كتاب الأمور المنهي عنها 8

كتاب الأمور المنهي عنها 8

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 8، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أسباب إباحة الغيبة الستة وأدلةها النبوية

يستعرض الدرس الأسباب الستة التي أجاز فيها العلماء الغيبة وهي: التظلم، التحذير من المبتدع، الاستعانة على تغيير المنكر، الاستفتاء، المشورة، والتعريف باللقب المعروف. ويؤصل ذلك بأدلة من السنة النبوية كقول النبي صلى الله عليه وسلم في حق رجل: "بئس أخو العشيرة"، ومشاورة فاطمة بنت قيس في خطبتيها.

أحكام الخطبة وقصة عبدالله بن أبي سلول

يبين المقطع حرمة الخطبة على الخطبة بعد التوافق والرضا، مستشهداً بنصيحة النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس. ثم يسرد قصة عبدالله بن أبي سلول كبير المنافقين، وأذاه للنبي صلى الله عليه وسلم، وإخبار زيد بن أرقم بذلك، ونزول سورة المنافقين مصدقة لزيد، وإعراض المنافقين عن استغفار النبي لهم.

ضوابط الغيبة والنميمة وسياسة النبي مع المنافقين

يوضح الفرق بين الغيبة المباحة للنصيحة والتحذير والنميمة المحرمة بقصد الإفساد، مبيناً سياسة النبي ﷺ الحكيمة في التعامل مع المنافقين مراعاة للمصلحة العامة. ويذكر جواز الغيبة في الاستفتاء كما فعلت هند بنت عتبة، ويؤكد فضل النفقة على الأهل والبر بهم.

