الدرس في شرح فتح المجيد 2، ألقاها
يبدأ الكتاب بالبسملة والحمد لله، ويشرح أهمية كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب ومدى انتفاع الناس به. كما يتناول الجمع بين بعض الأحاديث النبوية التي قد تبدو متناقضة.
يتحدث عن نشأة الشيخ وتأثير بيئته العلمية في دعوته إلى التوحيد، ويبرز جهوده في محاربة الشرك ونشر التوحيد في نجد والجزيرة العربية.
يتناول مدح الإمام الصنعاني للشيخ ودعوته إلى التوحيد ونشر السنة، ويشير إلى جهوده في إحياء التوحيد وإزالة الشرك وأثر دعوته في تغيير الواقع الديني.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام المحقق العلامة عبد الرحمن ابن حسن ابن محمد ابن عبد الوهاب النجد، رحمه الله تعالى، في كتابه «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد»: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وعليه التكلان. وهذا الافتتاح بهذا الأسلوب هو كغيره، رحمه الله تعالى، افتتح الكتاب بالبسملة. افتتح الإمام عبد الرحمن بن حسن الكتاب بالبسملة لمعاني كثيرة سيأتي الإشارة إليها بإذن الله عز وجل عند شرحه للكلام، عند شرحه لمسائل البسملة في أثناء الشرح، بإذن الله عز وجل، فيكون كلام عليها، وعلى الحمد لله أيضًا، في موضعها. قال رحمه الله تعالى: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، كالمبتدعة والمشركين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأراضين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه أجمعين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا. أما بعد، كما ترون، افتتح الشارح رحمه الله تعالى كتابه بالبسملة، ثم افتتحه بمقدمة أخرى، وهي الحمد لله. وسيأتي كلام على هاتين المقدمتين في كلام الشارح رحمه الله تعالى في أثناء شرحه لكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحم الله الجميع. ومن باب الفائدة، في قوله رحمه الله تعالى: «وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه أجمعين»، وقوله: «خيرته من خلقه أجمعين»، كيف يجتمع هذا القول من الشيخ رحمه الله تعالى مع قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «لا تفضلوني على الأنبياء»؟ كما جاءت في الأحاديث، في أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يفضل على غيره من الأنبياء. فكيف الجمع بين هذا وهذا؟ الجمع أن هذا قد جاء النص به، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». فالذي قال: «لا تفضلوني»، هو الذي قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». وما الجمع بين الحديثين؟ بين هذا وهذا؟ جمع بينهم العلماء رحمهم الله تعالى بجموع، جمع بينهم العلماء رحمهم الله تعالى بجموع. من تلكم الجموع أن هذا القول من النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على سبيل التواضع وهضم النفس، أي في قول: «لا تفضلوني على موسى» أو كما قال صلى الله عليه وسلم، على سبيل ماذا؟ على سبيل التواضع وهضم النفس. ووجه آخر: أنه لا تفضل بين الأنبياء على سبيل الافتخار، فهذا لا ينبغي أن يكون، ولكن كان التفضيل على سبيل ماذا؟ على سبيل الإخبار بالواقع. فـ«أنا سيد ولد آدم» إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بما أوحى الله عز وجل إليه، لا فخر. إذا قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، واضح هذا. قال رحمه الله تعالى: أما بعد، هذه كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى، يؤتى بها للفصل بين موضوعين، الفصل بين موضوعين. فهي تأتي للفصل بين موضوعين، والتقدير: مهما يكون من شيء، بعده. قال رحمه الله تعالى: فإن كتاب التوحيد الذي ألفه الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، وغفر له ومن أجاب دعوته يوم يقوم الحساب، قد جاء بديعًا في معناه، من بيان التوحيد ببراهينه، وجمع جمل من أدلته لإيضاحه وتبيينه، فصار علمًا للموحدين، وحجة على الملحدين، فانتفع به الخلق الكثير والجم الغفير. قوله رحمه الله تعالى: «فإن كتاب التوحيد»، أي كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، هكذا سماه مؤلفه رحمه الله تعالى، الإمام محمد بن عبد الوهاب النجد. قال رحمه الله تعالى: «قد جاء بديعًا في معناه»، أي أن الكتاب، كما ذكر رحمه الله تعالى، بديعًا في معناه، لم يصنف مثله في هذا الباب، لا من قبل ولا من بعد. لم يصنف مثله في هذا الباب، أي في باب توحيد الألوهية، على هذا النسق، وعلى ذلك الترتيب، لم يؤلف ولم يصنف مثل الشيخ، أو لم يصنف مثل الشيخ، لم يصنف أحد مثل الشيخ لهذا الكتاب، رحمه الله عز وجل الشيخ. قال مع بيان التوحيد ببراهينه: الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد، كما يقال، جمع فأوعى، جمع مسائل توحيد الألوهية، وكذلك ما يتبعها من مسائل متعلقة بتوحيد الربوبية، وكذلك في توحيد الأسماء والصفات، وكذلك ما تعلق به، وما تعلق بأنواع التوحيد، وما يضاد التوحيد، وما ينافي التوحيد، ما ينافي أصل التوحيد، وما ينافي كمال التوحيد. فكان الكتاب، كما قيل، ليس له نظير من الكتب المصنفة، ليس لهذا الكتاب، ليس له نظير في بابه، من الكتب المصنفة في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: «وجمع جمل من أدلته لإيضاحه وتبيينه»، فصار علمًا للموحدين، وحجة على الملحدين. أي أن الكتاب، كما ذكر الشارح رحمه الله تعالى، صار علمًا يهتدي به أهل التوحيد، ويرجع إليه أهل التوحيد في معرفة مسائل التوحيد، وما تعلق بمسائل التوحيد، وكذلك ما ينافي التوحيد أصلًا، وما ينافي التوحيد كمالًا. قال: «وحجة على الملحدين»، إذ أن الله عز وجل جعل الحجة قائمة بما جعل بي، أو بما قام به العلماء من بيان أحكام الله عز وجل، وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم على الأمة. فهذا الكتاب كان حجة على من خالف الشيخ رحمه الله تعالى، وكان سلاحًا، وضوءًا منيرًا، يستضيء به أهل التوحيد في زمن الشيخ، وبعد زمنه، رحم الله الجميع. قال: «فانتفع الخلق الكثير والجم الغفير». وهذا كما يقال: من بركة العلم، وهذا من بركة العلم، إذ أن الكتاب من حين ألفه الشيخ رحمه الله تعالى في أول حياته، حينما كان في البصرة، والناس ينتفعون به، وإلى زماننا هذا، والناس ينتفعون به، وإلى ما شاء الله عز وجل أن يكون، أن ينتفع الناس به. وهذا إن دل على شيء، دل على صدق الشيخ رحمه الله تعالى في تصنيفه لهذا الكتاب، وعلى نصره، وحرصه على الخير. والله يؤيد بنصره من يشاء، ويفتح على من يشاء، بما شاء، كيف شاء، سبحانه وتعالى. فهذا من فتح الله عز وجل على من يشاء من خلقه. قال رحمه الله تعالى: فإن هذا الإمام رحمه الله، في مبتدأ نشأته، قد شرح الله صدره للحق المبين، الذي بعث به