير أو شر. وما من لحظة، وما من لحظة إلا وفيها خير أو شر. ما في لحظة صافية فيها خير، نعم، بالدقيقة الواحدة، بل الثانية، الثانية هذه يحصل فيها خير وشر في ملكوت الله سبحانه وتعالى بتقدير الله تبارك وتعالى. لا دخل لطائر، ولا لشمس، ولا لقمر. لعمرك ما تدري الضوارب بل حصى، ولا زاجرات الطير، ما الله صانعه. فالله سبحانه وتعالى الأمر من قبل ومن بعد. وعقد أهل الجاهلية كانت تشاءم بشهر صفر. قال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». فسرت الهامة بمرض يصيب الإبل، ويعتقدون تأثيرها بذاتها، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الاعتقاد. تفسير الهامة بالمرض، يكون هذا من باب عطف الخاص على العام، من باب عطف الهامة على العدوى، من باب عطف الخاص على العام. فسرت الهامة بهذا الطائر الذي هو البومة، كانوا يتشاءمون به، إذا رأوه، إذا رأوه رجعوا أسفارهم. وهذا رأوه في بيوتهم، قالوا: جاء هذا الطائر ينعي في موت أحد من أهلنا. وأيضاً كانوا يعتقدون أنه دودة تدور حول قبر هذا الميت الذي قتل سبعة أيام، ثم تذهب، وكأنهم وكأنها تطالبهم بأخذ ثأر. قد جاء هذا في بعض أشعار أهل الجاهلية، قال القائل: «يا عمر إن لا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حتى تقول الهامة سكوني» يعني: أحسن لك إن لا تدع شتمي ومنقصتي، تتنقصني وتشتمني، أضربك، يعني أضربك فتموت، حتى تقول الهامة سكوني، يعني تأتي هذه الدودة وتطالب أهلك بأخذ الثأر. هذا مما كان موجوداً عند أهل الجاهلية في اعتقاد أهل الجاهلية. وتعلمون هذا الطائر، حتى يعني قبل فترة قليلة، وقبل سنين قليلة، ربما حتى إلى اليوم، بأخذ الناس ربما يتشاءمون. وهو الآن، هذا الطائر ما له وجود، ما معاه لأحس، هذا الطائر الآن ما أحد يشوفه. والدميمة، سميها الدميمة، بعضهم سموها الننه، الننه هو الدميم. نحن نقول لها الدميمة. هذا الطائر إذا جاء فوق البيت نرميه بالحجارة، نتشاءم منه، يقول: هذا شر. هو ما هو شر، طائر من الطيور، وإيش دخل لهذا الهامة في حصول خير أو في حصول شر؟ لكن كانت اعتقادات، والله أعلم، هذا الاعتقاد هذا لا زال، ولا قد انتهى، نصر الله أن يكون قد زال هذا الاعتقاد. هو طائر من الطيور، لا دخل له. ونعم، يعني شكله دميم، حتى يسمونه بالدميمة، وفيه من، من يعني الدمومة، هكذا من، يعني شيء صورته دميمة،