الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 43، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع معنى دار السلام بأنها الجنة السالمة من الآفات والنقائص، مستدلاً بآيات قرآنية وأقوال المفسرين. ويؤكد أن من يدخلها ينعم نعيمًا دائمًا لا يشتاق للعودة إلى الدنيا إلا الشهيد الذي يتمنى الرجوع ليستشهد مرة أخرى لعظيم كرامته.
يحذر المقطع من ظلم العباد وأكل حقوقهم، مبيناً أن المفلس الحقيقي يوم القيامة من تُذهب حسناته في مظالم الناس فيُطرح عليه سيئاتهم ثم يُدخل النار. ويحث طالب العلم والمسلمين على التورع عن الغيبة وأكل أموال الناس، موضحاً أن من آثر الدنيا فرّق الله شمله ومن آثر الآخرة جمع الله شمله وأتته الدنيا راغمة.
يوضح المقطع أن الدنيا تافهة عند الله قياساً بالآخرة مستشهداً بأحاديث نبوية، ويضرب أمثلة على الصبر العظيم كقصة المبتلى الأقرع الأبرص الأعمى المشلول وقصة عروة بن الزبير. ويؤكد أن الصبر والشكر يخففان المصائب ويمنحان الأجر العظيم.
يختتم المتحدث حديثه بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين مع الإقرار بأن الله أعلم، ثم يشكر الحضور على حضورهم. وتكون هذه الفقرة ختاماً للدروس مستجمعاً الدعاء والثناء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين: قال: «فإن فارقتها وخرجت منها إلى دار السلام فقد سلمت، وإن أكرمتها ونظرت فيها لإكرام فنفسك قد أهنت». وهنا يقول رحمه الله تعالى: «فإن فارقتها» أي: الدنيا، لأنه سبق أن ذكرها في البيت السابق، فقال: «فليس الزهد في الدنيا خمولا لأنت بها الأمير إذا زهدت». وهنا يقول: «فإن فارقتها» أي: الدنيا، أي: الدنيا، وخرجت منها، والخروج من الدنيا ومفارقتها يكون بالموت، يكون بالموت. قال: «إلى دار السلام فقد سلمت». ودار السلام هي الجنة، دار السلام هي الجنة، كما في قوله عز وجل: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، لهم أي: لأهل الإيمان، دار السلام أي: الجنة، عند ربهم، وهو وليهم بما كانوا يعملون. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. قال الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: «لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة عطبها وزوالها رغب في الجنة». لما ذكر الله، لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة عطبها وزوالها رغب في الجنة ودعا إليها، أي: دعا إلى الجنة. قال: «وسماها دار السلام» أي: من الآفات والنقائص والنكبات. دار السلام يا إخوان، السلام من ماذا؟ السلام من الآفات، من أمراض وأسقام وفتن ومصائب وخوف وحرب وجوع وغيرها. قال: «من الآفات والنقائص والنكبات»، فهي سلام يا إخوان، سالمة من كل ذلك. وهكذا ذكر العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: قال: «وسمّى الله الجنة دار السلام لسلامتها من الآفات والنقائص، وذلك لكمال نعيمها وتمامه وبقائه وحسنه من كل وجه، من كل وجه». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. ولهذا يا إخوان، من دخل الجنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «مَن يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه». قال عليه الصلاة والسلام: «مَن يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه». هل تظنون يا إخوان أن من كان منعما في الدنيا ثم مات وأكرمه الله بدخول الجنة، هل تظنون أنه يشتاق ويحن للدنيا وما فيها من الملذات والشهوات؟ الجواب ماذا يا إخوان؟ هيا، بأسعد ملك من ملوك الدنيا عنده نعيم وعنده شهوات وعنده ملذات وهو صالح، فمات وأدخله الله الجنة، تظن أنه يشتاق للعود إلى الدنيا وما خلفه فيها؟ لا، أحسن، لا يشتاق ولا يتمنى أن يعود إليها. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس في الصحيحين: قال: «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا». ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، إلا، إلا من يا إخوان؟ نعم، لله يدرك، إلا الشهيد، إلا... قال: «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء»، يعني: جميع ما على الأرض له، ما هو ملك بلدة أو قطر أو مصر، وإنما جميع ما على الأرض له، «إلا الشهيد، إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة»، لما يرى من الكرامة، أي: ما أكرمه الله به بسبب الشهادة التي رزقه الله تعالى إياها. فلهذا يا إخوان، المصنف رحمه الله تعالى ها هنا يرقب في الزهد في الدنيا وعدم تعلق القلوب بها، والإقبال على الآخرة والسعي لها والعمل لها، وماذا؟ وأن تكون همة الإنسان إذا خرج من هذه الدنيا أن يخرج سليما معافا. قال: «فإن فارقت»... قال: «فإن فارقتها وخرجت منها إلى دار السلام فقد سلمت». تخرج عبد الله وأنت سليما معافا، سليما من ماذا؟ سليما من المظالم والحقوق التي هي لآدميين، للناس. قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١]، وقد خاب من حمل ظلم. وهكذا أيضا يكون كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعيدا عن الحقوق التي يطالبه بها الناس. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «مَن كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال أو شيء فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات». كم يا إخوان من الناس من لربما يجتهد في الأعمال الصالحات، لكن لا يتورع عن المظالم، وعن الحقوق التي هي لآخرين. فحقوق العباد يا إخوان مبنية على المشاحة، أي: المطالبة، لا على المسامحة، لا على المسامحة. ولهذا البعض قد يفلس بسبب هذه المظالم وهذه الحقوق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتدرون من المفلس؟» أتدرون من المفلس؟ قالوا: «المفلس منا من لا درهم عنده ولا متاع»، ما عنده مال فلوس، ولا عنده أمتعة. قال عليه الصلاة والسلام: «ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة، ولكن يأتي وقد شتم هذا، وسفك دم هذا، إلى آخره». قال: «فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته». قال: «فإن نفدت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أخذ من سيئاتهم فطُرحت عليه، ثم أُمر به إلى النار». وطالب العلم يا إخوان هو من آ... ماذا؟ أحق الناس وأولاهم بالبعد عن المظالم والحقوق. لا تأخذ حقوق إخوانك وممتلكات إخوانك إلا بإذن. وهكذا لا تقع في عرض واحد منهم. نجلس فنت... نتذاكر، البعض فنذكره بالسوء، ونذكره بالشر، وبما يكرهه. يا إخوان، هذه من الأمور العظيمة التي يجب على طالب العلم أن يتورع عنها خاصة، والمسلمون على وجه العموم، على وجه العموم. إذن يخرج الإنسان سليما من أكل أموال الناس، سليما من الذنوب والمعاصي والفواحش والمنكرات، سليما من الرياء، وسليما من الربا، وسليما من الزنا، وهكذا غيرها. فهذا إذا أراد السلامة... قال: «وإن أكرمتها ونظرت فيها لإكرام فنفسك قد أهنت». الذي ينشغل بالدنيا على حساب الآخرة... «مَن كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء، لمن نريد، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا. كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا، وأكبر تفضيلا» [الإسراء: ١٨-٢١]. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث زيد بن ثابت عند ابن ماجه وغيره: قال عليه الصلاة والسلام: «مَن كانت الدنيا همه، فرّق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته منها إلا ما كُتب له. ومَن كانت الآخرة همه، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وآتته الدنيا وهي راغمة، وهي راغمة». ماذا عسى يا إخوان الدنيا أن تكون في الآخرة؟ الدنيا يا إخوان كما سبق معنا عبارة عن ظل زائل ونعيم فاني. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المستورد بن شداد: قال عليه الصلاة والسلام: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم»، أي: في الماء، «فلينظر بم يرجع»، فلينظر بم يرجع. فهذا معناه، فهذا هو مقدار الدنيا عند الله تبارك وتعالى. بل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوض، جناح بعوض، ما سقى منها كافرا شربة ماء». جاء من حديث سهل بن سعد، وأبي هريرة، وابن عباس، وجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». وفي الدنيا يا إخوان ينظر الواحد إلى من ابتلي، ومن تعرض للنكبات، وتعرض كذلكم أيضا للفتن، وهكذا أيضا تعرض للأزمات، فتخف عليه مصيبته. ذكروا أن رجلا سمع آخر وهو يقول: «الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرا ممن خلق، وفضلني تفضيلا». وكان هذا المتكلم رجلا أقرع الرأس، وأبرص البدن، عند هدى البرص، أعمى العينين، مشلول القدمين واليدين. لاحظ: أقرع، وأبرص، وأعمى، ومشلول اليدين والرجلين، يقول: «الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرا ممن خلق، وفضلني تفضيلا». فلم يصبر ذلكم الرجل، فقال لهذا المتكلم: «مما عافاك؟ أعمى وأبرص وأقرع ومشلول؟ فمما عافاك؟» فقال ذلكم الرجل المبتلى: «يا رجل، جعل الله لي لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وبدنا على البلاء صابرا. جعل الله لي لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وبدنا على البلاء صابرا». انظر كيف مع ما فيه من بلاء فهو ماذا؟ فهو على جانب كبير من الصبر. وذكروا عن عروة بن الزبير، أحد سادة التابعين، كان يلقب بالصابر المحتسب. ماذا حصل له؟ ماذا؟ الآكلة أصابت رجله، فقرر الأطباء قطعها فقطعت. وابنه كان يتدلى من على سقف، صهل خيل الخليفة، فسقط ابنه بين الخيول فرفسته فمات. فقال: «اللهم إن كنت قد ابتليت فقد عافيت، وإن كنت قد أخذت فقد أعطيت». لكن مع هذا كله كانت المصيبة ماذا؟ ظاهرة عليه. فجاء وفد من بني عبس إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، وفد من بني عبس. فلاحظ الخليفة أن رجلا تخلف عنهم، فأمرهم بإحضاره، فأمرهم بإحضاره. فأحضر ذلكم الرجل، فرأى الخليفة آثار البلاء عليه، فسأله عن قصته. فذكر ذلكم الرجل العبسي أنه خرج في رفق من بني عبس، ليس فيهم أحد أكثر منه ولدا أو مالا. فباتوا في واد، فأتى السيل، وصبحهم السيل، أخذ الناس وأخذ الأموال. قال: «ولم أنجو إلا أنا وطفل صغير رضيع وبعير». فماذا فعل وهو يمشي معه الطفل ومعه البعير؟ شرد البعير، فوضع الطفل وذهب يجري خلف البعير، وذهب يجري خلف البعير. فبينما هو كذلك إذ به يسمع صياحة الصبي الرضيع، فرجع، قال: «وإذا برأس الذئب في بطن الصبي»، يعني: قد أكل من بطنه، مات الصبي. قال: «فرجعت إلى البعير، قال: فضربني بقدمه فهشم رأسي وأذهب بصري». انظر، فقد أول مرة الأهل والأموال، ثم نجى هو والصبي والبعير، وأتت الذئاب وأكلت الصبي، ورجع يريد البعير فضربه برجله حتى هشم رأسه وفقد بصره. فقال الخليفة الوليد بن عبد الملك: «خذوه إلى عروة بن الزبير، لكي يعلم عروة أن هناك من الناس من هو مبتلى أكثر منه، من هو مبتلى أكثر منه». وهكذا يا إخوان هو حال الدنيا. نسأل المولى عز وجل أن يجنبنا الفتن والمصائب، ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرا