عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب

عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب

المحاضرة بعنوان عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الثالثة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 8 ذو القعدة 1446هـ الموافق 6 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب وأهمية صلاحهم

يبرز المقطع مكانة الشباب كحماة للعقيدة ويحذر من عواقب فسادهم على المجتمع، مستعرضاً حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه كنموذج لعناية النبي صلى الله عليه وسلم بهم. ويؤكد أن صلاح الشباب هو أساس بناء الأمة واستقرارها.

المنهج النبوي في تربية الشباب وتمكينهم

يعرض المقطع دورة علمية مكثفة لعشرين يوماً لشباب الصحابة كمالك بن الحويرث، عادوا بعدها معلمين وأئمة، كما يروي موقف النبي ﷺ مع شاب استأذن في الزنا فاستحيا بعد تذكيره بحرمة أعراض قريباته. ويشير إلى أهمية استثمار طاقات الشباب بالعلم النافع والعمل المنتج لتحصينهم من الفتن.

دعاء ختامي وشكر

يختتم المتحدث بالدعاء لله أن يصلح أحوال المسلمين وشبابهم، ويطهر قلوبهم ويحفظ فروجهم ويغفر ذنوبهم، ثم يصلي على النبي محمد ﷺ. ويختم بالحمد والشكر على ما تيسر من العلم والنصح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، حديثي معكم في هذا المجلس الذي أسأل من الله عز وجل أن يجعله علينا مباركاً، وأن ينفعنا فيه بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا جميعاً ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، حول موضوع هام جداً، ألا وهو: عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب. كم يا إخوان كان نبينا صلى الله عليه وسلم يهتم بأمر الأمة، بأمر الجميع: الكبار والصغار، والرجال والنساء، لكن كان عليه الصلاة والسلام يولي شريحة الشباب عناية أكثر واهتماماً أعظم. الشباب لهم مكانة عظيمة، فالشباب هم حماة العرين، هم الأسود الذين يدفعون عن الأمة الشرور، الشباب هم حراس العقيدة، الشباب هم الذين يدافعون عن الأعراض وعن الأرواح وعن الأموال، هم العيون الساهرة. الشباب فوائدهم عظيمة ومكانتهم جليلة، لكن متى؟ إذا صلح الشباب كانوا قرة عين لأهاليهم وقرة عين لمجتمعاتهم وأممهم، كانوا سبباً للمجد وسبباً للسيادة والريادة، وهكذا للعز والتمكين. لكن المصيبة العظمى إذا فسد الشباب، هنا تخسر الأمة جوانب عظيمة، وهكذا تخسر أفراداً لهم مكانة جليلة. يصبح الشباب إذا فسدت عقائدهم، الشباب إذا فسدت مناهجهم، الشباب إذا فسدت أخلاقهم وقيمهم، يصبحون معاول هدم، يهدمون ولا يبنون، ويفسدون ولا يصلحون. هذا إذا فسد الشباب: هم الذين يدعون إلى الإلحاد، الإلحاد، من الذي يدعو اليوم إلى الإلحاد؟ الذين فسدوا من الشباب. يطعن في الإسلام ويشكك في بعض الثوابت والقواعد العظيمة من ديننا، يدعونا إلى علمانية وليبرالية وحداثة وغيرها من المناهج المستوردة. شباب إذا فسدوا عندها يفجرون، وعندها يلغمون. شباب إذا فسدوا يحملون الأسلحة ويصوبونها إلى نحر الأمة. شباب إذا فسدوا يشكلون عصابات بالليل ويصطون على المحلات والمؤسسات والشركات وغيرها. الشباب إذا فسدوا يتتبعون الفتيات ويغازلون البنات والنساء، إما مباشرة وإما عبر الجوالات. هذا إذا فسد الشباب. ولهذا يا إخوان يجب العناية بهم، ولهذا موضوعنا حول عناية النبي صلى الله عليه وسلم بهم، فهو القدوة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. من نماذج وأمثلة عناية النبي صلى الله عليه وسلم بيئة الشباب ما جاء في حديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، قال جندب: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة». وحزاورة: أي الشباب، أول ما يقوى أحدهم. هنا يا إخوان مفترق الطرق، سن الخامسة عشر وما بعدها من أحرج المراحل العمرية التي يمر بها الشباب. هنا تتخطفهم الأهواء، هنا يتجاذبهم أهل الشر، أهل الشر أصحاب المناهج المستوردة، أصحاب المخدرات والمسكرات، ذئاب البشر، الكل يتجاذب الشباب، والشاب في هذا السن يكون عنده حب المغامرة ومحبة الاندفاع إلى الشيء. قال: «فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا بِالْقُرْآنِ إِيمَانًا». تربية نبوية لشباب الأمة. من هذه النماذج ما جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه. مالك بن الحويرث شاب من شباب الصحابة، قال: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَابٌ مُتَقَارِبُونَ» أي في السن، «فَبَقِينَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَرَأَى أَنْ قَدْ اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِينَا». لاحظوا: عشرين يوماً وليلة، يعني بمثابة دورة علمية صيفية. «فَقَالَ لَهُمْ: أَظُنُّكُمْ قَدِ اشْتَقْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ». قال مالك: «وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا». أكذا ينبغي أن يكون المعلمون؟ رفقاً رحمة بالشباب والطلاب. فقال عليه الصلاة والسلام لهم: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». لاحظ: يأتي الشاب إلى دور علمية فيستغلها استغلالاً ويستثمرها استثماراً، ليس لعباً ولا مضيعاً ومهدراً للأوقات الثمينة، وإنما جاداً مجتهداً، فيرجع إلى بلده بغير الصورة التي أتى بها، يرجع قدوة حسنة ويرجع نموذجاً طيباً في البيت، محترم لوالديه ومهتماً بإخوانه وأخواته، يرجع لربما يفتح حلقة في البيت، حلقة قرآن أو حلقة يعلم فيها ما تعلمه في هذه الدورة الصيفية، يرجع إلى مسجده لربما يرجع مؤذناً، لربما يرجع إماماً مدرساً خطيباً واعظاً. انظر كيف ينتفع الشباب لربما بفترات وجيزة وبأيام قليلة. قال: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ»، قال: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». ما أجمل يا إخوان المسجد، وهكذا البلدة التي يكون فيها من طلاب العلم من فيها. «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»: هذا إذا تساووا في القرآن وفي السنة، فيتقدم الأكبر سناً. من أمثلة ونماذج عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب ما جاء في حديث أبي أمامة، أن شاباً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وحوله أصحابه، فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا يُرِيدُ؟» قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي الزِّنَا». شاب يا إخوان، عنده ما عند الشباب من غريزة ومن شهوة، لكن لا يريد أن يغضب الله، أن يقع في الحرام، ممكن رخصة في الزنا: «ائْذَنْ لِي فِي الزِّنَا». هذه حالة تحتاج إلى علاج، وكم هي يا إخوان موجودة لدى الكثير من شبابنا، وهم يحتاجون إلى من يعالجهم. الصحابة جعلوا يصمتونه: «إيش الكلام هذا؟ تريد رخصة في الزنا؟» لكن النبي صلى الله عليه وسلم كما وصفه ربه بالمؤمنين رؤوف رحيم، قال: «أَدْنِهِ»، لا تبقى بعيد، تعال هنا، قرب. «أَدْنِهِ»، فلا زال الشاب يقترب حتى جلس بين يدي النبي، النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا بدأ العلاج، فوجه له أول سؤال، قال له: «أَتَرْضَاهُ لِأُمِّكَ؟» تريد تزني؟ ترضى أنت أن يقال: أمك، بارك الله بها، فلان من الناس... ترضى؟ «أَتَرْضَاهُ لِأُمِّكَ؟» صاح الشاب منفعلاً، قال: «لَا، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ». قال: «فَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يَرْضَوْنَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، أَتَرْضَاهُ لِابْنَتِكَ؟» قال: «لَا، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ». قال: «فَكَذَلِكَ النَّاسُ لَا يَرْضَوْنَهُ لِبَنَاتِهِمْ، أَتَرْضَاهُ لِأُخْتِكَ؟» انظر، والشاب يتفاعل، والغريزة تهدأ، والشهوة تهدأ في نفسه، والنبي صلى الله عليه وسلم يعدد له أعز الناس إلى قلبه: «أَتَرْضَاهُ لِعَمَّتِكَ؟ أَتَرْضَاهُ لِخَالَتِكَ؟» ومعنى هذا أن هذه المرأة التي تطلب رخصة أن تزني بها، أو ما تعلم أنها قد تكون أماً لها أبناء، تدري ما مكانة الأم في قلوب أبنائها؟ لما يسمع الأبناء أن أمهم قد زني بها فلان أو علان، كيف حالتهم؟ هذه المرأة قد تكون بنتاً، تدري ما مكانة البنت في قلبي وفؤادي أبيها، لها: «بَاطِنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ظَاهِرِهَا»، ولا يقال: يا فلان قد انتهك عرض ابنتك. هذه قد يكون لها إخوة، قد يكون لها أرحام وأقارب. وعندها يا إخوان دعا النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب بثلاث دعوات، هذه الثلاث الدعوات حري بنا معاشر الآباء، ومعاشر المعلمين، ومعاشر المربين أن ندعو بها لشبابنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب داعياً الله عز وجل: «اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ». انظر إلى طهارة القلب وأهميته في صلاح الشباب: «اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ». من منا اليوم يا إخوان يدعو لولده قبل أن يدعو لغيره من شباب الأمة؟ أين المعلم والمدرس الذي يدعو لتلاميذه وطلابه بهذه الدعوات؟ قد يقوم الليل ويدعو لهم، قد يختار السجود لكي يخصهم بالدعاء. تدرون يا إخوان ما هي النتيجة؟ خرج الشاب بعدها وهو لا يلتفت إلى شيء من ذلك. أخيراً، النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على أن يستغل الشباب استغلالاً صحيحاً، فتملأ أوقات فراغهم، لا يترك الشاب فارغاً، إما أن يشغل بعلم وتعليم، علم وتعليم هذا هو في الدرجة الأولى. لكن ليس كل الشباب يا إخوان يصلح للعلم والتعليم، بعض الناس يريد الشاب لا بد أن يكون طالب علم، ليس بيدك ولا بيدي. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. طيب، ما عنده همة في العلم والتعليم، لا يترك فارغاً، وإنما يشغل بماذا؟ يشغل بعمل، بحرفة، بوظيفة. وليس معنى شغله بالعمل أن ينشغل عن القرآن وعن تعلم العلم الضروري الواجب، العلم الضروري الواجب. فقد يشتغل صياداً، مزارعاً، نجاراً، بقالاً، إلى غيرها، ليس عيباً يا إخوان، العيب أن يبقى الشاب عاطلاً فارغاً، ينام النهار ويسهر الليل، هذا هو العيب وهذا هو الخطأ، أن يبقى الشاب عالة على والده، شاب ويأخذ مصروفه من والده وهو ليس منشغلاً لا بعلم ولا بتعليم ولا بمهنة ولا بحرفة. أيها الأحبة في الله، هذا الموضوع من الأهمية بمكان أن نعتني بشبابنا وشباب الأمة، لا سيما مع وجود الفتن، ومع وجود كذلك الشهوات والشبهات، وسهام الأعداء قد صوبت إلى نحور شبابنا وشباب الأمة، فكان من الواجب علينا أن نسعى ونحرص ونجد في إصلاحهم. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يصلح شبابنا وشباب المسلمين، وأن يطهر قلوبهم، وأن يحصن فروجهم، وأن يغفر ذنوبهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. شكراً