الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 79، ألقاها
يناقش هذا الفصل مسألة التسمي بألفاظ مثل قاضي القضاة وملك الأملاك، ويعتبرها من الشرك الأصغر. يشرح أن إطلاق هذه الألفاظ على المخلوقين قد يكون مقبولا إذا كان مقيدا بوصف معين.
هذا الفصل يبين تحريم التسمية بأسماء الله المختصة مثل ملك الملوك وقاضي القضاء، ويوضح أقسام أسماء الله بين مختصة ومشتركة، مشيرا إلى أن هذه الأسماء لا تطلق إلا على الله تعالى.
يتناول هذا الفصل شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي الشريح، ويبين أن تغيير الاسم لاجتناب مشابهة أسماء الله تعالى واجب، ويشرح الفرق بين أسماء الله تعالى وأسماء المخلوقين.
يناقش هذا الفصل حكم من يحكم بغير ما أنزل الله، ويحذر من تسمية القضاة بالحكام لما فيه من تشريك مع الله، ويفرق بين الكفر الأصغر والأكبر في هذه الحالة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليه رحمة الله تعالى، في كتابه «قرة عيون الموحدين»: قال قوله - أي قول إمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله تعالى - في كتابه «التوحيد» الذي ﴿وحق الله على العبيد﴾، باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه. قوله رحمه الله تعالى: باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه، أي حكم أو مدخل في حكم التسمي بقاضي القضاة ونحوه، أي من الألفاظ كملك الملوك، وحاكم الحكام، وما شابه ذلك من الألفاظ التي هي بهذا المعنى، والتي هي خاصة بالله رب العالمين جل وعلا. فأولا، علاقة الباب بكتاب التوحيد، ومناسبة ذكر الشيخ رحمه الله تعالى الإمام محمد بن عبد الوهاب لهذا الباب في كتاب التوحيد، هو أن من تسمى بهذا الاسم - أي بقاضي القضاة أو ملك الأملاك أو حاكم الحكام - فقد جعل نفسه شريكاً مع الله فيما لا يستحقه إلا الله تعالى، لأنه لا أحد يستحق أن يوصف بأنه قاضي القضاة، ولا ملك الأملاك، ولا أحكم الحكام، أو ما كان في معنى هذه الألفاظ، إلا الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. فمن تسمى بهذا أو سمى به غير الله تعالى - من تسمى أو سمى به غير الله تعالى - أي وصف به غير الله تعالى، فقد وقع في شرك؛ لأنه من شرك الألفاظ، من قبيل الشرك الأصغر؛ لأن قاضي القضاة الذي يقضي بين الناس بالحق حقيقةً - بل يقضي بين الخلق بالحق - هو الله جل وعلا، فهو قاضي القضاة. ومن أطلق هذا الوصف على غير الله جل وعلا، فإنما أطلق هذا الوصف وأراد به معنى آخر - أراد به معنى آخر - وهو بمعنى أن فلانا له رتبة عالية في القضاء، أو إليه المنتهى في القضاء، أو ما شابه ذلك - أي من المخلوقين - ولم يعنوا ولم يقصدوا بذلك أن قاضي القضاء من المخلوقات بأنه قاضي القضاء حقيقةً كقضاء الله جل وعلا على جميع الخلق. لذا، كما سمعتم، كان هذا اللفظ من الألفاظ الشركية؛ لأنه لا يعنى معنى ولا يقصده معنى، فهو من ألفاظ الشرك؛ لأن هذه الألفاظ مختصة بالله رب العالمين جل وعلا، فمن أطلقها على غير الله جل وعلا، فقد وقع منه نوع شرك بالله جل وعلا، وهو من شرك الألفاظ، من الشرك الأصغر. ومن هذا أو به تظهر المناسبة من ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب في كتاب التوحيد، وهو أن التسمي بقاضي القضاء شرك أصغر مناف لكمال التوحيد. هذا أمر، الأمر الآخر، نبه أو ذكر بعض أهل العلم أنه لا بأس بأن يسمى أو أن يوصف قاضي ما بأنه قاضي القضاء، لكن مقيدا، كأن يقال: قاضي قضاة اليمن، قاضي قضاة مكة، أو قاضي قضاة الحنابلة، قاضي قضاة المالكية، وما شابه ذلك. إذا كان إطلاق قاضي القضاء مقيدا، أو إذا وصف إنسان بقاضي القضاء لكن مقيد بشيء معين كقطر ما، أو مذهب ما، أو ما شابه ذلك، ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ذلك لا بأس به، وأنه ليس من ألفاظ الشرك؛ لأن قضاء الله جل وعلا عام شامل لجميع الخلائق، وإطلاقهم مقيدا هذا يجوز في حق المخلوق، بمعنى أكبر القضاء من الحنابلة، أو من المالكية، أو من أهل اليمن، أو من أهل مكة، أو ما شابه ذلك. ومع هذا، فترك مثل هذه الألفاظ أولى؛ لما فيه من معنى الإطراء في المدح، والله تعالى أعلى وأعلم. وكذلك مما تقدم وسبق تظهر المناسبة، كذلك من إيراد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله لهذا الباب بعد الأبواب السابقة، إذ أن هذا الباب كالأبواب السابقة أيضا تدخل في عماءً من قول الله جل وعلا: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾، فهو من شرك الألفاظ، وقد تقدم معنى أنواع من شرك الألفاظ. وبالمناسبة، كذلك علاقته بالباب الذي قبله، مضى معنى في الدرس الماضي أن سبى الدهر - إما أن يكون سبى لله جل وعلا إن قصد الإنسان أو ذلك الساب الفاعل للدهر - وقد يكون شركا بالله جل وعلا إن عنى أن الدهر هو المتصرف في الكون بذاته. لكن هنا صورة مستثنى، وهي ما إذا سبى الدهر ولم يتفطن للوازم ذلك - من سبى الدهر - تضجرا وسآمة وحنقا مما حصله من بعض المصائب، ما شابه ذلك، ولم يتفطن للوازم ذلك، فما حكمه؟ هذا يكون حكمه من قبيل شرك الألفاظ؛ إذ أنه نسب بلفظه الأحداث إلى ذلك الدهر، ولو لم يعنِ ذلك اللفظ أو لم يعنِ ذلك المعنى - وأن الدهر هو المتصرف في الكون بذاته - فيكون سبه للدهر بهذا الاعتبار - دون النظر أو التأمل في لوازم ذلك اللفظ ومعانيها وما دلت عليه - يكون كذلك من شرك الألفاظ. قال رحمه الله تعالى: قوله: باب التسمي بقاضي قضاة ونحوه، قال في الصحيح عن نبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله». قال: لأن هذا اللفظ إنما يصدق على الله تعالى، فهو ملك الأملاك؛ لأنه هو الملك في الحقيقة، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، يتصرف في الملوك وغيرهم بمشيئته وإرادته، كما قال تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير﴾. وأشهد من هذا أن إطلاق هذا اللفظ على غير الله جل وعلا، أن هذا من قبيل الشرك الأصغر؛ لأن هذا اللفظ مختص بالله رب العالمين جل وعلا، فالله جل وعلا هو مالك الملوك، جل وعلا كما في الحديث: «لا مالك إلا الله». وقوله في الحديث: «لا مالك إلا الله»، أي: لا مالك حقيقة له الملك المطلق في ملكه، يتصرف فيه كيف شاء، إلا الله جل وعلا، وملوك الدنيا وإن كانوا يملكون ما يملكون، فليس لهم التصرف المطلق في مملكتهم كيف شاء، بل لا يجوز لهم أن يتصرفوا في ملكهم وممالكهم إلا فيما أذن لهم به الشرع، فيما أذن لهم به ربهم جل وعلا. ففي الحقيقة ملكهم قاصر، ملك ملوك الدنيا قاصر محصور، ليس بشامل ولا عام، بخلاف ملك الله رب العالمين جل وعلا، فإن ملكه عام شامل كامل، يتصرف في ملكه وملكه كيف شاء جل وعلا، فالملك ومملكته ملك ملك لله رب العالمين جل وعلا، الملوك وممالكهم هي في الحقيقة ملك لله رب العالمين جل وعلا. لذا، لا يجوز لهم أن يتصرفوا في ممالكهم وفي أملاكهم إلا فيما أذن لهم به ربنا جل وعلا؛ لأنه هو المالك حقيقة، وما سواه مملوك، يفعل ما أذن له به فقط، ليس له أن يتجاوز ذلك، فإن تجاوز كان عاصيا معتديا في فعله ذلك. قال رحمه الله تعالى: فلا ينبغي أن يعظم المخلوق بما يشبه ما يعظم به الخالق جل وعلا - أي من إطلاق هذه الألفاظ: ملك الملوك، قاضي القضاء، أحكم الحاكمين، أو الحكام - قال: وما كان مثل ذلك، فينهى عنه - كالذي ترجم به المصنف - لأنه لا يصدق هذا المعنى إلا على الله، فلا يصلح أن يسمى به المخلوق؛ لأن كل لفظ يقتضي التعظيم والكمال لا يكون إلا له تعالى وتقدس دون غيره. وهذا من حسن استنباط الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وصحة علمه وقوته ومتانته؛ إذ أنه بواب بباب التسمي بقاضي القضاء ونحوه، وذكر الحديث تحته، باب أو ذكر الحديث: «إن أخنع اسم عند الله أن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك»، فالحديث ملك الأملاك، وهو قال ماذا؟ قاضي القضاء، هو نحوه، فتبويب الشيخ يدل على أن هذا اللفظ وما كان في معناه، فإن حكمه واحد، الكل يشمله الحكم، يكون أخنع يكون ذلك الاسم أخنع اسم عند الله جل وعلا. قال: فلا يصلح أن يسمى به المخلوق؛ لأن كل لفظ يقتضي التعظيم والكمال لا يكون إلا له تعالى وتقدس دون غيره؛ إذ أن الكمال المطلق والتقدس المطلق له سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، وأما المخلوق فإنه ناقص قاصر، فلا يحتاج أن يمدح بألفاظ المدح الكاملة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه؛ لأنها من خصائص الرب جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قوله: قال سفيان: مثل شاه شاه عند العجم، عبارة عن ملك الأملاك، ولهذا مثل به سفيان، أي: شاه شاه معناه ملك الأملاك. قال قوله في رواية: «أغيض رجل على الله»، أغيض أو أغيض من الغيض، وهو مثل الغضب والبغض، أي: أن الغيض مثل الغضب والبغض، وبعض أهل العلم قالوا: بأن الغيض هو شدة الغضب، أن الغيض شدة الغضب والبغض. قال: فيكون بغيضا إلى الله، مغضوبا عليه، وهذه من الصفات التي تمر كما جاءت - من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل - والله أعلم بمعنى أننا نثبت لله جل وعلا هذه الصفة على الوجه اللائق بالله جل وعلا، وهي من الصفات الفعلية التي يفعلها الله جل وعلا متى شاء، كيف شاء، مع من شاء سبحانه وتعالى، كغيرها من الصفات، فنثبت ما أثبت الله جل وعلا لنفسه من الصفات، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وأخبثه»، وهو يدل أيضا على أن هذا خبيث عند الله، إذا رضي بذلك - أي إذا رضي ذلك المتسمي بذلك الاسم - قال: يتعظيم الناس له بما لا يستحقه؛ لأنه لا يستحق هذا الوصف إلا الله رب العالمين جل وعلا. قال: وعدم إنكاره وكراهته لذلك، قوله: «أخنع» يعني أوضع، وهذا المذكور يناف كمال التوحيد، أي: هذا المذكور - التسمي بملك الأملاك، بقاضي القضاء، بأحكم الحكام - وهذا المذكور يناف كمال التوحيد التي قامت عليه كلمة الإخلاص، فيكون فيه شائبة من الشرك، وإن لم يكن أكبر، فهو من قبيل شرك الألفاظ، من قبيل الشرك الأصغر. قال رحمه الله تعالى: قوله: باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك، قوله رحمه الله تعالى: باب، أي مدخل، والباب كما مر معنا مرارا يطلق على المدخل الحسي والمعنوي، وها هنا المدخل معنوي، ومعناه مدخل في حكم احترام أسماء الله تعالى، وحكم تغيير الاسم لأجل ذلك - أي لأجل تعظيم الله تعالى. ومناسبة الباب أو هذا الباب لكتاب التوحيد كذلك ظاهرة، هي من طراز ومن سياق أو من قبيل الباب الذي قبله، أي: أن تسمية المخلوق بأسماء من أسماء الله جل وعلا، أو باسم من أسماء الله جل وعلا التي هي لله جل وعلا وحده لا شريك له، أن ذلك لا يجوز، وأن إطلاق ذلك الاسم على غير الله جل وعلا، أن هذا من قبيل الشرك بالله جل وعلا. العلماء رحمهم الله تعالى يقسمون أسماء الله جل وعلا باعتبار جواز التسمي وعدمها إلى قسمين: أسماء مختصة لا يجوز أن يسمى بها غير الله جل وعلا، أسماء مختصة بالله جل وعلا لا يجوز أن يسمى بها غير الله جل وعلا - كاسمه جل وعلا: الله، والرحمن، والخالق، والباري، والقيوم، وما شابه ذلك مما فيها معنى الإخصاص لله رب العالمين جل وعلا - فمثل هذه الأسماء لا يجوز أن يسمى بها مخلوق بحال. فلا يجوز أن يسمى مخلوق بأنه الله تعالى - الله وتقدس عن ذلك - أو الرحمن، أو الخالق، أو الباري، أو ما شابه ذلك، ومن سمى غير الله جل وعلا بذلك، فقد وقع في الشرك الصريح. القسم الثاني: الأسماء المشتركة، القسم الثاني من أسماء الله جل وعلا: أسماء مشتركة، أي غير مختصة بالله جل وعلا، بمعنى أنه يجوز أن يسمى بها غير الله جل وعلا - كإسمه العزيز، وكذلك الرؤوف، والحكيم، وما شابه ذلك من الألفاظ التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق - كما قال الله جل وعلا: ﴿وقالت امرأة العزيز﴾، فسمى الله جل وعلا غيره بماذا؟ بأنه العزيز. وكذلك يسمى المخلوق بماذا؟ بالرؤوف الرحيم، قال الله جل وعلا: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف الرحيم﴾، وما شابه ذلك، فهذه أسماء مشتركة، يجوز أن يسمى بها غير الله جل وعلا. إلا أن طائفة من أهل العلم قيد هذا الإطلاق بقيد، وهذا القيد هو أنه يجوز أن يسمى غير الله جل وعلا بشيء من هذه الأسماء المشتركة - أو قل: الغير مختصة بالله جل وعلا - لكن بشرط أن لا يراعى معنى الصفة، بأن لا يراعى معنى الصفة، فإن رعي معنى الصفة فإنه لا يجوز. كأن يسمى إنسان بالحكيم - بالألف واللام - لأنه يحكم بين الناس، أو العزيز لأنه عزيز بين الناس، وما شابه ذلك، قالوا: فإن رعي في اللفظ المعنى فإنه لا يجوز؛ لأن أسماء الله جل وعلا هي الأسماء المشتقة التي تضمن الصفات، بخلاف أسماء المخلوق، فإنها إذا أطلقت عن المخلوق فإنها أسماء جامدة لا تتضمن صفات، فإن ضمنها صفات كان فيها مشابهة بأسماء الله جل وعلا، فتمنع؛ لأجل هذا المعنى، والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك، قال: عن أبي الشريح أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم»، فقال: «إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتونه فحكمت بينهم فرضي كل فريق»، فقال: «ما أحسن هذا»، فما لك من الولد؟ قال: «قلت: شريح ومسلم وعبد الله»، قال: «فمن أكبرهم؟» قال: «شريح»، قال: «فأنت أبو شريح». الشاهد من هذا: أن الرجل رضي الله عنه وأرضاه كان يكنى بأبي الحكم، يكنى بأبي الحكم؛ لماذا؟ للمعنى أنه كان يحكم بين الناس فيرضى الناس بحكمه، فغير النبي صلى الله عليه وسلم الحكم، يجوز أن يسمى غير الله جل وعلا بالحكم، لكن دون مراعاة الوصف. فإن كان سمي بالحكم مراعاة للوصف - أنه يحكم بين الناس - كحال أبي الشريح رضي الله عنه وأرضاه، فإن هذا الاسم لا يجوز، ويجب تغييره - كما حصل لأبي شريح في هذا الحديث - قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأنت أبو شريح»، فغير كنيته من أبي الحكم إلى أبي شريح. قال قوله: عن أبي الشريح، هو أبو شريح الخزاعي، اسمه خويل بن عمر، أسلم يوم الفتح، له عشرون حديثا، واتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، وروى عنه أبو سعيد المقبري، ونافع بن جبير، وطائفة. قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة ثمان وستين، قوله: «يكنى»، الكنية ما صدر بأب أو أم أو نحو ذلك، كأبي محمد، واللقب ما ليس كذلك، كزين العابدين. قال: وقوله: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم»، أي: هو سبحانه الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزله على أنبيائه ورسله، وما من قضية إلا وله فيها حكم مما أنزله على نبيه من كتابه والحكمة. لكن قد يقف المجتهد، فإن المجتهدين وإن اختلفوا في بعض الأحكام، فلابد أن يكون المصيب فيهم واحدا، وهذا هو الصواب في المسألة: أن المجتهد أحدهما مصيب، والآخر مخطأ، والكل مأجور إن استفرغ وسعه لإصابة الحق مع توفر مجتهدا. قال: فمن رزقه الله قوة الفهم، وأعطاه ملكة يقدر بها على فهم الصواب من أقوى العلماء، أدرك ما هو الصواب من ذلك - أي بعون الله جل وعلا وتوفيقه - والحاصل: إن في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو الحكم وإلي الحكم»، فالله جل وعلا له الحكم التشريعي، وله الحكم الكوني، وله الحكم الجزائي، فالأحكام الثلاثة خاصة بالله رب العالمين جل وعلا وحده لا شريك له. فالحكم الشرعي لله جل وعلا، فهو الذي يحكم بما شاء جل وعلا، شرعه هو الذي حكم به، ﴿إن الحكم إلا لله﴾، وحكمه الكوني يحكم ما شاء ربنا جل وعلا فيفعل ما يشاء كيف شاء سبحانه وتعالى، وله كذلك الحكم الجزائي يحكم بين عباده بالحق يوم القيامة سبحانه وتعالى، فيما اختلف فيه الخلق، قال الله جل وعلا: ﴿فالله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون﴾. إذن، الحكم المطلق لله جل وعلا - الحكم التشريعي، والحكم الكوني، والحكم الجزائي - قال رحمه الله تعالى: وقوله: «وإليه الحكم» في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾، وهذا الحكم الشرعي. وقال: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، وهذا واجب على كل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، قال الله جل وعلا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. قال: فالحكم إلى الله هو الحكم إلى كتابه، والحكم إلى رسوله هو الحكم إليه في حياته، وإلى سنتي بعد وفاته، هذا معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله﴾، أي: إلى كتاب الله، ﴿والرسول﴾، أي: في حياته، وإلى سنتي بعد مماته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال قوله: «إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين»، والمعنى والله أعلم: أن أبا شريح كان مرضيا عندهم، يتحاكم يصارحهم إذا اختلفوا فيرضون صلحه، فسموه حكما، فسموه أبا الحكم؛ لكونه يحكم بينهم فيرضون حكمه. قال: وأما ما يحكم به الجهلة من الأعراب ونحوهم - بسوالف آبائهم وأهوائهم - فليس من هذا الباب؛ لما فيه من النهي الشديد، والخروج عن حكم الله ورسوله إلى ما يخالفه، كما قال تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾. قال: وهذا كثير، فمن الناس من يحكم بين الخصمين برأيه وهواه، ومنهم من يتبع في ذلك سلفه، ويحكم بما كانوا يحكمون به، وهذا كفر إذا استقر وغلب على من تصدى لذلك ممن يرجع الناس إليه إذا اختلفوا. ومعنى هذا: أن الحكم بغير ما أنزل الله - الحكم بغير ما أنزل الله - حكم خاص لله رب العالمين جل وعلا، لا يشرك أحد في ذلك الحكم، فالحكم لله وحده لا شريك له، قال الله جل وعلا: ﴿إن الحكم إلا لله﴾، قال الله جل وعلا: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمو إلى الله﴾، قال الله جل وعلا: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فأولئك هم الظالمون فأولئك هم الفاسقون﴾. والكفر كما يقول علماء في الآية، والفسق والظلم: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق؛ لأن الكفر عند أهل السنة والجماعة على قسمين، والظلم عند أهل السنة والجماعة على قسمين: أكبر وأصغر. فمن حكم بغير ما أنزل الله جل وعلا، معتقدا أن حكم غير الله جل وعلا أفضل، أو مساو، أو يجوز الحكم به مع حكم الله جل وعلا، فإن هذا من قبيل الكفر بالله جل وعلا، من قبيل الشرك بالله جل وعلا في حكمه جل وعلا الشرعي؛ لأن هذا حكم شرعي، التحاكم إلى كتاب الله جل وعلا حكم شرعي. فكون إنسان يقول: بأن حكم غير الله أفضل، فكأنه يقول: أن الحكم الشرعي الذي هو حكم الله جل وعلا لا ينفع، وليس بصحيح، وأن غير حكم الله جل وعلا هو الصحيح الأفضل الذي يصلح العباد والبلاد، وهذا كفر وردة إن كان مسلما قبل ذلك. وإن اعتقد أنه يجوز كذلك كفر وردة؛ لأنه استحل ما حرم الله، وإن قال: بأنه مثل حكم الله جل وعلا، فهذا كذلك شرك بالله جل وعلا؛ إذ أنه ساوى غير الله جل وعلا بالله في شيء من خصائصه، وهي اختصاصه سبحانه وتعالى بالحكم؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إن الحكم إلا لله﴾، أي: لا حكم إلا لله جل وعلا سبحانه وتعالى. لكن من حكم بغير ما أنزل الله جل وعلا، مع اعتقاده أن حكم الله جل وعلا هو الحق، وهو الخير، وهو الذي به الصلاح للعباد والبلاد، ولكنه غلبت عليه شهوته وهواه، فحكم بغير ما أنزل الله، فمثل هذا يكون واقعا في كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم، فيكون واقعا في الشرك الأصغر، وفي الكفر الأصغر، وفي الظلم الأصغر، وفي الفسق الأصغر، والله تعالى أعلى وأعلم. فكما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا قوله: «وهذا كثير، فمن الناس من يحكم بين الخصمين برأيه وهواه»، فهذا وقع في شرك أصغر - برأيه وهواه - إن اعتقد أن حكم الله هو الخير والأفضل، وأنه لا يجوز أن يحكم إلا بحكم الله، لكنه حكم بغير حكم الله جل وعلا عن هوى وشهوة. وأما من حكم بالأسفار، أو القوانين الوضعية، معتقدا أنها بها الصلاح، وبها العدل، وبها سلامة للعباد والبلاد، دون حكم الله، أو مع حكم الله جل وعلا، فهذا كفر أكبر، فهذا كفر أكبر، والعياذ بالله، وشرك أكبر، والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: «فما لك من الولد؟» قال: «شريح ومسلم وعبد الله»، قال: «فمن أكبرهم؟» قال: «قلت: شريح»، قال: «فأنت أبو شريح»، فكناه بالكبير، وهو السنة، أي: أن من السنة أن يكنى الرجل بأكبر أبنائه. قال: وغير كنيته بأبي الحكم؛ لأن الله هو الحكم على الإطلاق؛ لأنه له الحكم التشريعي والكوني والجزاء سبحانه وتعالى، ومنه تسمية الأئمة بالحكام، سمي الأئمة بالحكام؛ لماذا؟ يقال: الحاكم؛ لأنه يحكم بين الناس بحكم الله جل وعلا، يحكم بين الناس بحكم الله جل وعلا. قالوا: منه تسمية الأئمة بالحكام، فينبغي ترك ذلك والنهي عنه، أن ينبغي ترك أن يسمى الأئمة أو القضاء بالحكام، وينبغي أن يسمى بماذا؟ بالقاضي، يسمى بالسلطان، يسمى بأي اسم دون هذا الاسم؛ لأن لفظ الحكم أو الحكام فيه معنى من معاني التشريك. قال: لهذا الحديث، قال: فينبغي ترك ذلك والنهي عنه لهذا الحديث، وهذا قد حدث في الناس قريبا، أي: سمي القضاء بالحكام؛ لأنهم يقولون: بأنهم يحكمون بحكم الله جل وعلا، فيسمون بالحكام. لكن قد جاءت السنة بتغيير الأسماء التي لها معاني مثل هذه المعاني، فيغير اسم الحاكم إلى القاضي، أو ما شابه ذلك من الألفاظ الشرعية المأذون بها، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.