خاتمة الدرس والإعلان عن باب تحريم النميمة

يختتم الشيخ الدرس الحالي ملخصاً ما تم تناوله من أحكام الغيبة وأسباب الإباحة، ويعلن عن موضوع الدرس القادم وهو باب تحريم النميمة. ويختم الجلسة بالدعاء والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وكان آخر ما تقدم معنا من أبواب هذا الكتاب: باب في ماذا؟ ما عنوان هذا الباب؟ آخر ما سبق معنا... نعم، أحسنت: باب ما يباح من الغيبة. وذكر رحمه الله تعالى أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وذكر رحمه الله تعالى ستة أسباب، فمن يأتي بشيء منها؟ نعم، طيب: المتظلم. ثانياً: نعم، التظلم. الثاني: المبتدئ، يعني ما يتعلق بالتحذير ممن كان عنده بدعة ظاهرة أو مجاهر بالفسق. كذلكم ثالثاً... ثالثاً... نعم يا تميم: الاستعانة على تغيير منكر. رابعاً... رابعاً يا أبا عبد الرحمن... رابعاً: نعم، أحسنت. رابعاً: الاستفتاء. الاستفتاء. وخامساً... خامساً... خامساً... نعم يا با أحمد... لعله يسأل... نعم، المشورة. المشورة، وهذه تدخل تحت تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم. بقي معنا السادس، ومثلنا بأبي الأعرج والأعمش وهلما جراً. نعم، فما هو المقصود؟ فما هو المقصود يا أبا عبد الله؟ معنا التعريف... أحسنت، هو التعريف. وهذه الستة الأسباب التي تباح فيها الغيبة، وقد جمعها بعضهم في قوله: «والقدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومعرف، ومحذر، ومجاهر فسق، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر». وقال بعضهم في نظمها: «والقدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومعرف، ومحذر، ومجاهر فسق، ومستفت، ومن طلب طلب الإعانة في إزالة منكر». وهكذا ذكر غيرهم: «قالوا: من الدين كشف الستر عن كل كاذب، وعن كل بدعي أتى بالعجائب، فلولا رجال مؤمنون لهدمت صوامع دين الله من كل جانب». وذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك الأدلة على جواز هذه، أو جواز وإباحة الغيبة عند هذه الأسباب الستة. قال رحمه الله تعالى: قال عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، استأذن أي طلب الإذن في الدخول على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة». قال: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة». قال: متفق عليه. قال رحمه الله تعالى: قال: احتج به البخاري في جواز غيبة أهل الفساد وأهل الريب. لاحظوا: استأذن، فقال: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة». وتمام هذا الحديث: أنه لما دخل، هشّ وبشّ وألان له النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، فلما خرجت قالت له أمنا عائشة: يا رسول الله، لما استأذن قلت: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة»، فلما دخل ألنت له في الحديث؟ قال: «يا عائشة، إن شر الناس من اتقاه الناس لفحشه»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: قال: وعنها، أي عن أمنا أم عبد الله عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أظن فلاناً وفلاناً يعرفان من ديننا شيئاً». قال: رواه البخاري. قال: الليث بن سعد، أحد رواة هذا الحديث: هذان الرجلان كان من المنافقين، كان من المنافقين. وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أظن»، ذكر بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف جميع المنافقين بأعيانهم، ولهذا قالها هنا: «ما أظن، ما أظن». وهذا فيه جواز كشف حال من عرف بالنفاق والشر، وكان هناك مصلحة في ماذا؟ في بيانه. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: فقلت: «إن أبا الجهم، وليس أبو جهل، إن أبا الجهم ومعاوية خطباني، ومعاوية خطباني». يعني ماذا؟ تستشيره: أيهما تقبل وأيهما تنكح؟ تقدما لها اثنان، وقد يستغرب البعض كيف يتقدم اثنان، وقد نهي المسلم أن يخطب على خطبة أخيه المسلم، فيحتمل هذا على أن أحدهما لا يعلم بتقدم الآخر، لا يعلم بتقدم الآخر. وكذلك أيضاً مما يتعلق بهذا: متى لا يجوز للشخص أن يتقدم لخطبة المرأة؟ إذا حصل الكلام، وحصل شيء من التواطئ، يعني بداية موافقة المرأة أو أهلها على ذلك الخاطب. أما إذا كان مجرد كلام هكذا، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ذلك ليس بمنهي عنه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما معاوية فصعلوك لا مال له». صعلوك، وصعلوك ها هنا يفسرها ما بعدها: لا مال له. إذن ماذا سيكون معناها؟ معنى الصعلوك ها هنا يا أبا إبراهيم؟ لا مال، لا مال، يعني ماذا؟ غني أو قوي؟ أه، فقير. أحسنت. آه، معناه ها هنا هو الفقير. قال: «وأما أبو الجهم، فلا يضع العصا عن عاتقه». لا يضع العصا عن عاتقه. قال: متفق عليه. قال: وفي رواية لمسلم: «وأما أبو الجهم فضراب للنساء». قال: وهو تفسير لرواية: «لا يضع العصا عن عاتقه». وقيل معناه: كثير الأسفار، كثير الأسفار. وهذان تفسيران في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يضع العصا عن عاتقه». يمشي بعصاه، يمشي بعصاه، فإذا رأى من المرأة شيئاً استخدم ماذا؟ استخدم العصا، ضراب للنساء، ضراب للنساء كما في رواية مسلم الأخرى. وقيل معناه: لا يضع العصا عن عاتقه، أي أنه كثير الأسفار وكثير الترحال. والمرأة يا إخوان بطبيعتها لا تحب من كان غيابه كثيراً، من كان غيابه كثيراً يسافر، فلربما أطال السفر وأكثر من السفر. أشهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين حين أن استشارته فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها: معاوية صعلوك لا مال له، وأبو الجهم لا يضع العصا عن عاتقه. وهذا وإن كان ظاهره من الغيبة، لكنه يجوز لأجل المصلحة الشرعية الموجودة في ذلك. ثم قال لها: «أنكحي أسامة بن زيد». أنكحي أسامة بن زيد، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي... من هذا عبد الله بن أبي؟ يا عبد الله، من هذا عبد الله بن أبي؟ ماذا تعرف عنه؟ طيب، نعم، من عبد الله بن أبي؟ نعم، كبير المنافقين بالمدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من الأنصار من الخزرج. قال: فقال عبد الله بن أبي، وأيضاً يقال له ماذا يا أبا زيد؟ يقال له عبد الله بن أبي، ويقال له عبد الله بن سلول، ويقال له عبد الله بن سلول. قال بعض العلماء: أبي أبوه، وسلول أمه، فتارة ينسب إلى أبيه وهو الأشهر، وتارة ينسب إلى أمه فيقال: عبد الله بن سلول. قال: فقال عبد الله بن أبي: «لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا». ومعنى ينفضوا: أن يتفرقوا عنه. هؤلاء الذين عند رسول الله، لولا أنهم وجدوا منكم الترحاب والحفاوة والمساعدة، وإلا لنفضوا عنه. أهل مكة يذهبون مكة، ومن جاء من الطائف يرجع إلى الطائف، وهكذا يتفرقوا عنه. قال: «حتى ينفضوا، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل». ويعني بالأعز: هو، ويعني بالأذل: رسول الله صلى الله عليه وسلم. كبرت كلمة تخرج من فيه، إن يقول إلا كذباً وبهتاناً وفجوراً في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال زيد بن أرقم: قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، أي بما قال ابن أبي. قال: فأرسل إلى عبد الله بن أبي، قال: فاجتهد يمينه، ما فعل. فاجتهد يمينه: أي أكثر من الأيمان أنه ما قال ذلك ولا فعل ذلك. قال: فقالوا: كذب زيد، كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فوقع في نفسي مما قالوا شدة، حتى أنزل الله تعالى تصديقي: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ السورة. قال: ثم دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، قال: فلووا رؤوسهم. فلووا رؤوسهم. قال: متفق عليه. ومعنى لووا رؤوسهم: أي أنالوها إعراضاً، وهكذا أيضاً استكباراً. وآذ فيه يا إخوان: جواز تبليغ ما لا يجوز للمقول فيه، وأن ذلك لا يعد من النميمة، وأن ذلك لا يعد من النميمة إلا إذا قصد بذلك الناقل الإفساد، إلا إذا قصد بذلك الناقل الإفساد. وأما إذا كان هناك مصلحة في نقل الكلام: سمعت شخصاً يقول: فلان إذا خرج من المسجد سنضربه ضرباً أو سنقتله قتلا، أنت سمعتهم، فماذا تأتي قبل أن يخرج؟ تقول: يا فلان، انتبه لنفسك، شف فلان وفلان يقولان كذا وكذا. هذا ليس من النميمة، وإنما هو من النصيحة، إلا إذا قصد بذلك الإفساد بينهما. وأيضاً في هذا الحديث يا إخوان: السياسة الشرعية التي كان يتعامل بها خير البرية صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أنه لربما ترك مؤاخذة كبراء القوم على هفواتهم وأخطائهم، لماذا؟ لمصلحة يا إخوان، لألا ينفر أتباعهم. ولهذا لما طلب من النبي صلى الله عليه وسلم قتل عبد الله بن أبي، قال: «لا، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، يقتل أصحابه». وأيضاً هذا الحديث فيه بيان خطر وضرر النفاق والمنافقين على الإسلام وعلى المسلمين. فإذا كان اليهود والنصارى والمشركون والملاحدة وغيرهم يحاربون الإسلام من الخارج، فلنعلم أن المنافقين يحاربون الإسلام من الداخل. وأيهما أخطر؟ وأيهما أخطر؟ نعم، أيهما أخطر؟ أين حماس؟ عفواً، أين عكاشة؟ نعم، مختبئ. تفضل: أيهما أخطر؟ الذي يقاتل من الخارج وأنت لربما تغلق الأبواب وتتفرج عليه من النوافذ أو الفتحات أو من أعلى الحصون، أو الذي يحارب من الداخل؟ أحسنت: الذي يحارب من الداخل. يا إخوان، قد يفتح للأعداء الأبواب المغلقة، قد يفتح للأعداء الأبواب المغلقة، وقد يرسل إليهم بالمعلومات الدقيقة والخطيرة، يقول: لا، لا تأتوا من هذه الجهة، ارجعوا من الجهة الأخرى، ستجد هناك نفقاً أو باباً ضعيفاً، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قالت هند، هند امرأة أبي سفيان، للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبا سفيان رجل شحيح». ما معنى شحيح؟ ما معنى شحيح؟ نعم، بخيل، بل شديد البخل، شديد البخل. قالت: وهو لا... «إن أبا سفيان رجل شحيح». هل يرضى بهذا أبو سفيان؟ هل يرضى بهذا أبو سفيان أو لا يرضى؟ عندك يرضى أو لا يرضى؟ لا، ما سيرضى، ما سيرضى. إذن ماذا؟ هل هي غيبة؟ نعم، هي غيبة، لكنها جائزة لأجل ماذا؟ الاستفتاء. قالت: «وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، وهو لا يعلم». قال: «خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف». متفق عليه، متفق عليه. وهذا فيه كما سبق: أن تجوز الغيبة إذا كانت من بابي الاستفتاء. ولو عرضت فقالت: كيف يفعل مع الرجل إذا كان شحيحاً، يعني بخيلاً مع حرص شديد على المال، ولا يعطي زوجته وأولاده ما يكفيهم، كيف يتعامل معه؟ هذا أفضل. لكن هي ذكرت ذلك لمصلحة، رضي الله تعالى عنها، مصلحة هنا احتاجت إلى أن تذكر اسم زوجها. فلعل من تلكم المصالح: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بنصح أبي سفيان، ويبين له فضل النفقة على الأهل والأولاد. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة: «دينار أنفقته على مسكين، ودينار آخر أنفقته في رقبة، أي في عتق عبد مملوك، ودينار أنفقته في سبيل الله، قد يكون في الجهاد والغزو، ودينار أي رابع أنفقته على أهلك». قال: «أعظمها الذي أنفقته على أهلك». لاحظوا يا إخوان: أن الواحد لما يذهب ويشتري طعاماً أو شراباً أو لباساً أو غيرها، أو يعطي أولاده الصغار أو الكبار مصروفاً، هذا يا إخوان أعظم أجراً وأحب عند الله عز وجل مما لو أعطاه مسكيناً، أو وضعه في مسجد يُبنى، أو في معركة قام، أو غير ذلك. وهذه من الأمور التي يغفل عنها الكثير من الخواص، فضلاً عن ماذا؟ عن عامة الناس. ويحتاج أن يذكر به الناس، ولا سيما مع هذا الغلاء وهذا الارتفاع الفاحش في الأسعار، وشدة المؤونة والمعيشة. طيب، بهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، ويأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل: باب في تحريم النميمة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر