الخطبة بعنوان تحذيرات من خمس موبقات، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١جمادى الأولى ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستعرض الخطيب حديث ابن عمر عن خمس خصال تجلب العقوبات على الأمم، مبيناً أن ظهور الفاحشة يورث الأوبئة والتطفيف يجلب القحط وجور السلاطين. ويؤكد تحقق هذه العقوبات في الواقع المعاصر بانتشار الأمراض وتعسر الاقتصاد بسبب الفواحش والغش التجاري.
يحذر الخطيب من عواقب التطفيف في المعاملات التي تجلب شدة المعيشة وجور الولاة، ومنع الزكاة الذي يحبس المطر ويعرض للعذاب. كما يبين أن نقض عهد الله ورسوله يسلط الأعداء على المسلمين ويذلهم.
يحذر المقطع من تعظيم القبور وسؤال الموتى معتبراً ذلك شركاً أكبر، وينبه إلى نقض العهود بترك الفرائض والحكم بغير شرع الله. ويؤكد أن العلاج يكمن في العودة إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
يطلب الداعي من الله أن يختم له بالشهادة والتوحيد وأن يكون آخر دعائه الحمد لله رب العالمين. ثم يردد التكبير والشهادتين تأكيداً على الإيمان والتوحيد الخالص.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، كشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يُصلِح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يُطِع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، ثبت عند ابن ماجة في سننه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشى فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا الكيل والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا بعض ما جاء فيه إلا جعل الله بأسهم بينهم». هذا الحديث، عباد الله، هذا الحديث، علم من أعلام نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. فهذه الخصال المذكورة في هذا الحديث واقع مشاهد، قد أدركت ذلك الأمة في قديم زمانها، فضلاً عن يومها هذا. فانتشار الأوجاع والطواعين والأمراض، حدِّث ولا حرج: مرض الإيدز، فقد المناعة، مرض الجمرة الخبيثة، مرض الكوليرا، مرض السرطان، مرض كذا، مرض كذا، أمراض وأوجاع وطواعين تفشت في هذه الأمة وظهرت، لم تكن موجودة عند أسلافنا الذين مضوا، بسبب ظهور الفواحش والإعلان بها وإظهارها، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه دلنا، عباد الله، على خطر انتشار الفواحش وظهورها والإعلان بها، فما ظهرت الفاحشة في قوم أو في مجتمع إلا وأهلكته وأبادته عن بكرة أبيه. ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ويقول الله عز وجل في الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. اليوم، عباد الله، في أمة الإسلام، فضلاً عن الأمم الكافرة، صار الإعلان عن الفواحش وإظهارها، بل والتفاخر بها والمجاهرة بها. ففي بلاد المسلمين ما يسمى بالمراقص الليلية وأماكن الذعر والفنادق، في الصحف والمجلات ترويج للفواحش وترغيب لها ودعوة إليها، باسم التطور والحرية والتقدم وغير ذلك من هذه المسميات التي لا تغير من الواقع شيئًا. فالخمر خمر وإن سموه بغير اسمه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يأتي زمان يسمون الخمر بغير اسمها، والعبرة بالحقائق لا بالمسميات. وهذه الأمور فواحش وزنا وخنا، وإن سموها بما سموها بها. وهكذا، عباد الله، ما يتعلق بالتطفيف في المكاييل والموازين، وما لم ينقص المكيال والميزان إلا أخذ بالسنين، بالمجاعات، بالقحط، بالشدة، بالضنك في المعيشة، إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة. شدة المؤنة: الحياة مكلفة، إذا أراد الشخص شيئًا لا يجده بيسر ولا بسهولة، الأمور معقدة، إن كانت علاجًا أو إن كانت عملًا أو إن كان كذا وكذا وكذا، الأمور متعسرة، الأمور شديدة، لماذا؟ لمنع الكيل، للتطفيف في المكاييل والميزان. والله جل وعلي يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ماذا أفعت، أيها المطفف، أيها المبخس في كيلك ووزنك؟ كم أدخلت من ريالات، كم أدخلت من دولارات، كم أدخلت من كذا وكذا؟ وانظر إلى ما تسببت فيه بسبب تلك الريالات التي أدخلتها من هذه الطريق، من التطفيف والبخس. ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. من الفساد ليس بالأمر الهين: ريالات معدودة، كذا وكذا من المال، من حظ الدنيا الزائل الفاني، سببت في انتشار السنين وشدة المؤن، وجور السلاطين على الناس، جور السلاطين على الناس بسببك، أيها المطفف. بسببك أنت أحد الأسباب. لتعلم خطر هذا الذي وقعت فيه، وأنه ليس بالأمر الهين. فكيف بالغش؟ كيف بالمكر؟ كيف بتجويز ذلك؟ وأن هذا من حرب المؤمنين: أن تخدعه في بيعه وشرائه، أن تدلس عليه، أن تضحك عليه، «فلان مغفل، أخذت عليه كذا وكذا». هذه تجارة المؤمنين؟ تضحك على من تغش من أخيك المسلم، وتتسبب في هذه العقوبات. ذنب واحد، معصية واحدة، يترتب عليها عقوبات عديدة: شدة المونة، ابتلاء السنين، شدة المونة، جور السلاطين. كل هذا، كل هذه العقوبات، بسبب معصية التطفيف، الوقوع في التطفيف. سبحان الله. وهكذا كذلك، عباد الله، قال عليه الصلاة والسلام: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء». كم لنا من السماء لا تمطر؟ تمر الأعوام، أين المطر؟ أين القطر؟ وإذا نزل فهو للبهائم، ليس لك، أيها المانع للزكاة، أيها العاصي، وإنما للبهائم المسكينة التي لا ذنب لها. ومع هذا هي في أوكارها تلعن عصاة ابن آدم، كما جاء في بعض الآثار عن السلف: يقولون: «منعنا القطر من السماء بسبب معصية ابن آدم». هناك ديدان، هناك حشرات، هناك دواب، هناك كلب، تحتاج إلى هذه الأمور، إلى هذا الغيث، إلى هذا الماء. تتسبب في حرمانها، ليس فقط في حرمان إخوانك المسلمين، بسبب منع الزكاة. والزكاة فريضة عظيمة من فرائد الإسلام، بينها النبي عليه السلام، بل ربنا عز وجل في كتابه الكريم، وتوعد من أخل في القيام بها أو بخل أو ترك أو جحد. قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. وفي حديث في الصحيح: «يُصْفَحُ لَهُمْ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُرَوْنَ مَصِيرَهُمْ، إِمَّا إِلَى جَنَّةٍ وَإِمَّا إِلَى نَارٍ». هؤلاء الذين بخلوا. وأما من منع جحدًا فهو كافر في نار جهنم خالدًا فيها مخلدًا. «الإبل تطأ، غنمه تطأ، أبقاره كذلك، منها من ينطحه، ومنها من يرفسه، ومنها من يفعل به كذا وكذا من العذاب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى». هذه أموالك التي بخلت فيها، ولم تخرج زكاة المال. حق الله، مال الله، ليس مالك. ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، من مال الله، ما قال من أموالكم. ليست أموالكم، هي أموال الله جل وعلا، أعطاكم إياها، وفرض عليكم فيها حقوقًا تقومون بأدائها. فهكذا يحذر النبي صلى الله عليه وسلم. فكم اليوم ممن يؤدي زكاة المال؟ كم من تاجر هذا الذي يخرج زكاة ماله بحقها وبقدرها وفي زمنها ولمستحقيها؟ صارت المحاباة، فربما صاحب المصنع زكاة ماله لعماله، كما يقوم في المثل: «أضرب عصفورين بحجر»، مع أنه لا يجوز ضرب العصافير بالحجر. ها هم عمال، يكسبهم، كأنها مكافآت من طريق الزكاة. تحايل، هذا لا يجوز. طريق المكافآت طريق أخرى. كم من الناس من يحابي، يعطي مثلاً من يستصلح منهم ليسهل له أعماله البرية أو البحرية أو الجوية، لتمشي الأمور وتتيسر أموره وتكثر تجارته، ويخرج باسم الزكاة لهؤلاء، وهم مذكورون في كتاب الله جل وعلا أصناف ثمانية. وكم من من إذا أخرجها لم يخرجها بحقها، فربما إنما أخرج عشرها، وبل بعضهم ربما لم يخرج إلا أقل من ذلك. منع زكاة المال، فمنعنا القطر من السماء، والله المستعان. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولمسلمي المنبين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. أيها المسلمون، وعباد الله، وهكذا يحذر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث من نقض عهد الله وعهد رسوله عليه الصلاة والسلام. فإن نقض العهود والمواثيق مع الله جل وعلا أو مع رسوله عليه الصلاة والسلام من أعظم أسباب تسلط أعداء الإسلام على أمة الإسلام، وأخذ ممتلكاتهم، وذلهم، واستخفافهم، واحتقارهم. «ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم»، ليس من المسلمين، من غير المسلمين، أي من الكفار، «فأخذ بعض ما في أيديهم». العهود، المواثيق، أمة الإسلام، عباد الله، عهدت الله يا عبد الله، ربك جل وعلا على التوحيد والعبودية، والعبودية له جل وعلا الخالصة، وأن لا تعبد معه غيره، وأن لا تدعو معه غيره. وأنت على ظهر أبيك آدم، حين أخذ الله عليك الميثاق، الذي أرسلت الرسل لبيانه لك، وأنت في أرض الله بعد خروجك إليها، بأنه إفراد الله جل وعلا بالعبادة. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾. العهد والميثاق، عباد الله، الذي بينته الرسل، أن يعبدوا الله، ما لكم من إله غيره. حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. فما باله طوائف من الناس صار يعكف عند قبور الموتى، يسألهم المدد وتفرج الكربات وسؤال الحاجات وقضاء الحاجات؟ هذا يقول: يا فلان، وآخر يقول: يا علان، يريد الصحة، يريد العافية. هناك من يخضع، ومن يذل، يذل، يكون عليه من الخضوع ومن الذل عند صاحب القبر ما لم يكن عند حين يقوم لله جل وعلا في صلاته. إن لم تكن هذه عبادة، الخضوع والذل والانطراح والانكسار والرغب والرهب لغير الله جل وعلا، فما هي إذن العبادة؟ عباد الله، إن لم تكن هي مما يحبه الله جل وعلا ويرضى، وأمر به من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. هكذا صار يطلبون من غير الله جل وعلا، يدعون غير الله، يستغيثون به. نقضوا عهدهم وميثاقهم مع الله. وهناك من ترك الصلاة، أين العهد والميثاق لأداء هذه الفريضة؟ ومنهم من ترك الزكاة، ومنهم من فعل وفعل. أين العهد والمواثيق؟ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾، يا أيها الذين آمنوا، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أين الوفاء بالعقود والعهود في الأعمال؟ أين الوفاء بالوعد بالمواعيد؟ تكتب عهود ومواثيق ويوقع عليها ويختم عليها، لكن لا ظهور لها في الواقع، إنما هي في أوراق. أين العهود والمواثيق؟ أين العمل بهذه العهود والمواثيق التي كتبت وصار عليها الأيمان والقسم بالله جل وعلا؟ أين التعظيم لله عز وجل؟ أضع كثير من المسلمين عهودهم، عهودهم ومواثيقهم مع الله ومع رسوله عليه الصلاة والسلام. كيف لا يتسلط علينا أعداء الإسلام ويأخذوا ما بأيدينا، وقد صار حالنا هذا؟ نقضنا عهودنا ومواثيقنا مع الله، إلا من رحم الله. ﴿وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا بَعْضَ مَا جَاءَ فِيهِ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾. انظروا إلى أمة المسلمين، انظروا إلى حال المسلمين: مفرقين، مشارقين أو مغربين، قتل وقتال، نحر وانتحار، أمور عظيمة، عباد الله، واقع في أمة الإسلام. صار بأس المسلمين بعضهم ببعض، بدل من أن يكونوا كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، كما قال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبك النبي عليه الصلاة والسلام بين أصابعه. أين هذا التشابك؟ أين هذا الترابط؟ وما السبب؟ ضياع الحقوق، أعرض عن التحاكم بشرع الله. السارق لا تقطع يده، زان المحصن صار لا يرجم. لا يتحاكم بشريعة الله، يتحاكمون بقوانين أخرى لا تثمر شيئًا، وإنما تزيد العداوات. من هذا سيرضى بحكم غير الله؟ لن يرضى أحد مهما حكمت. ولذلك يحصل القتل والقتال بين القبائل المتناحرة، لأنهم اختلفوا ولم يحكم بينهم بالشرع، فلم يرضوا بذلك، فما أثمر إلا القتل والقتال بينهم، فضلاً عن دول، فضلاً عن شعوب وأمم. وهذا حال الأمة، عباد الله، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ثوبان، في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، الذهب والفضة، كنوز قيصر وكسرى». قد حصل هذا في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه. «قالوا: إني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكهم بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع من بأقطارها، وأن لا يجعل بأسهم بينهم، وأن لا يجعل بأسهم بينهم». فقال عليه الصلاة والسلام: «فقال الله: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع من بأقطارها، وأن لا أجعل بأسهم بينهم». وهذه منعها النبي عليه الصلاة والسلام، أن يكون بأس الأمة بينهم. وفي الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «عن ربه: حتى يسبي بعضهم بعضًا، ويهلك بعضهم بعضًا». إذا حصل هذا، أنسب بعضهم بعضًا، وأهلك بعضهم بعضًا. فهذه الأمور لا تتحقق، بل سيتسلط أعداء الإسلام على هذه الأمة، والواقع خير شاهد. بل هو الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. أعلمتم، عباد الله، كيف نتساءل بعد ذلك: لماذا، ولماذا، كيف، وكيت، ولمكذا، ولمكذا؟ أعلمتم المرض، أعلمتم الأدواء، فعالجوها. الأمة بحاجة أن تعالج هذه الأمراض وهذه الأدواء، إن أرادت عزها المسلوب ومكانتها وشرفها. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. نسأل الله جل وعلا أن يطهر بلاد المسلمين من الأوجاع والطواعين، وأن يرفع عنها كل بلاء، وأن يرفع عنا الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يجمع كلمة المسلمين على كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه وسلم في الأمة. اللهم وفقنا لما تحب وترضى. اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا قول: لا إله إلا الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.