التعليق على كتاب الداء والدواء 115

التعليق على كتاب الداء والدواء 115

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 115، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

علاج داء العشق ومراتب المحبة والتتيم

يستعرض المقطع علاج داء العشق قبل وقوعه بغض البصر واشتغال القلب بالطاعات، ثم يشرح مراتب المحبة وصولاً إلى مرتبة التتيم التي هي تعبد المحب لمحبوبه، مبيناً أن التتيم الحق لا يصلح إلا لله تعالى.

مقام النبي صلى الله عليه وسلم في العبودية والشفاعة العظمى

يبيّن المقطع تميز عبودية النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر العباد، مستشهداً بآيات قرآنية تدل على تحدي القرآن، وإسرائه، وشفاعته العظمى يوم القيامة، ثم يوضح أن غاية خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده.

التوحيد والشرك في المحبة والشفاعة والفرق بين الأولياء

يشرح المقطع ظلم الشرك في تسوية المخلوق بالخالق في المحبة والعبادة، ويذكر قولين في تفسير آية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، ثم يبين الفرق بين الشفاعة المنفية للمشركين والمثبتة لأهل التوحيد.

خاتمة الدرس: ولاية الله للمؤمنين وولاية الطاغوت للكافرين

استشهد المحاضر بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ مبينًا أن الله يتولى المؤمنين فيخرجهم من الظلمات إلى النور، بينما أولياء الكافرين الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، وأشار إلى تتمة الفصل في المحبة في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه الفصول الماتعة والمباحث المفيدة التي أوردها الإمام أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين في هذا الكتاب العظيم، وهذا الجواب المفيد المسمى بالداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وهو يبين أدوية نافعة وعلاجات ناجعة لهذا الداء العظيم الذي كان السؤال عن دواء له هو أصل تأليف هذا الكتاب. فما هو هذا الداء؟ ما هو هذا الداء يا خان محمد؟ ما هو أداء محمد زكي؟ ما هو المرض الذي سئل ابن القيم أن يصف له دواء وعلاجًا؟ ما هو هذا المرض؟ ما هو هذا الداء؟ الداء والدواء: العشق. أحسنت. داء العشق، والعشق داء ومرض خطير، متى ما تسرب إلى القلوب أضر بها، أضر بها، يجعل صاحبه لربما ينحرف عن الصراط المستقيم، فلربما سلك طريق أصحاب الجحيم، فوقع في الشرك أو وقع في البدع أو وقع في الفواحش والمنكرات وغيرها وغيرها. وسبق معنا ذكر بعض الحوادث والقصص لمصارع العشاق، مصارع وخيمة يصاب بها العشاق، يصاب بها العشاق، بعضهم لربما صار مجنونًا، وبعضهم لربما نطق بكلمة الكفر قبل أن تخرج روحه من جسده، وهكذا وهكذا غيرها من هذه الأحوال. وسبق في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى أنه ذكر العلاجات النافعة، وذكر أن علاج هذا الداء على نوعين اثنين: النوع الأول هو علاجه قبل أن يقع، قبل أن يقع، فالوقاية كما قيل خير من العلاج. بماذا يعالج العشق قبل أن يقع؟ بماذا يعالج؟ ذكر ابن القيم أمرين اثنين: الأول، الأول يا هذيفة: غضوا البصر. أول هذه العلاجات هو غضوا البصر، احفظ بصرك، لا ينظر به إلى الحرام، لا ينظر الشخص إلى النساء ولا إلى الصور المحرمة ولا غيرها مما يثير الشهوة. فالبصر طريق سريع يؤثر على القلب ويؤثر على الفرج، ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. ونبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «مَنْ يَضْمَنُ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ أَيْ لِسَانٍ وَمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ يَعْنِي الْفَرْجَ قَالَ أَضْمَنُ لَهُ الْجَنَّةَ أَضْمَنُ لَهُ الْجَنَّةَ». والأمر الثاني الذي يعالج به العشق قبل أن يقع يا أبا حذيفة: أحسنت. بماذا؟ اشتغال القلب بما يصده عن ذلك، بما يصده عن العشق، يصده، فينشغل بالقرآن العظيم الذي جعله الله عز وجل هدى ورحمة، وجعله الله عز وجل نورًا وشفاء لما في الصدور، ينشغل، ينشغل بالعلم النافع، ينشغل بالعمل الصالح، ينشغل بذكر الله عز وجل، ينشغل بمحبة الله عز وجل التي إذا عظمت في القلوب فإنها تخرج غيرها من المحاب الأخرى الفاسدة، الأخرى الفاسدة. ولهذا ابن القيم رحمه الله تعالى أطال في الكلام حول المحبة، وأراد رحمه الله تعالى أن يبين أن المحبة العظمى التي هي أصل المحاب هي محبة المحبوب الأعلى. من هو المحبوب الأعلى يا أبا عثمان؟ من هو المحبوب الأعلى؟ المحبوب الأعلى منه الله عز وجل. أحسنت، الله عز وجل. وغير الله إذا أحب فإنما يحب لله عز وجل، وأن يحب المرأة لا يحبه إلا لله، إلا لله، وأن يكره أن يقذف في الكفر، أن يقذف في... أو أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار، في النار. وهذا يعتبر من العلاجات العظيمة النافعة. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر مباحثًا وذكر فصولاً تتعلق بالمحبة، ومن ذلك مراتب المحبة التي سبق معنا ذكر جملة منها، ثم ذكرها هنا فصلاً يتعلق بهذه المراتب: مراتب المحبة، وذكر مرتبة التتيم. قال رحمه الله تعالى: «قال فصل: ثم أي من هذه المراتب ثم التتيم، قال: وهو آخر مراتب الحب، قال: وهو تعبد المحب لمحبوبه». تعبد، إذن هذا لا يكون إلا في حق الله عز وجل، لأن العبادة حق خالص محض لا يجوز إلا لله تبارك وتعالى، وصرف العبادة لغير الله هذا يعتبر شركًا عظيمًا وظلماً كبيرًا. ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي يخلطوا إيمانهم بظلم أي بشرك ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهو تعبد المحب لمحبوبه، يقال: تيمه الحب، تيمه الحب، قال: إذا عبده أي جعله عبدًا لهذا المحبوب، قال: ومنه تيم الله، تيم الله، قال: أي عبد الله، قال: وحقيقة التعبد: الذل والخضوع والخضوع للمحبوب، قال: ومنه قولهم: طريق معبد، قال: أي مذلل بوطئ الأقدام ودوسها فيه، طريق معبد أي مذلل من كثرة ما تطأه الأقدام أصبح مذللاً، قال: فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، قال: ويدخل في ذلك محب الدنيا فإنه عبدها، فإنه عبدها، قال: لأنها قد ذللته وذل في طلبها حرصًا وحبًا وخوفًا من فواتها، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: تَعِسَ عَبْدُ الدُّنْيَا، تَعِسَ عَبْدُ الدُّنْيَا، تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ إلى آخره، قال: وكل من أحب شيئًا وذل في طلبه فهو عبده، فهو عبده». ومن هذا الباب الهوى، الهوى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ الآيات. قال: ولهذا كان أشرف أحوال العبد وأفضل مقاماته عبوديته لربه وخالقه، فلا منزلة أشرف منها، فلا منزلة أشرف منها. قال رحمه الله تعالى: «قال وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَيْهِ وَأَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ وهو رسوله وَعَبْدُهُ وَعَبْدُهُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أشرف مقاماته، قال: وَهِيَ مَقَامُ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ وَمَقَامُ التَّحَدِّي بِالنُّبُوَّةِ وَمَقَامُ الْإِسْرَاءِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾، وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ...». هذه عبودية ليست كسائر العبودية، وإنما هي عبودية خاصة، الخاصة بعموم المؤمنين، وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا، وعبودية الأنبياء أخص من عبودية الأولياء والمؤمنين. ومن ذلكم ما ذكره ربنا عز وجل في حق ووصف نبينا صلى الله عليه وسلم في هذه المقامات التي هي من أشرف المقامات، ومنها مقام الدعوة إلى الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، لا أحسن من ذلك. وهنا يقول: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾. إذا كان الأمر كما تدعون أن محمدًا كاذب، وأنه افترى هذا القرآن من عند نفسه، أو أخذه عن غيره من البشر، فأنتم مجتمعون الإنس والجن، حاولوا أن تأتوا بمثل ما جاء به محمد، فهل استطاعوا؟ عجزوا، فكان التحدي أن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا، فكان التحدي أن يأتوا بسورة واحدة من مثل سور القرآن فعجزوا، وكل من حاول أن يأتي بشيء من ذلك أصبح أضحوكة ومحل سخرية واستهزاء، كمسلمة وهكذا غيره. وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. قال: وفي حديث الشفاعة، أي حديث الشفاعة العظمى التي تكون في أهل الموقف يوم أن تدنو الشمس من رؤوس العباد، فلا يكون بينها وبينهم إلا قدر ميل واحد، ما أصعبه من موقف وما أشده من مقام، فيصيب الناس عرق وتعب وهم وغم، هنا يبحثون عن من يكون سببًا في خلاصهم ونجاتهم، فيأتون، يأتون آدم فيعتذر ويحيلهم على نوح، فيعتذر ويحيلهم على إبراهيم، فيعتذر ويحيلهم... أي إبراهيم على موسى، فيعتذر ويحيلهم موسى على عيسى، فيعتذر ويحيلهم عيسى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويقول كما في هذا الحديث: «اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ عَبْدٍ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَمَا تَأَخَّرَ»، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا»، فيذهب ويسجد تحت العرش، فيُلهمه الله بمحامد، فيقال: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطَ واشفع تشفع، فيشفع في أهل الموقف كلهم أن يُحالوا إلى الحساب، وبعد ذلك فريق في الجنة وفريق آخر إلى السعير، إلى السعير. هذا هو المقام المحمود الذي يحمده عليه أهل الموقف: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. ونحن ندعو بعد الأذان بهذا الدعاء، فنقول: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا...» هكذا: «آتِ مُحَمَّدًا» كما علمنا، بعض الناس يقول: آتِ سيدنا محمد، نعم هو سيدنا، لكن من أدبنا واتباعنا أن نقول كما علمنا، ولا سيما في باب الأذكار فإنه باب توقيفي: «آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ». جاءت هناك زيادات لكنها شاذة غير صحيحة، بطريق سليمان التيمي، وماذا هي؟ تعتبر شاذة وغير صحيحة. وهذا هو الشفاعة العظمى التي خص الله بها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فنال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله له، وكمال مغفرة الله له. قال: والله سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له. ما هو الدليل على ذلك؟ ما هو الدليل على ذلك أن الله خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له؟ يا أبا أسامة، ما هو الدليل على ذلك أن الله خلق الخلق إنسهم وجنهم لعبادته وحده وأن لا يشرك به غيره؟ أبو أسامة يفكر... نعم، فضلاً يفكر في سورة الذاريات، أتحفظها؟ أه، تحفظها؟ تفضل، تفضل يا أبا أسامة... أبو أسامة... أبو أسامة... طيب، طيب، طيب، السؤال مفاجئ. ما اسمك؟ عبد المجيد، عبد المتين، ما شاء الله، تفضل يا خان... عبد المتين، وما... أحسنت. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. قال رحمه الله تعالى: «قال: والله سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، التي هي أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخشوع والذل، فكل عبادة فارقها الخشوع والذل والحب هي عيش النفس، وهي قليلة المنفعة لفاعلها». وهذا هو حقيقة الإسلام، وهذا هو حقيقة الإسلام، وملة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمَ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾، أي ويعقوب أيضًا وصى بها بنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾، ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. ولهذا يا إخوان، أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملة إبراهيم، أن يتبع ملة إبراهيم: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. قال: ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به. من يذكر الآية الدالة على ذلك يا إخوانا يوسف؟ أن الله لا يغفر لمن مات ولم يتب إلى الله من هذا الشرك. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، أكمل: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. فهذا يدل على خطورة الشرك. قال رحمه الله تعالى: «قال: وأصل الشرك بالله الإشراك به في المحبة، وهذه فائدة عزيزة يا إخوان، قال: وأصل الشرك بالله الإشراك به في المحبة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾». لاحظ كيف ساووا في المحبة بين الخالق وبين المخلوق: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي عودة إلى الدنيا، ماذا ستفعلون؟ هل ستعبدون الأصنام؟ الجواب: لا، ما سنعبدها. هل ستسجدون للشمس أو للقمر أو للنجوم؟ الجواب: لا، ما سنصرف شيئًا لها. هل ستتمسح بالأضرحة والقبور وتطلب من الأموات شفاء المريض وماذا؟ عودة الغائب وتفريج الكربات؟ أبدًا، ما سنطلب شيء. ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، سيكون مؤمنين حقًا، لكن أن لهم ذلك؟ أن لهم ذلك، وقد قضى ربنا عز وجل أنهم لا يرجعون، أنهم لا يرجعون، وأنهم في النار كذلكم أيضًا خالدون. قال رحمه الله تعالى: «قال: كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾». ما أعظم التوحيد يا إخوان، ما أعظم التوحيد وما أجمله وما أحسنه وما أعدله، وما أبشع الشرك وما أشنعه وما أظلمه، ظلم يا إخوان، بل ظلم عظيم، حين أن تعطى العبادة لمن لا يستحقها، حين أن يساوى القوي بالضعيف، والغني بالفقير، والعزيز بالذليل، والخالق بالمخلوق، أي ظلم أعظم من هذا؟ أعظم من هذا. قال رحمه الله تعالى: «قال: فأخبر فيها سبحانه أن من الناس من يشرك به، فيتخذ من دونه، من دونه ندًا». ما هو الند يا أخانا شامل؟ ما هو الند؟ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾، نقول: فلان ند لي، فلان ما هو الند؟ يحبونهم كحب الله. ما هو الند؟ أحدهما ند للآخر، أي ماذا؟ طيب، لا بأس. نعم، الشرك... طيب، الشرك حصل بسبب هذا التنديد، فما هو التنديد؟ لما نقول: علي ندلع كاشه، يعني ماذا؟ أي أنهما... طيب، طيب. ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. نعم، يساوونهم. الند هنا: المساوي، الند هنا: المماثل، النظير. طيب، أحسنتم. قال: «فيتخذ، فيتخذ من دونه ندًا يحبه كما يحب الله، وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبًا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم، المؤمنون يحبون الله عز وجل أشد من محبة هؤلاء المشركين لأندادهم وآلهتهم، وهكذا أيضًا المؤمنون أشد حبًا لله من محبة المشركين لله عز وجل». قال: «وقيل: بل المعنى أنهم أشد حبًا لله من أصحاب الأنداد لله». إذن هنا قولان مشهوران في تفسير هذه الآية. ما هو القول الأول يا أبا صالح؟ ما هو القول الأول والثاني عند أبي خالد؟ نعم، قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، ذكروا فيها قولين مشهورين: الأول: أن الذين آمنوا أشد حبًا لله... أكمل. أحسنت: أشد حبًا لله من محبة المشركين لأندادهم وآلهتهم. أحسنت، نعم يا أبا خالد. القول الثاني: أن الذين آمنوا أشد حبًا لله من... من... أحسنت: من المشركين لله، لله عز وجل، محبة المؤمنين أشد وأعظم من محبة هؤلاء المشركين لله عز وجل. قال: «فإنهم وإن أحب الله أي المشركون، وإن أحب الله، لكن لما أشركوا به في الحب، وأشركوا بينه وبين أندادهم في المحبة، ضعفت محبتهم لله، سبب هذا التشريك ضعفت محبتهم لله، قال: والموحدون لله لما خلصت محبتهم له، أي لله، كانت أشد من محبة أولئك». قال: «والعدل برب العالمين والتسوية بينه وبين الأنداد هو في هذه المحبة كما تقدم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، يعدلون، فيصرفون ما يستحقه الرب تبارك وتعالى، يصرفونه لهذه الأصنام وهذه الأنداد». قال: «ولما كان مراد الله من خلقه هو خلوص هذه المحبة وإفراده بها، أنكر على من اتخذ من دونه وليًا أو شفيعًا غاية الإنكار، وجمع ذلك تارة وأفرد أحدهما عن الآخر بالإنكار تارة، فقال تعالى: أي في الجمع بينهما: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. وقال في الإفراد: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾، أفرد الشفيع ها هنا من دون الولي: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. وقال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: «فإذا والى العبد ربه وحده، أقام له الشفعاء، وعقد الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين، فصاروا أولياءه في الله، بخلاف من اتخذ مخلوقًا وليًا من دون الله». قال: «فهذا لون، أي نوع، وذاك لون، كما أن الشفاعة الشركية الباطلة لون، والشفاعة الحق الثابتة التي هي إنما تنال بالتوحيد لون، أي نوع آخر. ومر معنا الكلام حول أنواع الشفاعة: شفاعة في الدنيا، وشفاعة في الآخرة. الشفاعة في الآخرة منها شفاعة منفية: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، وشفاعة مثبتة: هي الشفاعة لأهل التوحيد، وأن الشفاعة المثبتة منها شفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنها شفاعة عامة يدخل فيها الأنبياء والرسل والشهداء وغيرهم». قال: «وهذا موضع فرقان بين أهل التوحيد وأهل الإشراك، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وشيخ الإسلام الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى له كتاب عظيم في هذا الباب، ما اسمه؟ ما اسمه؟ نعم، ما اسمه في التفريق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؟ اسمه... طيب، أحسنت يا أبا جعفر: في مخالفة أصحاب الجحيم. طيب، أحسنت. أين أبو الفضل؟ نعم، الفضل، يا أبا الفاروق... أحسنت، صالح... لا، شيخ الإسلام ابن تيمية يا خان... علي... الفرقان... أحسنت: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وأولياء الشيطان. فأولياء الرحمن هم أولياء الله عز وجل، وأولياء ماذا؟ أولياء الشيطان، هؤلاء هم المشركون وأتباعهم. ف... ماذا؟ ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. طيب، الفصل له تتمة مع ما يتعلق بفصول ومباحث أخرى تتعلق بالمحبة، يأتي الكلام عنها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم».