الدرس في التعليق على كشف الشبهات 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش جواز الاستغاثة بالمخلوق إذا كان حيًا وحاضرًا وقادرًا، وحرمتها إذا كان ميتًا أو غائبًا أو غير قادر، ويُوضح أن إعطاء المخلوق خصائص الربوبية شرك بالله.
يُبيّن أن الاستغاثة بالأحياء فيما يقدرون عليه جائزة، بينما استغاثة الأموات أو الأحياء فيما لا يقدرون عليه شرك بالله، ويستثني الاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة.
يناقش عدم جواز طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته، ويذكر إنكار السلف على من يدعو عند قبره، ويُبرز جواز طلب الدعاء من الأحياء.
يضرب مثالًا لرجل غني وآخر فقير لبيان بطلان استغاثة العبادة والشرك، ويشير إلى الصبر على الرزق من الله كبديل عن الاستغاثة غير المشروعة.
الحمد لله، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: قالوا لهم شبهة أخرى، وهو ما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا. قال: والجواب أن تقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ﴾. وكما هو معلوم أن الاستغاثة الجائزة هي التي تكون بالحي الحاضر القادر على هذا الشيء الذي يستغاث به، كرجل غريق وجد أناسًا مارين من عنده في بحر أو نحوه، فاستغاث بهم، فهذه الاستغاثة جائزة. فلابد أن تكون هذه الاستغاثة في حي، فإذا كان ميتًا فإنها لا تجوز، بل هي من الشرك؛ لأن الميت لا يستطيع ولا يقدر على إغاثة غيره. وكذلك أيضًا أن يكون حاضرًا، أما لو كان حيًا وهو غائب، فهذا من إعطائه من خصائص الربوبية، وأنه يسمع من كل مكان وفي أي مكان، فهذه خاصية من خصائص الربوبية لله جل وعلا. فمعنى ذلك أن هذا المخلوق أعطي خاصية من خصائص الرب جل وعلا، وهو أنه يسمع في كل مكان ومن كل مكان، وهذا شرك بالله في الربوبية، وهذا أخطر. الأمر الثالث: أن يكون قادرًا، فإذا لم يكن قادرًا فإنها استغاثة شركية، خاصة إذا كان لا يقدر على هذا العمل إلا الله، ليس قادرًا، أي أنه يدخل في قدرة العبد، فإن كان لا يدخل في قدرة العبد فإنه يعتبر من الشرك بالله. لو استغاث مثلًا بحي حاضر، لكن استغاث به على شيء ليس مما يدخل في قدرة العبد، ليس مما يقدر عليه، النساء مثلًا استغاث به على أن يأتي له بابنه الذي مات، فيقول: يا فلان أو يا سيد، وهو حاضر عنده، أو أنه مثلًا جاءه ويستنجد به وفي كرب، وأنه يريد منه أن يغيثه بإرجاع ابنه، فهذا يعتبر شركًا بالله. لماذا؟ لأنه طلب منه ما لا يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى، ومعنى ذلك أنه يعتقد أنه له خصوصية من خصوصيات الله جل وعلا التي اختص بها ربنا سبحانه وتعالى، وهو إعادة الأموات. فإذا اعتقد إنسان أن هناك من يعيد الأموات من دون الله عز وجل، فقد أشرك بالله جل وعلا، فالذين يعتقدون أن أولياءهم يحيون الموتى فهذا شرك بالله، وهذا شرك بالله، واعتقاد في غير الله جل وعلا. وأما قول عيسى عليه السلام وإحياء الموتى، فهذا شيء من الله أعطاه الله عز وجل هذه القدرة بأن يحيي الموتى، فهذه الشبهة التي ذكروها. أنهم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يستغيثون بنوح، فيقول نوح: نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم، فيذهبون إلى إبراهيم، فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى، فيذهبون إلى موسى، يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى، حتى يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رحمه الله: سبحان الله، من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، المخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه لا ننكرها. ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله. إذا أثبت ذلك، فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، فهذا شيء يستطيعونه وهم أحياء أمامهم، وكذلك أيضًا حاضرون، فهذا استغاثة جائزة. قالوا: هذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك، فتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسألونه ذلك في حياته. وأما بعد موته، فحاشا وكل، أنهم سألوه ذلك عند قبره، لم يأت ذلك أبدًا عن أحد من الصحابة، وما جاء عن بلال المزني أنه جاء وتمرق عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فهو حديث باطل لا يصح، وحديث منكر. ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وسأله شيئًا أو طلب منه شيئًا. قال: بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعاء نفسه بأبي هو وأمه، أنا ممن أنكر ذلك الحسن بن محمد بن علي، أو الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكذلك أيضًا ابن عمه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو زين العابدين، أنكروا على من يأتي للقبر ويدعو عند القبر، ولم يدع القبر، وإنما دعا عند القبر، فأنكروا عليه. قالوا لهم شبهة أخرى، وهي قصة إبراهيم لما ألقي في النار، اعترض له جبريل في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ قال إبراهيم: أما إليك فلا. قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم. وأما أيضًا، وهذا مما علم ثبوته، يعني ظاهر أنه لم يثبت، وإن ثبت فهو جائز؛ لأنه حي يكلم، وحي الملك حي وحاضر، وهو يأتي للأنبياء، فليس هو ميتًا أو غائبًا حتى يقال: إن هذا شرك. قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم. فالجواب أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله فيه: ﴿ شديد القوى ﴾، فلو أذن الله أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق والمغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل. قال: وهذا كرجل غني له مال كثير، يرى رجلًا محتاجًا، فيعرض عليه أن يقرضه، أن الرجل غني عنده مال، يأتي إلى رجل فقير، فيقول له: هل تريد مالًا أقرضك أو أهبه؟ يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل محتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق من غيره، لأحد. فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟ فهذا إن شاء الله تعالى الشبهة الأخيرة التي ذكرها الشيخ، إن شاء الله تعالى أن نكون في درس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.