الدنيا فرص والآخرة غصص

الدنيا فرص والآخرة غصص

الخطبة بعنوان الدنيا فرص والآخرة غصص، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 15 شوال 1447هـ الموافق 3 أبريل 2026م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

اغتنام فرص الدنيا للنجاة من أهوال الآخرة

يؤكد الخطيب على أن الدنيا مليئة بالفرص للعبادة والعمل الصالح، وأن اغتنامها ينجي من غصص يوم القيامة مستدلاً بآيات وأحاديث في فضل تفريج كربات المؤمنين. ويضرب أمثلة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في اغتنام الفرص لدعوة الناس كما فعل مع الغلام اليهودي وأبي طالب.

أهمية اغتنام الفرص واستغلالها في الإسلام

تناول الخطبة حث القرآن والسنة على المسارعة إلى الخيرات واستغلال النعم ك الصحة والفراغ، وضربت مثل العجوز من بني إسرائيل التي اغتنمت فرصة دلالة موسى على قبر يوسف فنالت الجنة. وحذرت من إضاعة الفرص التي قد لا تتكرر مرة أخرى.

اغتنام الفرص وتجنب التفريط في العمر

يسرد الخطيب قصة الأنصار الذين آثروا دعاء النبي ﷺ بالمغفرة على طلب ينابيع الماء مظهرين حسن استغلال الفرصة الروحية. ثم يحذر من إضاعة نعم العمر والصحة والشباب داعياً المسلمين إلى اغتنام كل لحظة في طاعة الله قبل فوات الأوان.

دعاء لولاية خيار الأمة وإبعاد شرارها

يدعو المصلي الله أن يولي عليهم خيارهم ويصرف عنهم شرارهم، وأن يجعل ولايتهم فيمن خاف الله واتقاه واتبع رضاه. ويختتم الخطبة بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر المسلمين، مما ينبغي أن نعلمه جميعًا أن الله تبارك وتعالى خلق هذه الدنيا وجعلها مليئة بالفرص، وخلق الآخرة وجعلها مليئة بالغصص؛ الدنيا فرص، والآخرة فيها غصص. فمن استغل واغتنم فرص هذه الدنيا كان ذلك سببًا لسلامته ونجاته من غصص يوم القيامة. قال ربنا عز وجل عن عباده المؤمنين وأوليائه المتقين: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾. قال الله عز وجل: ﴿ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ﴾. وقال ربنا عز وجل عن أهل الجنة وهم يكرمون وينعمون، قال سبحانه: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾. جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ». فلا إله إلا الله، ما أيسر العمل وما أعظم الثواب والأجر. «وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». كان نبينا صلى الله عليه وسلم من أعظم الناس اغتنامًا للفرص واستغلالًا لها، وكان يعلم أصحابه وأمته ذلك. في الصحيحين من حديث أنس: لما مرض ذلكم الغلام اليهودي، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم لعيادته، فوقف عند رأسه فقال: «يَا غُلَامُ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». قال: فنظر الغلام إلى أبيه كأنه يستشيره، فقال له أبوه: «أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ» صلى الله عليه وسلم. فتشهد الغلام اليهودي لشهادة الإسلام، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ». وفي البخاري من حديث المسيب بن حزم رضي الله تعالى عنه قال: لما حضرت الوفاة أبا طالب، جاءه النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية، فجلس عند رأسه فقال له: «يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةٌ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ». فقال جليسا السوء لأبي طالب: «أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟» فما زال يعيدها ويعيدانها عليه حتى كان آخر ما قاله أبو طالب قبل أن تفارق روحه جسده: «هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» يعني على عبادة الأصنام، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. الحديث. أيها المسلمون، عباد الله، ربنا تبارك وتعالى أمرنا باغتنام الفرص واستغلالها. قال ربنا عز وجل: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾. وقال سبحانه: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾. ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴾ أي في الدنيا إلى الطاعات والأعمال الصالحات. ﴿ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ أي في الآخرة في الجنة ونيل الدرجات العالية. قال عز وجل عن أنبيائه ورسله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾. وقال: ﴿ وَكَانُوا لَنَا سَابِقِينَ ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». وفي مستدرك الحاكم من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظ رجلًا فقال له: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ». هذه فرص، ما أعظم وما أجل اغتنام الفرص واستغلالها! فإن ذلك من التوفيق، وذلك من الفضل الذي يوفق الله له من شاء من خلقه وعبيده. وما أسوأ وما أقبح إهدار الفرص وإضاعتها! الفرص إذا ضيعت قد لا تتكرر، وقل ما تعود. ولهذا، كما سمعتم، كان نبينا وحبيبنا صلوات ربنا وسلامه عليه وعلى آله يعلم أمته وأصحابه اغتنام الفرص واستغلالها. ومن ذلكم ما جاء عند أبي داود والحاكم، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان أعرابي يكرم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَتَيْتَ الْمَدِينَةَ فَأْتِنَا». فأتى الأعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عليه الصلاة والسلام: «سَلْ يَا أَعْرَابِيُّ، سَلْ يَا أَعْرَابِيُّ». أذه فرصة، وما أعظمها من فرصة! فقال الأعرابي: «نَاقَةٌ» وفي رواية: «بَعِيرٌ أَرْكَبُهُ وَأَعْنُزٌ يَحْلِبُهَا أَهْلِي». انظر إلى إضاعة الفرص وإهدارها! قال: «بَعِيرٌ أَرْكَبُهُ وَأَعْنُزٌ» يعني شياهًا يحلبها أهلي. هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَعَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟» قال: «وَمَا عَجُوزُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟» قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا خَرَجَ بَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ، أَيْ مُتَجِّهًا إِلَى أَرْضِ الشَّامِ، إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، دَخَلَ فِي التِّيهِ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ مُوسَى لِأَصْحَابِهِ: مَا هَذَا؟ قَالَ عُلَمَاؤُهُمْ: إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَخَذَ عَلَيْنَا الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ مِصْرَ أَنْ نَحْمِلَ مَعَنَا عِظَامَهُ، يَعْنِي نَحْمِلَ مَعَنَا جَسَدَهُ. قَالَ مُوسَى: وَمَنْ يَدُلُّنَا عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ؟ قَالُوا: عَجُوزٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَأَمَرَ بِهَا فَأُتِّيَ بِهَا. قَالَ لَهَا: أَيْنَ قَبْرُ يُوسُفَ؟ قَالَتْ: لَا أُدُلُّكَ عَلَيْهِ حَتَّى تُعْطِيَنِي حَقِّي، أَيْ حَتَّى تَنْزِلَ عَلَى شَرْطِي. قَالَ: وَمَا حَقُّكِ؟ قَالَتْ: أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ». انظر إلى اغتنام الفرص واستغلالها! قالت: «حَتَّى أَكُونَ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ». فَكَأَنَّ مُوسَى اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى أَنْ أَعْطِهَا حَقَّهَا. قَالَ لَهَا: أَيْنَ قَبْرُ يُوسُفَ؟ فَأَتَتْ بِهِمْ عَلَى مِثْلِ الْبُحَيْرَةِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَتْ: انْضِبُوا الْمَاءَ، فَنَضَبُوهُ. قَالَتْ: احْفِرُوا هُنَا. فَلَمَّا حَفَرُوا إِذَا بِجَسَدِ يُوسُفَ. فَلَمَّا احْتَمَلُوهُ بَدَتْ لَهُمُ الطَّرِيقُ كَضَوْءِ النَّهَارِ. انظروا: عجوز وفقها الله عز وجل لاغتنام واستغلال هذه الفرص. أسأل المولى عز وجل أن يوفقني وإياكم جميعًا إلى اغتنام الفرص، أن يجعلنا ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير، والسراج المنير. هدى الله به من الضلالة، وبصر به من العمى. تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتبعها إلا كل منيب سالك. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، جاء في مسند أحمد، وصححه الإمامان الألباني وشيخنا الوادعي رحمة الله عليهما، من حديث أنس في قصة للأنصار: الأنصار شكوا ما يعانونه من استخراج للمياه من بطون الآبار، فقال بعضهم لبعض: «لَوْ أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَلَبْنَا مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَفْجُرَ لَنَا هَذِهِ الْجِبَالَ عُيُونًا عُيُونًا». فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَهْلًا وَمَرْحَبًا، مَا جِئْتُمْ إِلَّا لِحَاجَةٍ». قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «إِنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونَ الْيَوْمَ حَاجَةً إِلَّا أُعْطِيتُمُوهَا، وَلَا دَعَوْتُ رَبِّي بِحَاجَةٍ إِلَّا أَعْطَانِيهَا». أذه فرصة عظيمة! فنظر الأنصار بعضهم إلى بعض، فقالوا: «آهْ الدُّنْيَا تُرِيدُونَ، آهْ الدُّنْيَا تُرِيدُونَ، آهْ الدُّنْيَا تُرِيدُونَ». ثُمَّ قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْحَمَنَا وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا». انظر إلى استغلال الفرص واغتنامها! فقال عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ». بَكَى الْأَنْصَارُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ، بَكَوْا عَلَى مَا وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لَهُ مِنْ اسْتِغْلَالِ الْفُرَصِ وَاغْتِنَامِهَا. أيها المسلمون، عباد الله، تأملوا في واقعنا وما نعيشه من حياتنا. أرأيتم هذه الفرص التي يجدها المسلم في حياته، ورأيتم كيف أن منا وفينا من المضيعين، ليس القليل وإنما الكثير، إلا من رحم الله عز وجل. بالأمس القريب أطل علينا شهر الصيام والقرآن والقيام. أرأيتم كم كان منا وفينا من المهدرين للفرص، المضيعين لها؟ انظروا إلى شباب الأمة: كم من يضيع شبابه، يضيع أيامه ولياليه في قيل وقال، ودخان، وتنباك، وقات؟ كم هم ضحايا الحشيش والمخدرات من شبابنا اليوم؟ هكذا انظروا إلى الصحة التي تهدر وتضيع، أموال تنفق ولا يستفاد منها. وأعظم من هذا وذاك فرصة عظيمة، ألا وهي فرصة العمر. هذا العمر الذي نعيشه من أعظم الفرص. ولهذا، من استغل أيامه ولياليه، يقال له في ذلك اليوم العظيم: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾. ويا حسرة المضيعين والمصرفين والمهدرين لهذه الفرص! يقول أحدهم: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾. قال الله عز وجل عنهم: ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾. قال الله عنهم: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾. الجواب: ﴿ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾. ما أعظم الحسرة التي يجدها المضيعون والمفرطون والمهدرون للفرص إذا عاينوا الآجال ونزلت بهم المنايا! إذن نحن اليوم في فرصة، أنا وأنت نعيش في غمرة هذه الفرص ونعيش في بحبوحة هذه النعم. ألا فلنستغلها، ألا فلنغتنمها قبل أن يفوت الأوان، ثم يأتي الندم ولا ساعة مندم. أسأل المولى عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا جميعًا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يجعلنا ممن يسمع القول فيتبع أحسنه. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وعافي مبتلانا، واشف مريضنا، وأصلح شبابنا، وردهم إليك مردًا جميلًا. اللهم ارحم موتانا وموت المسلمين. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا كما ربونا صغارًا. اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك أعداء الدين. اللهم إنا نسألك أن تحفظ بلدنا هذا خاصًا، وسائر بلاد المسلمين عامًّا، وأن تجنبها المصائب والفتن والزلازل والمحن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم وولِّ علينا خيارنا، اللهم واصرف عنا شرارنا، اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.