كتاب الأمور المنهي عنها 29

كتاب الأمور المنهي عنها 29

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 29، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

باب النهي عن الغش والخداع: التعريف وربطه بالنفاق

يشرح المقطع باب النهي عن الغش والخداع من رياض الصالحين، معرفاً الغش بكتم العيب والخداع بالمراوغة، ويؤكد أن الخداع خلق ذميم متأصل في المنافقين الذين يخادعون الله والمؤمنين.

تحريم الغش والنجش والخداع في البيوع: الأحاديث وأقوال العلماء

يستعرض المقطع أحاديث نبوية تحرم الغش والنجش والخداع في المعاملات، مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا"، ويوضح معاني النجش والخلابة مع أقوال العلماء في التحذير من هذه الآفات.

النهي عن الغش والخداع في البيع: أحكام الخيار وتخبيب الزوجة والمملوك

يبين المقطع جواز شرط الخيار للمشتري وحده أو للطرفين، ويؤكد تحريم الغش والخداع كإعطاء السلع الفاسدة، ويورد حديث «من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا» محذراً من إفساد العلاقات.

خاتمة الدرس والدعاء بالختم

يختتم المتحدث الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين، ثم يشكر المشاهدين على المتابعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: "باب النهي عن الغش والخداع". قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. قال رحمه الله تعالى: "قال: مضى تفسيرها في باب تحريم سب المسلم بغير حق". وكما سبق معنا أن صور الأذية كثيرة التي قد يتعرض بها المسلم لأذية إخوانه المسلمين، ومن ذلك ما سبق، وهكذا أيضًا ما ذكره في هذا الباب من الغش وهكذا الخداع. وقد ذكر العلماء في تعريف الغش أنه كتم كل ما لو علمه المبتاع كرهه، لو علمه المبتاع لكره هذا الشيء. وهكذا ذكر العلامة المناوي رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالغش أنه: "ما يخلط من الرديء بيء الجيد"، ما يخلط من الرديء بيء الجيد. وأما الخداع فتعددت عبارات العلماء في تعريفه، فمن ذلكم ما ذكره الراغب في مفردات القرآن فقال: "الخداع هو إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه". إذن ماذا يظهر؟ ما لا يخفي، يظهر ما لا يخفي. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه "إغاثة اللهفان" فيما يتعلق بالمخادعة قال: "هي الاحتيال والمراوغة، الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه ليحصل مقصود المخادع، ليحصل مقصود المخادع". والخداع يا إخوان كما هو معلوم خلق ذميم، وهو من أخلاق المنافقين، بل هو يعتبر من الأخلاق المتأصلة فيهم، المتأصلة فيهم. فهم يخادعون الله والذين آمنوا كما ذكر الله عز وجل عنهم، وحقيقة الأمر أنهم ما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، وما يشعرون كما ذكر ذلك ربنا عز وجل عنهم. قال العلامة الشوكاني اليماني رحمه الله تعالى عن مخادعة المنافقين: "قال: والمراد من مخادعتهم لله أنهم صنعوا معه صنع المخادعين، وإن كان أي ربنا عز وجل العالم الذي لا يخفى عليه شيء ولا يخدع ولا يُخدع". وذكر رحمه الله تعالى أن المراد بالمخادعة من الله عز وجل أي لهم وهو خادعهم أي لهم، أنه لما أجرى عليهم أحكام الإسلام أي في الدنيا تجري على المنافقين أحكام الإسلام أي الظاهرة مع أنهم ليسوا منه في شيء، فكأنه خادعهم بذلك كما خادعوه بإظهار الإسلام وإبطان الكفر وإبطان الكفر، مشاكلة لما وقع منهم بما وقع منه سبحانه وتعالى. إذن هم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، ويظنون أنهم يخادعون الله عز وجل، وهو خادعهم إذ أجرى عليهم أحكام الإسلام الظاهرة، لكن في حقيقة الأمر وما هم بمؤمنين وليسوا بمسلمين، وإنما في الآخرة هم في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيرًا، ولن تجد لهم نصيرًا. وهكذا أيضًا بالنسبة لمخادعة المؤمنين للمنافقين، ذكر الشوكاني رحمه الله تعالى: "هو أنهم أجروا عليهم ما أمرهم الله به من أحكام الإسلام ظاهرا ظاهرا، وإن كانوا يعلمون فساد بواطنهم، يعلمون أن باطن هؤلاء المنافقين يعتبر فاسدًا". قال: "كما أن المنافقين خادعوهم بإظهار الإسلام وإبطان الكفر وإبطان الكفر". فإذا ماذا؟ الخداع يعتبر صفة متأصلة في أهل النفاق. قال رحمه الله تعالى: "قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حمل علينا السلاح". قال: "رواه مسلم". وقوله: "من حمل علينا السلاح فليس منا"، أي أنه ليس على طريقتنا وليس على هدينا، وإنما هو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا: "من غشنا فليس منا". وهذا فيه الزجر عن الغش الذي قد يتعامل به المسلم مع أخيه المسلم. قال: "وفي رواية له أي لمسلم: قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا". وقوله: "مر على صبرة طعام"، الصبرة قالوا: ما جمع من الطعام من غير كيل ولا وزن، فيكون بعضه فوق بعض، يعني كوم من الطعام. فأدخل يده في هذا الطعام، قال: "فنالت أصابعه بللا، فنالت أصابعه بللا". فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟" أي من أين هذا البلل، ما هذا الذي يوجد في الطعام؟ قال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟" قال: "أصابته السماء يا رسول الله"، أي أصابه المطر، أصابه المطر. فقال عليه الصلاة والسلام: "أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غشنا فليس منا، من غشنا فليس منا". وفي بعضها: "من غشنا فليس مني، فليس مني". وهذا يا إخوان كما سبق فيه التنفير عن أن يغش المسلم إخوانه المسلمين. ذكر العلامة أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى في قوله: "من غشنا فليس منا"، قال: "معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا، يريد أن من غش أخاه وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنة، التمسك بسنة". هكذا ذكر في كتابه "معالم السنن" وهو تعليقه وشرحه على سنن الإمام أبي داود رحمه الله تعالى. وذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى أن معناه بين في التحذير من غش المسلمين لمن قلده الله تعالى شيئًا من أمرهم، شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، في دينهم أو دنياهم. وهذا كله مما يدل على تحريم الغش، تحريم الغش. قال رحمه الله تعالى: "قال: وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تناجشوا". قال: "متفق عليه". قال: "مضى توثيقه وشرحه في باب تعظيم حرومات المسلمين، وفي باب النهي عن التجسس". قال: "وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش". قال: "متفق عليه". وهذا أو هذان الحديثان فيهما النهي عن النجش، والمقصود بالنجش هو الزيادة في ثمن السلعة لا لأنه يريد شراءها، وإنما ليغتر به غيره، ليغتر به غيره. شخص يبيع سلعة، بكم هذه السلعة؟ قالوا: عليها ألف ريال، عليها ألف ريال. قال: ألف، عندي بألف وخمسمائة. هو ما يريد شراءها، لكن صاحب السلعة هذا صاحبه، فيحاول أن يظهر أن ثمنها مرتفع لكي يغري المشتري أن يدخل فيها بهذا السعر الباهظ. هذا يسمى نجش، هذا يسمى نجش. وحرم النجش لما فيه من التغرير بالمسلمين، لما فيه من التغرير بالمسلمين، فنهي عنه، ففيه مخادعة وفيه غش للمسلمين. قال: "وعنه قال: ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع، أنه يخدع في البيوع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بايعت فقل لا خلابة، فقل لا خلابة". قال: "متفق عليه". قال: "والخلابة بخاء معجمة مكسورة، بخاء معجمة يعني ماذا؟ هناك نقطة موجودة، قال: مكسورة وباء موحدة". قال: "وهي الخديعة". ولهذا قوله: "لا خلابة"، أي شرط بيني وبينك، شف البيع هذا لا خداع فيه. وهذا يعتبر دليلًا على جواز البيع بشرط الخيار، بشرط الخيار. وهكذا أيضًا فيه دليل على جواز أن يكون شرط الخيار للمشتري وحده، يجوز للمشتري وحده، ويجوز أن يكون للطرفين معًا. وهكذا فيه دليل على تحريم المخادعة في البيع والشراء. بعض الناس إذا جاءه رجل، إذا جاءه رجل كبير، فتجده يحسن البيع والشراء ويعطيه من البضاعة الشيء الجيد، الشيء الجيد. وإذا جاء طفل صغير يعطيه ما كان تالفًا وما كان غير مرغوب فيه، قل لك: طفل، هذا النسكين، أي شيء سيأخذه، أي شيء سيأخذه. جاءت امرأة تشتري من وراء حجاب، يعطيها لربما التالف وغير الجيد، بينما لو جاء رجل قال: ها، انتبه، ضع الجيد. هذا نزله، خرجه. فماذا؟ فلا يجوز يا إخوان الخداع والغش في البيع والشراء، وهكذا في غيرها من المجالات الأخرى. من غشنا فليس منا. وختم هذا الباب بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا". قال: "رواه أبو داود". قال: "خبب، بخاء معجمة ثم باء موحدة مكررة، يعني عبارة عن باء، خبب". قال: "أي أفسده وخدعه، أفسده وخدعه". وهذا يا إخوان، هذا الحديث أخرجه الإمام أبو داود، وهكذا أيضًا الإمام أحمد في مسنده، وفي إسناده شيء من الكلام، لكن الحديث صححه جماعة من أهل العلم، فله شواهد وله متابعات، جاء له شاهد من حديث ابن عباس، وهكذا من حديث بريدة وغيرهما، فالحديث صحيح. والحديث فيه تحريم إفساد أحد الزوجين على الآخر، يأتي إلى الزوج ويقول له: أي زوجة هذه معك؟ وكيف أن تصابر عليها؟ غيرها كثير أحسن منها، طلقها، أخرجها من عقدك. يا أخي الجماعة، الحمد لله أمورهم طيبة، وكل واحد منهم قد ارتاح للآخر، فما هذه الفتنة التي أحدثتها بينهم؟ قال: "من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا". يأتي إلى الزوجة ويقول لها: هذا زوجك؟ قالت: نعم. قالوا: وأنت مرتاحة معه؟ قالت: بلى. طيب، كيف مرتاحة معه؟ انظري إلى فقره، فقير ما عنده مال. انظري إلى ذمامة خلقه وسوء أدبه. انظري إلى تعامله. وما زال يغريها حتى يملأ صدرها وقلبها حقدًا على هذا الزوج. ثم ماذا؟ ثم تجدها تطالب أن تختلع منه، أن تختلع منه. وقد يكون المقصود أنها تخرج من هذا الرجل لكي يتزوجها هو، أو يتزوجها غيره، أو يتزوجها غيره. هذا يا إخوان ليس من أفعال الكرام، بل هو من صنائع اللئام. وهكذا أيضًا الذين همهم تمزيق الأسر وهدم البيوت، وهدم البيوت. وهكذا ما كان في الزمن الأول من المماليك، أي العبيد. اليوم مثلًا عامل يشتغل عند شخص في مزرعة، في بقالة، في شركة، في مؤسسة، فيأتيه أحدهم: كم يعطيك؟ قال: يعطيني مئة ألف. مئة ألف قليل، شف الناس كيف يتقاضوا مئة وخمسين، مئتين. أخرج منه وسآتي لك بعمل أحسن منه. طيب يا أخي، هو قنعان، هو راضي بهذا المرتب وهذه الأجرة، فلماذا هذا التخبيب؟ قال: "فليس منا". هؤلاء المفسدون الهدامون، هؤلاء تبرأ منهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبهذا نعلم أيها الأحبة في الله سماحة هذا الدين وحسنه، وحسن ما يأمر به، وكذلك أيضًا حسن ما جاء أن نهي عنه في شريعتنا وفي ديننا، وأن ما نهى عنه يعتبر ماذا؟ تركه فيه خير للمسلم في العاجل أو في الآجل. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا الباب في النهي عن الغش، وهكذا أيضًا النهي عن الخداع. طيب، نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. محمد، محمد. شكرا للمشاهدة.