المرسلين، من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله رب العالمين، وإنكار ما عليه الكثير من الشرك المشركين. هذا أيضًا في إشارة إلى أن الشيخ رحمه الله تعالى، من نعومة أظفاره، كان على خير، وعلى توحيد. وهذا لعله من اصطفاء الله عز وجل، وكذلك من إكرام الله عز وجل، وتهيئة الله عز وجل لهذا الشيخ، لأجل حماية، وحمل أعباء تلك الدعوة التي قام بها، وقام بأعبائها، ونشر الله عز وجل على يديه التوحيد، ودفع الله عز وجل، كذلك، على يديه الشرك. قال رحمه الله تعالى: «قد شرح الله صدره للحق المبين». ولهذا أسباب، ولهذا الأمر أسباب. من هذه الأسباب: أن الشيخ رحمه الله تعالى تربى بين أسرة من أسر العلم، فجده كان قاضيًا على عيينه، ثم أبوه بعد ذلك كان كذلك، وعمه كان كذلك. فكان جده وأبوه وعمه كانوا علماء، كانوا علماء من علماء الإسلام. وهذا الأمر يهيئ الطالب، ويهيئ الطفل، من نعومة أظافر، على الخير والصلاح في نفسه، ثم السعي في الخير والصلاح في غيره. قال رحمه الله تعالى: «فعلى الله همته وقوى عزيمته»، فتصدى لدعوة أهل نجد إلى التوحيد. فأهل نجد كانوا كغيرهم من البلاد، الذي ظهر فيها الشرك ظهورًا واضحًا جليًا، ككثير من البلاد الإسلامية. ألي ظهر فيها معالم الشرك؟ ألي ظهر فيها معالم الشرك؟ فأعلى الله عز وجل همم علماء في ضحض ذلك الشرك. ومن أولئك العلماء: الإمام محمد بن عبد الوهاب النجد، رحمه الله تعالى. قال: «فتصدى لدعوة أهل نجد إلى التوحيد، الذي هو أساس الإسلام والإيمان». ما هو أساس الإسلام والإيمان؟ التوحيد، توحيد الله عز وجل، والدعوة إلى التوحيد، ومنابذة الشرك، والبراءة من الشرك وأهله. وهي دعوة الأنبياء والرسل، من أولهم إلى آخرهم. قال ربنا جل في علاه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:25]. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:36]، في دعوة الرسل، وأول دعوة المرسلين. قال رحمه الله تعالى: «قال: الذي هو أساس الإسلام والإيمان، ونهاهم عن عبادة الأشجار والأحجار والقبور والطواغيط والأوثان، وعن الإيمان بالسحرة والمنجمين والكهان». الشيخ رحمه الله تعالى، عبد الرحمن ابن حسن، يشير إلى ما كان عليه أهل نجد، وفيه كذلك إشارة إلى ما كانت عليه الجزيرة، فضلًا عن غيرها من البلاد الإسلامية، فضلًا عن غيرها من البلاد، من فشو الشرك، وظهوره، وسغاثة المخلوقين بغير الله عز وجل، وعبادتهم للأشجار، وللأحجار. وأن الوثنية عادت كما كانت قبل بعثة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وأيضًا إلى ما كان عليه الناس بالإيمان بالسحرة، وتصديقهم، والإقبال عليهم، وكذلك اللجوء إليهم في أمورهم. قال: «فأطر الله بدعوته كل بدعة وضلالة يدعو إليها كل شيطان». وأقام الله به علم الجهاد، وأضحض به شبه المعارضين من أهل الشرك والعناد. ودان بالإسلام أثر أهل تلك البلاد، الحاضر منهم والباد. وانتشرت دعوته ومؤلفاته في الآفاق، حتى أقر له بالفضل من كان من أهل الشقاق، إلا من استحوذ عليه الشيطان، وكره إليه الإيمان، فأصر على العناد والطغيان. فيه كذلك إشارة إلى الجهود العظيمة، الذي بدلها الشيخ رحمه الله تعالى في دعوة التوحيد، عليه رحمة الله. فهو جاهد بلسانه وبنانه، وكذلك جاهد بسيفه وسنانه. لم تكن دعوته قاصرة على اللسان والبنان، بل جاهد كذلك بسيفه وسنانه. وأعلى الله عز وجل على يديه رايات التوحيد والجهاد، وفتح الله عز وجل على يديه قلوب كثير من أهل الشرك، الذين كانوا في ضلالة، وكانوا في بعد عن الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «وقد أصبح أكثر أهل الجزيرة»، وقد أصبح أكثر أهل جزيرة العرب، بدعوته، كما قال قتادة رحمه الله تعالى عن حال أول هذه الأمة، عن حال أول هذه الأمة: «إن المسلمين لما قالوا: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون، وكبرت عليهم، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها، ويظهرها، وينصرها على من ناوأها. إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نصر». ومعنى «فلج»: أي انتصر. من قاتل بهذه الكلمة، وتحت راية هذه الكلمة، أي الكلمة التوحيد، نصره الله عز وجل. وإن جندنا لهم المنصورون. جند الله عز وجل هم الذين يجاهدون لإعلاء كلمة الله عز وجل، لإعلاء كلمة الله عز وجل، فهم المنصورون، وهم الغالبون على من خالفهم. فقوله رحمه الله تعالى: «وقد أصبح أكثر أهل جزيرة العرب بدعوته»، أصبح الظاهر أنه أراد، والله أعلم، أن الله عز وجل أصلح كثيرًا من أهل جزيرة العرب بدعوته، بعد أن كانوا في بعد عن الله عز وجل. كما أصلح الله عز وجل بدعوته سيد الأولين والآخرين، بدعوته، في جزيرة العرب، وفي جميع أسقاع الأرض. فنفع الله عز وجل بدعوته، وأعلى منزلة الإسلام وأهله. قال رحمه الله تعالى: «إنما قال: ومن قاتل بها نصر». إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة، التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الراكب في فئام من الناس، لا يعرفونها، ولا يقرون بها. قال: «وقد شرح الله صدور كثير من العلماء لدعوته، وسروا واستبشروا بطلعته، وأثنوا عليه نثرًا ورضمًا». وهذا يدل على ماذا؟ على أن أهل الإيمان يحب بعضهم بعضًا، وينصر بعضهم بعضًا، ويعضد بعضهم بعضًا، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «المؤمنون في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد». فهذا الذي ذكره الشارح رحمه الله تعالى: أن الله شرح صدور كثير من العلماء لدعوته، أي فرحوا، كما قال: «وسروا واستبشروا بطلعته». بأن الله عز وجل أخرج هذا الرجل من تلك البلاد، الذي قد ظهر فيها معالم الشرك، فاستبشر أهل الصلاح والخير بظهور من يدعو إلى التوحيد في بلاد قد عم وطم فيها الشرك. قالوا: «أثنوا عليه نثرًا ورضمًا». فمن ذلك ما قاله عالم صنعاء، محمد بن إسماعيل الأمير، في هذا الشيخ رحمه الله تعالى شعرًا. محمد بن إسماعيل الأمير هو الإمام الصنعاني، وهو كما قيل: أشهر من نار على علم، صاحب كتاب «سبل السلام»، صاحب كتاب «سبل السلام»، هو من أشهر العلماء المحققين، رحمه الله تعالى، وأجزل الله له الأجر والثواب. وهذه الأبيات التي سيأتي ذكرها تدل على أن أهل الحق، وأهل السنة والجماعة، وإن افترقت بهم البلدان، إلا أن قلوبهم واحدة، وأن دعوتهم واحدة، في جميع البلاد، وإن تفرقت بهم البلاد. قال رحمه الله تعالى، أي الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: وهذا مذكور، هذه الأبيات مذكورة في ديوان الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى. وقد ذكر بعض من له معرفة في الشعر: أن هذه القصيدة من أحسن وأرقى قصائد الإمام الصنعاني في ديوانه، من أحسن وأرقى قصائد الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في ديوانه. وافتتح هذه القصيدة بقوله: سَلامٌ عَلَى نَجْدٍ وَمَنْ حَلَّ فِي نَجْدٍ وَإِنْ كَانَ تَسْلِيمي عَلَى الْبُعْدِ لَا يَجِدُ يعني انظروا إلى هذا التعبير، يقول الإمام الصنعاني: «سلام على نجد ومن حل في نجد»، من يريد؟ على الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب. ثم قال مسليًا لنفسه: «وإن كان تسليمي على البعد لا يجد»، أنا بعيد، وهو لا يسمع ماذا؟ كلامي. ومع هذا ذكر ما ذكر رحمه الله تعالى من الأبيات. قال: «لقد صدرت من صنعاء سقى الحياء رباها وحياها بقهقهة الرعد». إلى أن ذكر رحمه الله تعالى ما ذكره الإمام عبد الرحمن ها هنا، فقال: «وقد جاءت الأخبار عنه بأنه يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي، وينشر جهرًا ما طوى كل جاهل ومبتدع منه». فوافق ما عندي. وهذا يدل على ماذا؟ على أن علماء التوحيد، وعلماء السنة، دعوتهم ماذا؟ دعوتهم واحدة. فالإمام الصنعاني يقول: «وينشر جهرًا ما طوى كل جاهل ومبتدع منه، فوافق ما عندي». فوافق ما عندي من ماذا؟ من الدعوة إلى التوحيد، والبراءة من الشرك وأهله. قال: «ويعمر أركان الشريعة هادمًا مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد». أعاد بها معنى «سواع» ومثله «يغوث» و«ود»، بئس ذلك من ود. وقد هتفوا عند الشدائد باسمها، كما يهتف المضطر بالصمد الفرد. وكم عقر في سواحيها من عقيرة، وهي التي غير الله جهرًا على عمد. وكم طائف حول قبور مقبل، ومستلم منهن باليد. وهذه الأبيات، كما ترون، فيها إظهار لما كان عليه الناس من الشرك بالله عز وجل. فالشيخ الصنعاني رحمه الله تعالى يقول: «ويعمر أركان الشريعة هادمًا مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد». المشاهد والقباب التي كانت موجودة في تلك البلاد. قال: «أعاد بها معنى سواع» معنى «سواع»، ومثله «يغوث» و«ود»، بئس ذلك من ود. أي أن هؤلاء القبورية أعادوا معاني ما كان عليه المشركون الأول، ما كان عليه المشركون الأول من عبادة غير الله عز وجل، من عبادة الصالحين مع الله عز وجل. قال: «وقد هتفوا عند الشدائد باسمها، كما يهتف المضطر بالصمد الفرد». وهذا يدل على ماذا؟ على ما كان عليه الناس في جزيرة العرب من الفزع واللجوء إلى غير الله عز وجل عند حلول الكرب، وعند حلول المصائب. شأنهم شأن المشركين الأول، وزادوا عليهم. شأن المشركين الأول: إذا نزلت بهم الشدة والضر، دعوا الله عز وجل مخلصين له الدين. أما مشركو زمان الشيخ، ومشركو زماننا، إذا نزلت بهم الشدة، لجأوا وفزعوا إلى من؟ فزعوا إلى معبوداتهم من دون الله عز وجل، من أهل القبور. قال: «وكم عقر في سواحيها من عقيرة»، أهل في غير الله جهرًا على عمد، يهلون بهذه الأضاحي، وبتلك القربة إلى من؟ إلى أصحاب القبور. «وكم طائف حول القبور مقبل ومستلم منهن باليدين». واضح. قال رحمه الله تعالى: «وقال شيخنا أبو بكر حسين بن غنام رحمه الله تعالى فيه». وابن غنام، كما مر معنا، أديب ونحوي، وهو من تلامذة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وكذلك من مشايخ عبد الرحمن ابن حسن، مؤلف «فتح المجيد». قال رحمه الله تعالى: «قال: لقد رفع المولى به رتبة الهدى بوقت به يعلى الضلال ويرفع». سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى، وعام بتيار المعارف يقطعه. فأحيا به التوحيد بعد اندراسه، وأوهى به من مطلع الشرك مهيع. سماه، أو قال: سمى ذروة المجد، سمى ذروة المجد، حتى مرتق لها سواه، ولا حاذ فناها سميدع. قوله رحمه الله تعالى: «قد رفع المولى به رتبة الهدى بوقت به يعلى الضلال ويرفع»، فيه بيان أن الشيخ رحمه الله تعالى رفعه الله عز وجل، وبرفعه رفع الله عز وجل معه منارات الهدى، بعد أن كانت منارات الضلال هي التي ماذا؟ ظاهرة، ومرتفعة، وجلية، بين الناس. وهذا من فضل الله عز وجل عليه، وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وقوله رحمه الله: «سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى»، أي أن الله عز وجل وهبه من المواهب، والفضل، الشيء الكثير، حتى ارتوى من ذلك الخير. قال: «وعام بتيار المعارف يقطع»، أي في العلوم يتضلع، ويستفيد. قال: «فأحيا به التوحيد بعد اندراسه»، أي بعد أن كاد يندرس في كثير من البلاد. قال: «وأوهى به من مطلع الشرك مهيع»، أي طريقًا واسعًا. قال: «سمى ذروة المجد التي مرتقى لها»، أي أن الله عز وجل أعلاه، وهو كذلك ماذا؟ ارتقى في سبيل ماذا؟ في سبيل تحصيل المجد. قال: «مرتقى لها سواه، ولا حاذ فناها سميدع». والسميدع، كما يقال: الكريم، والشريف، والسخي. أي لا يقدم لهذه المطالب العالية إلا من؟ إلا أهل الكرم. وعلى قدر العزائم، وعلى قدر أهل العزم، تأتي ماذا؟ العزائم. وهذا يدل على علو همته، وعظيمة عزيمته، وعلى إخلاص وصدق مع الله عز وجل. قال: «وشمر في منهاج سنة أحمد يشيد ويحيي ما تعفى ويرفع». أي ما تعفى، أي ما عفى عليه من التراب، وما غطى عليه التراب. وفي إشارة إلى أن السنة كذلك قد اندرست في كثير من البقاع، ظهر الشرك والبدع، واندرس كثير من معالم التوحيد، وماذا؟ والسنة. وكما قيل: إذا ظهرت البدعة، كان على حساب ماذا؟ كان على حساب خفاء سنة. وإذا ظهر الشرك، كان على حساب خفاء ماذا؟ خفاء توحيد. قال رحمه الله تعالى: «يناظر بالآيات والسنة التي أمرنا إليها في التنازع نرجع». وهذا دأب المصلحين في كل زمان ومكان، يتكلمون بكلام الله عز وجل، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهما ينطلقان، ومنهما ينطلقون. أي ينطلقون من كتاب الله عز وجل إلى كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هكذا دعوة التوحيد في كل زمان ومكان. قال: «وعاد به نهج الغواية طامسًا». نهج الغواية التي كان عليه المشركون في زمان الشيخ. «وعاد به نهج الغواية طامسًا»، بعد أن كان ماذا؟ بعد أن كان الظاهر، صار ماذا؟ صار طامسًا. «وقد كان مسلوكًا به الناس»، به الناس ماذا؟ «يتربع». أي كان الناس يسلكونه على طريق واسع، مجاهرة بالشرك، ومجاهرة بالبدع. وقال: «وجرت به نجد ذيول افتخارها». وهذا من بلاغة التشبيه، وهذا من التشبيه البليغ، إذ أنه شبه أن نجد أنها ملكة أو أميرة تجر ماذا؟ ذيولها، بماذا؟ افتخارًا بهذا الإمام، افتخارًا بماذا؟ بهذا الإمام. فقال: «وجرت به نجد ذيول افتخارها». ثم قال: «وحق لها بالألمعي ترفع»، أو قالت: «ترفع بالألمعي». الألمعي هو الرجل الشديد الذكاء، الرجل الشديد الذكاء. قال: «فآثاره فيها سوام سوافر»، وأنواره فيها تضيء وتلمع. أي آثار الشيخ رحمه الله تعالى في دعوة التوحيد، وفي محاربة الشرك وأهله، واضح، صارخ، جلي، نصره الله عز وجل، وأعلى منزلته، فرحمه الله رحمة واسعة، وغفر الله له. وإلى هنا نتوقف. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.