التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 34

التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 34

الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 34، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تقنع النبي صلى الله عليه وسلم وبيان ضعف الأحاديث الواردة فيه

يشرح المقطع معنى التقنع وهو تغطية الرأس، ويناقش ضعف حديث أنس بن مالك في كثرة تقنع النبي صلى الله عليه وسلم لضعف رواته، ويستدل بالحديث الصحيح في البخاري عن عائشة رضي الله عنها في قصة الهجرة حيث جاء النبي متقنعاً في نحر الظهيرة.

صفة جلوس النبي صلى الله عليه وسلم وتفسير القرفصة في حديث قيلة

يشرح المقطع هيئة جلوس النبي صلى الله عليه وسلم المسماة بالقرفصة، ويذكر حديث قيلة بنت مخرمة التي رأت النبي قاعد القرفص في المسجد فأصابها الرعب من هيبته، مبيناً أن القرفصة تفسر بالاحتباء أو بالجلوس على الركبتين مع ضم البطن إلى الفخذين.

هيئات الجلوس والاستلقاء والاحتباء الواردة عن النبي وأحكامها

يستعرض المقطع كيفيات الجلوس كالتشهد والقرفصاء والاستلقاء في المسجد، ويوضح حديث الاحتباء باليدين الوارد عن أبي سعيد الخدري مع بيان ضعف إسناده وتقوية الألباني له، ويذكر النهي عن الاحتباء في خطبة الجمعة لعلة النعاس.

