الخطبة بعنوان الشكر في أيام التشريق، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 13 ذو الحجة 1439هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
تناولت الخطبة فضيلة أيام التشريق بوصفها أيام أكل وشرب وذكر لله، مؤكدة أن شكر النعم هو جوهر العبودية ومفتاح زيادتها ودوامها، وسبب للنجاة من العذاب والفوز برضوان الله، مستدلة بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وآثار السلف.
استعرض المقطع مكانة الشكر العظيمة عند الله تعالى من خلال آيات تثني على أنبياء الله الشاكرين كنوح وإبراهيم وسليمان وداود، مبيناً أن الله يوفق العبد للشكر ثم يجازيه عليه بخلاف شكر المخلوقين، مختتماً بوصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل بدعاء الاستعانة على الذكر والشكر وحسن العبادة.
شرح المقطع حقيقة الشكر كما وردت في مدارج السالكين، مبيناً تحققه بإظهار النعمة على اللسان ثناءً، وعلى القلب شهوداً ومحبة، وعلى الجوارح طاعةً، وذكر وسائل المعونة على الشكر كنظر من هو أسفل والتفكر في النعم الكونية، داعياً لتسخير الجوارح في طاعة الله وتجنب المعاصي.
اختتم المتحدث كلامه بالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، معبراً عن ختام المجلس أو الخطبة بالتوجه إلى الله بالثناء والصلاة على رسوله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إننا في آخر أيام التشريق الثلاثة، اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، الذي هو رابع أيام العيد. هذه الأيام، عباد الله، أيام التشريق التي شرَّفها الله جل وعلا بذكرها في كتابه الكريم، وخص الأمر بذكره جل وعلا فيها، فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. وثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال، كما روى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه من حديث نبيشة الهذلي رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى». وقد نَعِمنا بهذه الأيام، عباد الله، وعشنا هذه الأيام متنعمين بما أحلَّ الله جل وعلا لنا من الطعام واللباس والثياب والشراب، مجتمعين بالأهل والأرحام والإخوان والأصحاب. فعلينا يا عباد الله أن نشكر الله عز وجل على ما أنعم به علينا في سائر أيام حياتنا ولياليها. فالله عز وجل أمرنا بأن نأكل من طيبات ما رزقنا، وأمرنا بعد ذلك بشكره جل وعلا، وذكر أن ذلك هو برهان العبودية، فلا تتحقق العبودية لله تبارك وتعالى إلا بشكره جل وعلا. قال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وشكر الله جل وعلا، عباد الله، مفتاح زيادة النعم، ومن أسباب قرار النعم. قال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. قال بعض السلف: "النعم إذا شكرت قرت، وإذا كفرت فرت، النعم إذا شكرت قرت، وإذا كفرت فرت". وشكر الله جل وعلا، عباد الله، هو الأمان من عذاب الله جل وعلا، فلا نجاة لنا ولا أمان لنا من عذاب الله جل وعلا إلا إذا كنا شاكرين لله تبارك وتعالى. قال سبحانه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. وشكر الله جل وعلا، عباد الله، هو ميزان الفوز برضوان الله جل وعلا، الذي هو أعظم ومن أعظم وأجل نعم الله تبارك وتعالى، ورضوان من الله أكبر. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. وفي البخاري ومسلم عن نبيه، رويتان في قصة الثلاثة من بني إسرائيل: الأبرص والأقرع والأعمى. قال الملك للأعمى الذي شكر نعمة الله جل وعلا عليه: "أمسك عليك مالك، فإنكم قد بُليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك". ولعظيم منزلة الشكر عند الله جل وعلا، عباد الله، أن سمى الله جل وعلا نفسه بالشكور والشاكر، فإن من أسمائه جل وعلا الشكور، وإن من أسمائه جل وعلا الشاكر. قال تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۚ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. وقال سبحانه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. ولعظم منزلة الشكر عند الشكور الشاكر جل وعلا، أن أثنى على أنبيائه وعباده الصالحين الشاكر له تبارك وتعالى. فقال عز وجل عن نوح عليه السلام، نبي الله ورسول الله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. وقال عن خليل إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وقال عز وجل عن سليمان عليه السلام لما سمع قول تلك النملة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. ولما رأى عرش ملكة سبأ مستقرًا عنده: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. وقال جل وعلا عن داود وآله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. ولعظيم منزلة الشكر عند الشكور الشاكر جل وعلا، أن كان من دعاء الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ترك ذريته بذلك الوادي الذي لا ماء فيه ولا زرع ولا كَلأ ولا عَشْب: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. ولعظيم منزلة الشكر عند الشكور الشاكر جل وعلا، أن شكر سعي الشاكرين مع أنه الذي وفقهم، كما قال الإمام ابن قيم رحمه الله تعالى: "وفقهم لشكره جل وعلا وأعَانهم على شكره، ثم هو يشكرهم على ما أعانهم عليه من شكره تبارك وتعالى". بخلاف شكر المخلوق، فإنما يشكر من أحسن إليه، أما الشاكر الشكور جل وعلا فهو يوفق العبد لشكره ثم يشكره على شكره لربه تبارك وتعالى. قال جل وعلا مثنيًا على سعي الشاكرين وشاكرًا لهم: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾. قال ابن قيم رحمه الله تعالى: "شكر الله جل وعلا... شكر الله جل وعلا... شكر الله جل وعلا... شكر الله جل وعلا... شكر الله جل وعلا أن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء. شكر الله جل وعلا للصحابة، للصحابة الذين تركوا ديارهم وأموالهم، شكر الله جل وعلا الله جل وعلا لهم ذلك ففتح لهم المشارق والمغارب. شكر الله جل وعلا لتلك البغي من بغايا بني إسرائيل فعلها حين سقت كلبًا رأته يأكل الثرى من العطش فأدخلها جنته. شكر الله جل وعلا صنيع ذلك الرجل الذي نحى شجرة أو غصن شوك من طريق الناس، فشكر الله جل وعلا ذلك وأدخله الجنة. شكر الله جل وعلا لعباده الساعين الشاكرين، فأنعمهم في هذه الدنيا بما أنعم به عليهم من النعم العاجلة قبل الآجلة". ومن عظيم منزلة الشكر، ولعظيم منزلة الشكر عند الشكور الشاكر جل وعلا، أن أوصى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم معاذ بن جبل، ويوصي الأمة كلها، ثبت عند الترمذي والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، يا معاذ، والله إني لأحبك، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من عباده الشاكرين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بمنك وكرم يا أرحم الراحمين. عباد الله، إن منزلة الشكر لا تتحقق إلا بتسخير القلوب شكرًا لله جل وعلا، وتسخير الألسن شكرًا لله جل وعلا، وتسخير الجوارح شكرًا لله جل وعلا. يقول إمام القيم رحمه الله تعالى في كتابه العظيم مدارج السالكين، قال رحمه الله: "إن حقيقة الشكر هو إظهار أثر نعمة الله جل وعلا على لسان عبده ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة". ومعنى ذلك، عباد الله، أن الشكر لا يتحقق إلا بشكر ربنا جل وعلا بالقلوب واللسان والجوارح. قال القائل: أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا نعترف بنعم الله جل وعلا وأنها ليست بحولنا ولا بقوة، وأنها ليست بحولنا بالقلوب والجوارح، وإنما هي محض فضله جل وعلا، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، والتحدث بذلك ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. تسخير الجوارح في طاعة الله جل وعلا: السمع والبصر والفؤاد. سمعك لا يسمع حرامًا، بصرك لا ينظر حرامًا، لسانك لا يقول حرامًا، جوارحك لا تفعل حرامًا. هكذا تكون شاكرًا للشكور الشاكر جل وعلا. وإلا فأنت على ضعف في شكرك لله جل وعلا ما دمت تسمع الحرام من الغناء والغيبة والنميمة والباطل والزور، وما دمت تقول بلسانك الكذب والبهتان والافتراء والكلام في أعراض الناس وغير ذلك. وهكذا لا تكون شاكرًا للشكور الشاكر جل وعلا إذا كنت تكتب الحرام، وتدافع عن الحرام بقلمك أو بيدك أو برجلك أو بأي جارحة من جوارحك. سخر جوارحك يا عبد الله في طاعة الله جل وعلا. عندك سمع، عندك بصر، عندك أيدي، عندك أرجل، عندك لسان، عندك وعندك وعندك، ماذا قدمت جزاء هذه النعم لله تبارك وتعالى؟ أتجعل هذه اللسان أنعم الله جل وعلا بها عليك في محاربة دينه، في الافتراء على أوليائه، الكذب والغيبة، في السخرية والسهزأة وغير ذلك؟ راجع نفسك يا عبد الله، راجع ما أنعم الله جل وعلا به عليك من النعم، فلا تجعلها إلا في طاعة الشكور الشاكر جل وعلا. ومن رحمة الله تبارك وتعالى بنا، أعان عباده على ذكره وعلى شكره، فكم هي الآيات الشرعية في كتابه، وكم هي الآيات الكونية في ملكوته المعينة على ذكره جل وعلا وعلى شكره. قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. كم مر بنا من ليل، وكم مر بنا من نهار، وكل ليل يمر علينا، وكل نهار يمر علينا، فيه ذكرى وعبرة، وعبرة لمن أراد أن يتذكر، ولمن أراد أن يشكر. أما المعرض عن آيات الله فلا يعلم، هل هو في نهار أم هو في ليل، أم هو في ظلام، أم هو في نور، أم هو في نور؟ فلا حيلة له إلا أن يتدارك رحمة الله تبارك وتعالى. مما يعين على ذكر الله جل وعلا شكرًا، عباد الله، أن ننظر إلى من هو أسفل منا، لا ننظر إلى من هو أعلى منا، لا يكون نظرنا إلى الأعلى، نرى أصحاب القصور، ونرى أصحاب الرئاسات، وأصحاب المجاهات، أصحاب المناصب، لا، لا يعين هذا على شكر الله، وإنما أنظر إلى من هو أسفل منك، اجعل نظرك هكذا لا هكذا. قال عليه الصلاة والسلام، كما في البخاري ومسلم عن نبيه غيره: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم». مما يعين على شكر الله جل وعلا، عباد الله، أن ننظر في أصل خلقتنا، في مأكلنا، في مشربنا، في ما نوقد. قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وقال عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. أسأل الله جل وعلا الشكور الشاكر أن يجعلنا من عباده الشاكرين، ومن عباده الذاكرين. نسأله جل وعلا أن يرزقنا قلوبًا شاكرة، وألسنة ذاكرة، وجوارح منقادة طائعة. نسأله جل وعلا أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.