الدرس في شرح القواعد الأربع 3، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
توضح القاعدة الأولى أن كفار قريش كانوا يقرون بتوحيد الربوبية بينما يبقون مشركين في الألوهية، مما لم يُدخلهم في الإسلام. ويستدل الدرس بآيات قرآنية وأقوال ابن تيمية على أن الإقرار بالربوبية وحده لا يكفي دون إفراد الله بالعبادة.
يفصل المقطع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية مبيناً أن خلاف الرسل مع أقوامهم انصب على العبادة لا على الخلق. ويرد على شبهة القبوريين بإثبات أن مشركي قريش كانوا يقرون بالله خالقاً ورازقاً عند سؤالهم.
يستعرض المقطع عجز الأصنام عن نفع أو ضر مستدلاً بقوله تعالى "أفرأيتم" وبقول "حسبي الله عليه توكل المتوكلون". ويؤكد أن الأمم السابقة أقرت بربوبية الله لكنها كفرت برفض "لا إله إلا الله"، مما يبطل حجة من يقر بالربوبية ويصرف العبادة لغير الله.
يختتم الدرس بالاكتفاء بما ذُكر من أدلة وشبهات مع الصلاة والسلام على النبي محمد وآله. ويذكر أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر ختاماً للجلسة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع رسالة شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمه الله تعالى المسمى بالقواعد الأربع. القواعد الأربع. وسبق معنا مقدمة نفيسة عظيمة استفتح بها رحمه الله تعالى هذه الرسالة، وجعلها مدخلاً لهذه القواعد الأربع، ونبه فيها على أهمية التوحيد وعظم قدره في الإسلام وعظيم أثره، وهكذا حذر فيها من الشرك وصوره وأنواعه، وبين بعض أضراره الجسيمة وعواقبه الوخيمة، ثم ختم هذه المقدمة بقوله: "وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه". وقلنا: هذه القواعد هي مأخوذة من كتاب الله عز وجل. وماذا دليلها؟ الاستقراء، يعني العلماء استقرؤوا الكتاب وآياته فوجدوه يدل على هذه القواعد الأربع. وقوله رحمه الله تعالى: "القواعد" جمع "قاعدة". القاعدة في اللغة يا إخوان هي أساس الشيء. القاعدة في لغة العرب هي ماذا؟ أساس الشيء. وتطلق يا إخوان ويراد بها أمران: الأمر الأول: القواعد الحسية. قلنا: القواعد تطلق ويراد بها أمران، الأمر الأول أمر حسي، يقال: قواعد حسية، وهي ماذا؟ كقواعد البنيان والبيوت وغيره، الأساس، كما في قوله عز وجل: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت، هذه قواعد حسية، هي أساس البيت. وأما الأمر الثاني: تطلق القواعد ويراد بها قواعد معنوية، مثل ما يقال: قواعد اللغة العربية، قواعد فقهية، قواعد أصولية، وغيرها. فهذه قواعد معنوية. والمؤلف رحمه الله تعالى في تسميته لهذه الرسالة بـ "القواعد الأربع"، هل هذه القواعد الأربع حسية أو معنوية؟ معنوية. حد يخالف يا إخوان يقول: هذه قواعد حسية، أسمنه وكثيب وأشياء؟ حد يخالف؟ أو كلنا متفقون يا أنس؟ حسية يعني القواعد الأربع هذا قواعد مثل حق الأساس هذا أسمنه وكثيب؟ ها، هكذا. طيب، أحسنت. إذن ما في أحد يخالف، كلها قواعد معنوية. قواعد معنوية. وماذا؟ هذه القواعد هي الأسس التي تقوم عليها هذه العلوم، ومنها القواعد الأربع التي هي قواعد في التوحيد، التي هي قواعد في التوحيد. بدأ رحمه الله تعالى بأول هذه القواعد فقال: القاعدة الأولى. القاعدة الأولى: قال: "أن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون بأن الله تعالى هو الخالق المدبر، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام، وأن ذلك أي الإقرار لم يدخلهم في الإسلام". قال: "والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾". أفلا تتقون. وهذه القاعدة يا إخوان هي الأولى، وخلاصتها: أن الكفار الأولين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن هذا الإقرار الذي كانوا عليه لم يدخلهم في الإسلام، لم يدخلهم في الإسلام، وإنما بقوا مشركين وكافرين. وماذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؟ قال: "ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يخالفونه في توحيد الربوبية، بل كانوا يقرون به وبالقدر أيضا، وهم مع هذا مشركون، وهم مع هذا مشركون". انتهى كلامه رحمه الله تعالى. إذن كانوا يقرون ويعترفون بتوحيد الربوبية. لو سئل أبو جهل، وكلكم يعرف أبا جهل، يعني زعيم المجرمين وقائد المشركين، لو سئل: من خلقك؟ تظنون أنه سيقول: الأصنام هي التي خلقتني؟ الجواب: لا. لو قيل له: من يرزقك؟ أنت عندك أموال وأولاد وتجارات، رحلة إلى الشتاء، رحلة إلى الشام، رحلة إلى اليمن، من يرزقك يا أبا جهل؟ سيقول: الله هو الذي يرزقني. طيب يا أبا جهل، من الذي أحياك؟ سيقول: الله هو الذي أحياني. طيب، من الذي سيميتك؟ سيقول: الله هو الذي سيميتني. طيب يا أبا جهل، هذا الكون الواسع وهذا الخلق العظيم، من الذي يدبره؟ من الذي يدبر الشمس والقمر والنجوم والكواكب والرياح والبحار والأنهار والأشجار وغيرها؟ تظنون أنه سيقول: أصنامنا هذه؟ أبداً يا إخوان. ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، فسيقولون الله. ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. تقول الله عز وجل: الله سبحانه وتعالى خلق، وهذه الأصنام لم تخلق. والله عز وجل رزق، وهذه الأصنام لا ترزق. الله عز وجل أحيا وهو يميت، وهذه لا تملك لنفسها شيئاً. الله يدبر أمر هذا الكون، وليس هناك معه مدبر. تقول: الله، كيف تجعلون معه آلهة أخرى؟ ماذا سيكون جوابهم؟ سيقول أبو جهل وغيره من المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. انظر: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. ﴿وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾. هذه الأصنام يا فلان، يا فلان، هذه يوم القيامة ستنفعنا وستقربنا إلى الله عز وجل، كما سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل في القاعدة الثانية، في القاعدة الثانية. قال قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي رحمه الله تعالى: "إنك لست تلقى أحداً منهم، أحداً منهم، أي من من؟ أي من من؟ من المشركين. قال: إنك لست تلقى أحداً منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه". قال: "وهو مشرك بعبادته". يعترفون أن الله هو الرازق الخالق المحيي المميت المدبر، وكل ذلك يتعلق بتوحيد، بتوحيد ماذا؟ توحيد الربوبية. لكن ماذا؟ لكن أشركوا في بابي العبادة، وفي بابي الألوهية. وفي هذا يا إخوان يقول ربنا عز وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾، إلا وهم مشركون. قال ابن كثير رحمه الله تعالى، غفر لنا وله: قال ابن كثير: قال ابن عباس: قال ابن عباس: "من إيمانهم". ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾، قال ابن عباس: "ومن إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماوات، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون به، وهم مشركون به". وهكذا ذكر العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند تفسيره، عند تفسيره لهذه الآية، قال: "فهم، أي المشركون، فهم وإن أقروا بربوبية الله تعالى وأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، المدبر لجميع الأمور، قال: فإنهم يشركون في ألوهية الله وتوحيده، فإنهم يشركون في ألوهية الله". ما معنى ألوهية الله؟ أي عبادة الله، أي عبادة الله. قال: "وهم آآ، ماذا؟ فإنهم يشركون في ألوهية الله وتوحيده، وتوحيده". وينبغي أن نعلم يا إخوان أن توحيد الربوبية، أن توحيد الربوبية هذا لم يخالف فيه إلا الشواذ، الشواذ من الناس، وإلا فأكثرون ماذا يقرون بهذا التوحيد؟ يقرون بهذا التوحيد. خالف في هذا مثلاً النمرود الذي ذكر الله قصته مع إبراهيم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾، يعني يتكبر ويتجبر، أن أعطاه الله الملك. ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، قال: ذلكم المعاند، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، يعني ما هو ربك بس، أيضاً أنا أحيي وأميت. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾، أي كل يوم، فأتي بها من المغرب، غداً عندك، ائت بها من المغرب. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، والله لا يهدي القوم الظالمين. وهكذا ما يتعلق بالدهرية، طائفة وفرقة لا يعترفون بوجود الله عز وجل، كما قال الله عنهم في كتابه العزيز: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. إيش الدهر؟ الوقت، الزمن. ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، وما يهلكنا إلا، إلا الدهر. وهكذا أيضاً ماذا؟ فرعون، فرعون يا إخوان يعترف في قرارة نفسه بوجود الله عز وجل، لكنه عاند وكابر. قال لبني إسرائيل ولقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾، ما علمت لكم من إله غيري. وقال كما ذكر الله عنه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، أنا ربكم الأعلى. وهكذا أمر وزيره هامان: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَى﴾، لعلي أطلع إلى إله موسى. ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، أي إني لأظن موسى كاذب، لكن ابني لعلي أطلع إلى إلهه. فماذا؟ ﴿فَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، ظلماً وعلواً. ولهذا فرعون يا إخوان كما ذكر الله عنه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾، لما بدأ يغرق، ماذا قال؟ قال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾، وبن إسرائيل يا إخوان، أراهم الله هذه الآية، هذه الآية ينظرون ويسمعون فرعون الذي كان يقول: ما علمت لكم من إله غيري، وأنا ربكم الأعلى، وغيرها، يرونه يغرق ويطلب آمن ينقذه، وسمعوه يقول: آمنت أنه لا إله إلا، ما قال: إلا الله، من باب ماذا؟ تثبيت لبني إسرائيل. قال: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو المسلمين، ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿الْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، قيل: لمن خلفك لبني إسرائيل، جعل الموج يدحرج هذه الجثة وهذه النفنة حتى ألقت بها بين يدي بني إسرائيل، فجعلوا ينظرون: هو، أو ليس هو؟ بلى، هو فرعون، هو فرعون. ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، وقيل: لمن خلفه من الأزمنة وغير ذلك. فالشاهد من هذا يا إخوان أنه لم ينكر الربوبية إلا القليل والشواذ من الناس. ولهذا الخلاف يا إخوان بين الرسل وبين أممهم ليس ينصب كثيراً في إثبات وجود الله أو فيما يتعلق بأنه الخالق الرازق المحيي المميت، أكثر ما يتعلق، يتعلق بتوحيده في العبادة، توحيده في العبادة. وهنا يا إخوان أراد الشيخ رحمه الله تعالى بذكره لهذه القاعدة، بذكره لهذه القاعدة، أن يرد شبهة للقبوريين، شبهة لعباد القبور والأضرحة. هذه شبهة يا إخوان، كم دندنوا حولها، وكم لبسوا بها على الجهال، وعلى العوام، وعلى غيرهم. فهم يقولون ماذا؟ يقول هؤلاء القبوريون: "أن المشركين الأولين الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ما أشركوا بالله إلا يوم أن اعتقدوا أن آلهتهم مشاركة لله عز وجل في الخلق والرزق والإحياء والإماتة وغيرها من أبواب الربوبية، وغيرها من أبواب الربوبية". وهذا القول يا إخوان صحيح أو باطل؟ أن الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ما كفرهم الرسول ولا قاتلهم الرسول إلا لأنهم كانوا يعتقدون أن هذه الأصنام والآلهة تخلق وترزق وتحيي وتميت وتدبر هذا الكون إما استقلالاً، أي من دون الله عز وجل، وإما مشاركة، أي مع الله عز وجل. هذا صحيح أو باطل؟ باطل. أحسنت. بل من أبطل الباطل. وبماذا نرد على باطلهم؟ بماذا يا إخوان نرد على باطلهم؟ يا أبا الفضل، بالآيات، بهذه الآية: ﴿قُلْ﴾، أي محمد، لمن؟ لهؤلاء المشركين: ﴿مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، هل قالوا: اللات والعزة، أو مناة الثالثة الأخرى، أو هبل، أو وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسر؟ أبداً. قال الله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، فسيقولون الله. ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. وهكذا يا إخوان آيات كثيرة كقوله عز وجل: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، لا يقولون الله. قال سبحانه: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، فأين يؤفكون. والإفك هو ماذا؟ يعني شدة الكذب، شدة الكذب. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾، هذا سؤال خاص بخلقهم. ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ﴾، أي محمد، سألت المشركين هؤلاء العاكفين على الأصنام والأوثان: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، قل: ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، قل: فأين تؤفكون. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، من خلق السماوات والأرض، ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، قل: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، قل: أفرأيتم، أي إيش معنى أرأيتم؟ قل: أفرأيتم، إيش معنى أرأيتم يا با محمد؟ مرة معنا في درس أمس: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ وهنا ربنا عز وجل في الآية يقول لهم: قل: أفرأيتم، يعني ماذا؟ ها، إيش سكتة؟ لا، قسم من حيث المعنى، إيش معنى أفرأيتم يا با عبد الله؟ النظر، ليس النظر بالعينين الحسيتين، لكن... نعم يا با عبد الله، أفعلمتم، نعم، الخبر، أخبروني. أفرأيتم، قل: أفرأيتم، يعني أخبروني. قال: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾، يعني أخبروني، هذه الأصنام التي تعبدونها، إن أرادني الله بضر، هل هن كاشفات ضره؟ هل هن كاشفات ضره؟ ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾، الله أراد بي خير، أراد بي رزق، صحة، زوجة، ولد، مال، أو أرادني ماذا؟ ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾، ما هو الجواب يا إخوان؟ هل هن ممسكات؟ هل هن كاشفات؟ الجواب: لا، لسنا بكاشفات الضر، ولسنا بممسكات الرحمة. ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾، قل: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. وما معنى قل: حسبي الله؟ نعم، أي أن الله كافيني. إذا كان هؤلاء الأصنام ما يمنعنا رحمة، ما يمسكنا رحمة، ولا يكشفنا ضر، وأن الأمر كله لله، إذن أين أقولكم؟ لماذا تعبدونها وتذبحون لها وتحلفون بها، وماذا غيرها من العبادات، وغيرها من العبادات؟ ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، عليه يتوكل المتوكلون. فهذا يا إخوان من الأمور التي ماذا؟ ذكرها ربنا عز وجل في القرآن، في القرآن. وهكذا أيضاً يا إخوان، وهكذا الأمم الماضية، الأمم السابقة التي كانت قبل هذه الأمة، كانت قبل هذه الأمة، كانوا كانوا يقرون بماذا؟ يقرون بالربوبية. فذكر الله عز وجل، ذكر الله عز وجل عن قوم نوح أنهم قالوا لنوح: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةَ﴾، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. قوم نوح الذين ماذا قالوا؟ ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾، هؤلاء قال الله عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةَ مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. بل عاداً وثمود، عاداً وثمود، قال الله عز وجل عنهم: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةَ فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾، فإنا بما أرسلتم به كافرون. ومعنى هذا يا إخوان أنهم كانوا يقرون بالربوبية، ولا يلزم من إقرارهم بالربوبية أنهم في جميع جوانبها ماذا؟ يقرون بها إقراراً صحيحاً، لكن أصل الإقرار عندهم، ومع هذا لم يدخلهم ذلك في الإسلام، ولم يكونوا بهذا الإقرار لم يكونوا مقرين بلا إله إلا الله، لم يكونوا بهذا الإقرار مقرين بلا إله إلا الله. بل لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى أن يقولوا لا إله إلا الله، لاحظوا يا إخوان، مر معنا أنهم مقرون أن الله يدبر الأمر ويخلق ويرزق ويحيي ويميت. طيب، لما بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى لا إله إلا الله، هل أجابوا؟ هل قبلوا؟ الجواب: لم يقبلوا الجواب، لم يقبلوا. ولما لم يقبلوا؟ لماذا لم يقبلوا يا إخوان؟ ما ذاهمت أنهم إذا كان الإسلام والإيمان والتوحيد هو أن الله خالق ورازق ومصور ومحي ومميت ومدبر، أن هذا كافٍ في ماذا؟ في أن الشخص يكون مسلماً موحداً، فلماذا هم أقروا بهذا، ومع هذا لما دعاهم إلى لا إله إلا الله لم يقبلوا ولم يستجيبوا؟ لماذا؟ أحسنت. هم ماذا؟ يعرفون أن لا إله إلا الله يتضمن ماذا؟ يتضمن الكفر بكل ما يعبد من دون الله عز وجل. إذا قالوا لا إله إلا الله، معناته أن هذه الأصنام كلها تهدم أولاً في القلوب، ثم تهدم أيضاً على الواقع، وأنه إذا عبد الشخص فإنما يعبد الله، إذا سأل سأل الله، وإذا دعا دعا الله عز وجل، وغيرها من العبادات. ودليل ذلك قول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، يستكبرون. ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتَنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾، كيف؟ ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتَنَا﴾، إذن مضمون لا إله إلا الله: تركوا الآلهة. ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتَنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾، قال الله عز وجل: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وهكذا أيضاً قوله عز وجل عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، إن هذا لشيء، إن هذا لشيء عجاب. هذا قالوا: الذي جاء به محمد دينيش، دين جديد، يخالف ديننا ودين آبائنا وأجدادنا الأولين. إذن يا إخوان، هذا يرد شبهة هؤلاء القبورية الذين كما سبق يقولون: "أن المشركين الأولين ما أشركوا ولا كفروا إلا أنهم اعتقدوا في تلكم الآلهة التي يعبدونها أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت وتدبر هذا الكون". أما نحن، هم يقولون: بعد القبور الأضرحة، يقولون: "أما نحن فنعتقد أن الله هو هو الخالق، وأن الله هو الرازق، وأن الله هو المحيي، وأن الله هو المميت، وأن الله هو الذي يدبر الأمور". نقول: سبحان الله، وما الفرق بين حال المشركين الأولين وحال هؤلاء المتأخرين، وحال هؤلاء المتأخرين إلا ماذا؟ إلا أن حالهم واحد، وأن ما وقع فيه الأولون هو الذي وقع فيه المتأخرون، بل زاد المتأخرون على المتقدمين، كما سيأتي معنا في ماذا؟ في القاعدة الرابعة، أن شرك المتأخرين أغلظ، وشركهم أشد من شرك المتقدمين، وشرك الأولين، وشرك الأولين. فهذا يا إخوان، أو هذه القاعدة، من القواعد المهمة جداً التي ماذا؟ أراد رحمه الله تعالى أن يبين فيها أمراً، وهذا الأمر ماذا؟ لربما دندن حوله المشركون وعباد القبور والأضرحة وأعداء التوحيد، دندنوا حوله ولبسوا على من لبسوا عليه بسبب ذلك، بسبب ذلك. ولهذا سيأتي معنا في القاعدة الثانية إن شاء الله عز وجل الكلام حول ماذا؟ لماذا يتجه المشركون إلى أصنام وأوثان وكواكب ونجوم وغيرها، ويصرفون لها العبادات مع الله عز وجل، مع أنهم يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لهذا الكون؟ سيأتي معنا الكلام عن القاعدة الثانية وما تضمنته في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. فنكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر