شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 41

شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 41

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 41، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

فوائد الغربة والسفر في طلب العلم والأدب والترفيه

يستعرض المقطع فوائد الهجرة والغربة مستنداً إلى بيت للإلبيري وآية قرآنية، مبيناً أن السفر يجلب طلب العلم والتأدب بأخلاق الصالحين والتعرف على الثقافات والترفيه عن النفس. كما يشير إلى أن السفر يفك الكرب ويجلب الرزق وتستجاب فيه دعوة المسافر كما ورد في أشعار علي بن أبي طالب والشافعي.

الحث على الاغتراب للسعي في الرزق مع مراعاة حال الوطن

يوضح المقطع أن السفر قد يصقل الإنسان ويمنحه العزة والعلم، لكن الأصل فيه المشقة، فمن وجد رزقه وعزة في بلده فالبقاء أولى. وإلا فالسفر طلباً للكفاف والعفاف مقدم على البقاء في الذل.

الدعاء الختامي والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه النفع بالقول والسمع والهداية لأحسن القول. ثم يصلي على النبي محمد ويختم بالحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق إبراهيم الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين: قال: «وغرب فالتغرب فيه خير، وشرق إن بريقك قد شارقت». وهذا البيت يا إخوان يأتي بعد البيت الذي قبله، والذي فيه ينهى أن يبقى الشخص ويمكث في بلد يهان فيها، ويتجرع مرارة الإذلال فيها، ويتعرض للظلم فيها. هنا يرشده إلى أين يتجه، فيقول: «وغرب فالتغرب فيه خير، وشرق إن بريقك قد شارقت». ويبين رحمه الله تعالى أن الإنسان ينبغي أن يحرص على ماذا؟ على الجلوس وهكذا العيش مع الأخيار، ومع الطيبين الذين يعيش في أوساطهم، وهو كريم النفس عزيزها، لا يهينه أهلها ولا يذلوه ولا يظلموه. ويا إخوان، الأسفار ومفارقة الأوطان لربما فيها من الفوائد الشيء الكثير، ولا سيما لمن كان أموره في وطنه وبلده ليست كما ينبغي، فلربما يعاني من الفقر، فهنا خير له أن يرحل ويسافر، ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]. وهكذا قد يكون في بلده يعاني قلة العلم وكثرة الجهل، فهنا في سفره وغربته من الخير الكثير الذي يجعله يرفع الجهل عن نفسه، ثم يعود لكي يرفع الجهل عن غيره. وهكذا غيرها من الأمور. وقد ذكروا لي الغربة ومفارقة الأوطان، ومفارقة الأهل والإخوان، والبحث عن مكان أفضل وأحسن، أن فيه فوائد عديدة. فمن هذه الفوائد قالوا: أن في الغربة تحصيلًا للعلم. العلم يا إخوان يعني: يرحل إليه. وقد ألف العلماء في الرحلة كما ألف الخطيب البغدادي وغيره. بل رحل موسى إلى الخضر، وهكذا رحل من رحل من الصحابة من أجل العلم. جابر بن عبد الله يرحل مسيرة شهر من أجل أن يسمع حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن أنيس، ثم يرجع إلى مكانه. وهكذا كان أهل الحديث يرحلون من الشام إلى اليمن، ومن اليمن إلى الحجاز، ومن الحجاز إلى العراق، وهكذا إلى غيرها. وكم يا إخوان يتحصل طالب العلم على علوم كثيرة بسبب الاغتراب والرحلة. كذلك أيضًا قالوا: من فوائد الغربة تحصيل الآداب. كم يلتقي يا إخوان بأهل الحكمة وذوي الأخلاق والمروءة، ويجالسهم فيستفيد من أخلاقهم، ويستفيد مما عندهم من الطباع السليمة. وهكذا أيضًا في الغربة قالوا: التعرف على البلدان. تعرف على البلدان، ويسيح في هذه البسيطة. وفي تعرفه على البلدان سيتعرف على ثقافات شعوب، وعادات قبائل، وبلدان، ومناطق، فكم يستفيد من هذا فائدة كبيرة. وهكذا أيضًا من فوائد الاغتراب، وفوائد الأسفار والرحلات: أنه يحصل بسببها الترفيه عن النفس. الشخص يا إخوان إذا بقي في بلد ولا يخرج منها، لربما يمل البقاء فيها، تضيق نفسه. فلما يخرج ويرتحل ويغترب، فكم يكون التنفيس عن هذه النفس، وإزالة ما بها من هموم، وهكذا أيضًا من غموم. فهذا من الأمور المجربة، حتى أن بعض الأطباء ينصح بذلك. يأتي شخص عنده مشاكل، أزمات، ضيق، هم، غم، يقول له: «غير مكان إقامتك، خذ لك شهرًا، شهرين، سنة، سنتين في بلد آخر، وانظر إلى الفائدة التي ستجنيها بانتقالك إلى بلد آخر». زد على ذلك أن في الأسفار والغربة والارتحال اكتسابًا للأموال، وهكذا أيضًا التخلص من الفقر، كما قال ربنا عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]. وهكذا أيضًا في السفر والاغتراب سبب من أسباب إجابة الدعاء. فالمسافر قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن له دعوة لا ترد، له دعوة تستجاب. وهكذا أيضًا هناك فوائد عديدة استفيدها الإنسان من خلال هذه الأسفار. وقد جمع شيئًا من ذلك بعض الأدباء وبعض الشعراء، كما في قول القائل، ومنهم من نسبها إلى الخليفة الراشد والصحابي الجليل علي بن أبي طالب، ومنهم من نسبها إلى غيره: «تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد». نعم، من يكمل؟ من يكمل يا إخوان هذه الأبيات المشهورة؟ واحد، ومن الثاني؟ ومن الثاني فيكون عنده، وإلا رجعنا إلى أبي عبد الله. «تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد». تفضل يا أبا عبد الله، لكن ارفع صوتك على بعض إخوانك، سيسجل وراءك، سيسجل الإخوة. طيب، طيب، تفضل. أحسنت. قال: «تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد: تفرج هم، واكتساب معيشة» — يعني: تفريج هم، واكتساب معيشة رزق — «وعلم، وآداب، وصحبة ماجد» — أي: صحبة الأخيار، صحبة أهل الشجاعة والكرم والشهامة والنجدة وغيرها — «فإن قيل في الأسفار ذل ومحنة وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد فموت الفتى خير له من حياته بدار هوان بين واش وحاسد». فهذا مما فيه بيان لما يتعلق بفوائد الرحلة والاغتراب. وقد قيل لبعضهم: ما العيش؟ فقال: «دوران البلدان، ولقاء الإخوان». دوران البلدان: يدور من بلد إلى آخر، ولقاء الإخوان. ويقول أحدهم: «صعود الآكام وهبوط الغيطان خير من القعود بين الحيطان». صعود الآكام: يعني الأماكن المرتفعة. وهبوط الغيطان: جمع غائط، أي المكان المنخفض المستوي. قال: «خير من القعود بين الجدران، بين الحيطان». ولا ننسى تلكم الأبيات الجميلة التي تنسب إلى الإمام ناصر السنة، الإمام أبي عبد الله الشافعي رحمه الله تعالى، إذ يقول: «ما في المقام لذي عقل وذي أدب من راحة فدعي الأوطان واغتربي سافري تجدي عوضًا عمن تفارقينه وانصبي، فإن لذيذ العيش في النصب». أي: في التعب، أي: في التعب. «إني رأيت وقوف الماء يفسده إني رأيت وقوف الماء يفسده إن ساح طاب، وإن لم يجر لم يطب». «إن ساح»: أي جرى، فإنه يطيب. وإلا إذا بقي راكدًا في موضعه فإنه يتلوث. «والأسد لولا فراق الأرض مفترسة والأسد لولا فراق الأرض مفترسة والسهم لولا فراق القوس لم يصب والشمس لو وقفت في الفلك دائمة لمن لها الناس من عجم ومن عرب والتبر ك التراب ملقى في أماكنه والعود في أرضه نوع من الحطب». التبر هذا يا إخوان، ما هو يا أبا عبد الرحمن؟ الذهب. الذهب إذا رآه الشخص وهو لا يزال خامًا، أي لم يصنع بعده وينقى، لربما يظنه ترابًا، قد يرميه خارج منزله. وهكذا العود في بلده نوع من الحطب. قد تجد العود مرميًا، تقول: هذا إيش؟ لو عندي تنور لأخذته أصنع به خبزًا طعامًا، فترمي به، وإذا به يباع بأغلى الأثمان. «فإن تغرب هذا عز مطلبه وإن تغرب ذاك عز ك الذهبي عز ك الذهبي». ولهذا يا إخوان، ماذا؟ السفر يصفر عن معاد الرجال، يصفر عن معاد الرجال. وكم من إنسان كان ضائعًا سفيهًا غير مبالٍ، فتغرب وسافر، فعرف الحياة ودرس أساليبها، فعاد عاقلًا رشيدًا مؤدبًا خلوقًا، بل ولربما دينًا، بل ولربما دينًا. فهنا ماذا؟ الحث على الاغتراب. وهذا يا إخوان لمن كانت أموره غير مستقرة. وإلا فالأصل أن السفر كما أخبر سيد البشر عليه الصلاة والسلام: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه، أو يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه. فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله». ولهذا يا إخوان، ذكر بعضهم بعض مفاسد الأسفار، فقال يرد على ما نُسب إلى الإمام علي بن أبي طالب: «تغرب في الأوطان في طلب العلا» — قال: «تخلف عن الأسفار إن كنت عاقلًا لبيبًا، ففي الأسفار عشر مصائب». «ففي الأسفار عشر مصائب: تذكر أهل، وابتعاد أحبة» — كم هذه؟ ثنتان — «وتشتيت أوقات، ووحشة غائب وإتلاف أموال، وإذهاب راحة وإهمال أبناء، وتضييع واجب وإرهاق جسم، وانتقاص عبادة نصحت بهذا بعد طول التجارب». فكيف نفعل يا إخوان؟ هل السفر الآن والاغتراب والارتحال فيه فوائد أم فيه أضرار؟ لا يجيب على هذا إلا مغترب. عندك يا باحمد، الآن تحيرنا: نحن سافر أو نبقى؟ طيب، أرشدنا الآن، نحن إخوانك وأصحابك، يعني: السفر فيه فائدة أو البقاء أفضل في البلاد؟ أحسنت. إذن يا إخوان، من كانت أموره طيبة، فماذا ذكروا؟ أن من سعادة الإنسان أن يجعل الله رزقه في بلده. من سعادة الإنسان أن يجعل الله رزقه في بلده. بلدك فيها رزق، ما تعاني فقرًا وإذلالًا، فابقَ في بلدك. وإلا إذا كان البقاء في البلاد مع الذل، ومع الإهانة والفقر، فالغرب في البقاء في البلد: تبقى في بلدك أنت غريب، ترحل عن بلدك في طلب الرزق والعفاف والكفاف، فأنت عزيز. وهكذا في غيرها من المجالات الأخرى: إذا كان في بلدك العلم، وفي بلدك كذلك أيضًا الإعانة على خيري الدنيا والآخرة، فبقاءك في بلدك أفضل، من أجل تربية أولادك، وإعانة أهلك، وكذلك أيضًا خدمة بلدك. وإلا فالاغتراب والسفر والرحلة هي المقدمة. أسأل المولى عز وجل أن ينفعني وإياكم بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.