خاتمة الدرس ودعاء بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم

يختتم المتحدث الدرس الحالي مشيراً إلى استمرار أبواب الشمائل النبوية في الدروس القادمة، ويدعو الله أن يرزق المستمعين صدق الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم والجمع به في أعلى الجنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتابه القيم النافع المفيد «شمائل النبي صلى الله عليه وسلم»: قال: «باب ما جاء في تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم». ما جاء في التقنع، والتقنع يا إخوان هو وضع القناع على الرأس، وضع القناع على الرأس، والمراد به تغطية الرأس بقطعة من القماش أو نحوها، يضع غطاء على رأسه، على رأسه. وهذا يحتاج إليه غالباً عند أن يدهن الإنسان شعر رأسه إما بزيت أو بطيب كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، أو بغيرهما، وذلك لتقي هذه القفعة من القماش وغيره تقي الملابس وتحميها من الزيت الذي يوضع على الرأس، من الزيت الذي يوضع على الرأس. وهنا أورد في هذا باب حديثاً واحداً، حديثاً واحداً، فقال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الربيع بن صبيح، عن يزيد، عن يزيد بن أبان، ويزيد بن أبان ها هنا هو الرقاشي ضعيف، قال: عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر القناع، أي يكثر من لبس القناع على رأسه، قال: «كأن ثوبه ثوب زيات». كأن ثوبه ثوب زيات، وثوب الزيات يا إخوان ما صفته؟ الذي يعمل في الزيت، ما صفة ثوبه غالباً؟ ماذا تكثر عليه؟ رقع الزيت، رقع الزيت. وهذا الحديث يا إخوان لا يصح، وقد مر معنا الكلام عنه في أبواب سابقة، مر معنا في «باب ما جاء في ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم»، باب ما جاء في ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرنا هناك أن الحديث لا يصح، فهو من طريق الربيع بن صبيح، الربيع بن صبيح، وهذا قال فيه الحافظ ابن حجر كما في التقريب: «صدوق سيئ الحفظ»، صدوق سيئ الحفظ. قال ابن حبان: كان عابداً ولم يكن الحديث من صناعته، فوقع في حديثه المناكير من حيث لا يشعر، من حيث لا يشعر. وهكذا أيضاً فيه يزيد بن أبان وهو الرقاشي، وهو ضعيف، ولهذا ضعفه غير واحد من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وهكذا جاءت مجموعة من الأحاديث في هذا المعنى، كحديث سهل بن سعد: قال: كان، أي النبي صلى الله عليه وسلم، كان يكثر القناع، أي يلبس القناع على رأسه، قال: كان يكثر القناع ويكثر دهن رأسه ويسرح لحيته بالماء. وهذا الحديث لا يصح، أخرجه البيهقي كما في الشعب، أي شعب الإيمان، وفيه بشر بن مبشر، قال الذهبي رحمه الله تعالى في الضعف: قال فيه مجهول. وهكذا فيه محمد بن هارون، قال فيه الدارقطني رحمه الله: ليس بالقوي. وقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة». لكن يا إخوان يغني عن هذا، يغني عن هذا، ما جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ما جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الهجرة النبوية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في وقت الظهيرة. قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: «بينا نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً، متغطياً». متقنعاً أي مغطياً رأسه، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، يعني أفديه بأبي وأمي، والله ما جاء به هذه الساعة إلا أمر، إلا أمر، ما هو هذا الأمر؟ الهجرة، وأنه قد أذن له أن يهاجر، وأن أبا بكر الصديق هو صاحبه ورفيقه في هذه الرحلة، في هذه الرحلة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في «زاد المعاد»: قال: إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم تلك الساعة، أي في رحلة الهجرة، قال: ليختفي بذلك، ليختفي بذلك، أي لكي لا يعرفه أحد، وليس من أجل الزيت أو الطيب الذي في رأسه، وإنما من باب أنه يختفي فلا يعرف، فلا يعرف. قال: ففعله للحاجة، فعله للحاجة، ولم تكن عادته التقنع، لم تكن عادته أنه يتقنع من باب ماذا؟ من باب أن لا يتسخ ثوبه بسبب الزيت أو الطيب أو غيره. وحديث أنس الذي أورده الترمذي في الباب هو ضعيف إسناداً، وهكذا منكر متناً، قال: «كأن ثوبه ثوب زيات»، كأن ثوبه ثوب زيات. الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن هذا، وكان يأمر به النظافة، ويأمر به ما فيه جمال، وبعد عن هذه الأشياء، بعد عن هذه الأشياء. قال رحمه الله تعالى: قال: «باب ما جاء في جلسة رسول الله صلى الله عليه وسلم». باب ما جاء في جلسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله «جلسة» بكسر الجيم، المراد به الهيئة، كيف كانت هيئته إذا جلس، إذا جلس. والترمذي رحمه الله تعالى أراد بهذه الترجمة أن يبين كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس، وذكر في هذا الباب ثلاثة أحاديث. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عفان بن مسلم، وهو الصفار، وكلاهما إمام، قال: حدثنا عبد الله بن حسان، عبد الله بن حسان، قال: عن جدتيه، عن جدتيه، وسبق معنا الإشارة إلى هذا الحديث وهذا الإسناد، قال: عن قيلة بنت مخرمة، عن قيلة بنت مخرمة. وهذا الحديث يا إخوان في إسناده ضعف، في إسناده كلام، إلا أن من أهل العلم من حسنه بشواهده، من حسنه بشواهده، وقد رواه الترمذي وغيره، وحسنه جماعة من أهل العلم، حسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «صحيح وضعيف الترمذي». قال: عن قيلة بنت مخرمة، وقيلة بنت مخرمة هذا حديثها طويل في قصة إسلامها رضي الله تعالى عنها، ذكر الترمذي رحمه الله الشاهد منه، قال: أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو قاعد القرفص، وهو قاعد القرفص. قالت: «فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشعة في الجلسة أرعدت من الفرق». لما رأت النبي صلى الله عليه وسلم أصابتها رعدة، ما هي الرعدة؟ أصابتها رعدة، ما هي الرعدة يا أبا مريم؟ أصابتها رعدة، ما هي الرعدة؟ أي ماذا هذا؟ ماذا يسمى يا عمر؟ خوف، طيب، خوف. وهذا الخوف أدى إلى ماذا يا أبا محمد؟ آه نعم، ارتعاش شديد في البدن، ارتعاش شديد في البدن، اضطراب البدن يضطرب، فهذا يسمى رعدة. قالت: «من الفرق»، والفرق هو الخوف والفزع الذي عليها من ماذا؟ من هيبة النبي صلى الله عليه وسلم. كان النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا في الأبواب الأولى: كل من رآه هابه، كل من رآه هابه. وهنا تذكر أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو قاعد، وصفة هذا القعود هو القرفص، هو القرفص. وذكر العلماء في صفة هذا الجلوس ذكروا هيئتين: الهيئة الأولى هي هيئة الاحتباء، هي هيئة الاحتباء. كيف الاحتباء؟ الاحتباء أن يجلس على إليتيه، على مقعدته، وناصباً رجليه، ناصباً رجليه، ويضم فخديه إلى بطنه، ويشدهما، ويشدهما بيديه، ويشدهما بيديه. كيف هذه الهيئة؟ كهذه الهيئة، ابقَ كما أنت، لا كما أنت، يجلس على إليته وينصب ساقيه، ويأتي ويأتي بيديه ويضعهما على ساقيه، على ساقيه، هذا يسمى، يسمى احتباء. ففسرت القرفصة في هذا الحديث بالاحتباء، بالاحتباء. وفسرت، وفسرت كذلك أيضاً بهيئة أخرى، قالوا: أن يجلس معتمداً على ركبتيه، أن يجلس معتمداً على ركبتيه، أو على رجليه، ويجمع ركبتيه كجلسة التشهد، جلسة التشهد، جلسة التشهد معروفة، وماذا يفعل؟ قالوا: ويضم بطنه إلى فخذيه، يضم بطنه إلى فخذيه، إلى فخذيه. ويضع النبي صلى الله عليه وسلم، يضع يديه تحت إبطيه، أين الإبطان؟ هذان إبطان، يضع يديه تحت إبطيه، ويضم بطنه إلى فخذيه. من يفعلها يا أبا الفاروق؟ أنت بارز، أيوة، كهيئة التشهد، ثم يضع يديه على إبطيه، ويلصق بطنه على فخذيه، عادك ما ألصقت شيئاً، ألصق بطنك على فخذيك، انخفض، هكذا، هكذا يجلس، كهيئة التشهد، ويضع يديه على إبطيه، ويلصق بطنه بفخذيه. هذا هيئة أخرى فسرت بها ماذا؟ فسرت بها جلسة القرفصة، جلسة القرفصة. وهذه يفعلها الإنسان أحياناً، وهكذا الاحتباء، طلباً للراحة، إذا أراد الإنسان أن يرتاح من تعب أو عانى من وجع، فيحتاج أن يفعل ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وغير واحد، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى. هذا الحديث يا إخوان أصله في الصحيحين، البخاري ومسلم، وقوله هنا: «عن عمه»، وعمه هنا، عمه هنا هو عبد الله بن زيد. طيب، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستلقياً، ما هو الاستلقاء؟ الاستلقاء هو ماذا؟ هو أن ينام الإنسان على قفاه، ينام على قفاه، هذا يسمى مستلقياً. «صلي قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فمضجعاً» في رواية، أو مستلقياً، أو مستلقياً. قال: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى. هذا يحتمل أن تكون الرجلان ممدودتين، وقد وضع إحداهما على الأخرى، وهذا يا إخوان يفعلها الإنسان غالباً إذا كان منفرداً، إذا كان منفرداً، أو كان عنده أشخاص لكنهم قلائل، أما إذا كان بحضرة المجاميع من الناس فهذا غالباً لا يصنعه الإنسان. وختم هذا الباب فقال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم المدني، قال: حدثنا إسحاق بن محمد الأنصاري، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده أبي سعيد الخدري. ما اسم أبي سعيد الخدري يا حذيفة؟ ما اسم أبي سعيد الخدري؟ سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه، وهو من الأنصار. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد احتبى بيديه، إذا جلس في المسجد احتبى بيديه. وهذا الحديث أخرجه الترمذي ها هنا، وهكذا أخرجه أبو داود والبيهقي وغيرهم، وإسناده فيه ضعف، إسناده فيه ضعف، فعبد الله بن إبراهيم المدني هذا قال فيه غير واحد من أهل العلم أنه متروك، بل نسبه ابن حبان إلى وضع الحديث. وهكذا إسحاق بن محمد الأنصاري مجهول، وهكذا ربيح مختلف فيه، وقد تكلم فيه البخاري وأحمد وأبو زرعة وابن عدي وغيرهم، الحافظ في التقريب قال عنه: مقبول، أي متابع، وإلا فحديثه غير مقبول، حديثه لين. وهناك شواهد، وهناك طرق، ولهذا العلامة الألباني رحمه الله تعالى ذهب إلى تقوية هذا الحديث، لكن يغني عنه ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر، قال ابن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة محتبياً بيديه، هكذا. كيف الاحتباء باليدين؟ يضع يديه على ساقيه، على ساقيه. والعرب يا إخوان كانت تحب الاحتباء، إما أن يحتبي بيديه، أو يحتبي بعمامته أو خرقة، يلفها على ظهره ويربطها بين ساقيه. وهذا يا إخوان الحبوة، الاحتباء، كانوا يسمونها حيطان العرب، ويفعلها الإنسان طلباً لراحة الظهر، إذا احتبى يشعر براحة، فلا يحتاج أن يستند ويعتمد على جدار، بالحبوة وعملية الاحتباء يستغني عن الاستناد إلى الجدار، ويشعر بمزيد من الراحة، ولا سيما إذا طال المجلس، إذا طال المجلس، أو كان يعاني الشخص من ألم أو وجع في ظهره. فهذه بعض الجلسات التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم: القرفص، وهكذا لربما استلقى على ظهره في المسجد، ووضع قدمه على الأخرى، وهكذا كان لربما في المسجد يجلس ويحتبي بيديه. أما الاحتباء في خطبة الجمعة فقد جاء عند أصحاب السنن أن نهي عنه، نهى عن أن يحتبي الرجل يوم الجمعة، يعني أثناء الخطبة، هذا حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، كان شيخنا الوادعي يرجح ضعف الحديث، لكن العلامة الألباني يرى صحة الحديث، وأن الاحتباء أثناء الخطبة يسبب ماذا يا أبا عبد الرحمن؟ ماذا يسبب الاحتباء أثناء الخطبة؟ يسبب ماذا؟ النوم، أحسنت، يسبب النوم، فلذلك نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. فنكتفي بهذا، ويأتي معنا إن شاء الله تعالى أبواب أخر تتعلق بشمائل نبينا وحبيبنا وشفيعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أسأل المولى عز وجل أن يرزقنا صدق الاقتداء والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يجمعنا به في أعلى الجنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.