الدرس في شرح العقيدة الواسطية 76، ألقاها
يناقش الشيخ إنكار أهل المروق والإلحاد لفتنة القبر وعذابه ونعيمه، مستندين إلى العقل كحاكم أول. هذا النهج يؤدي إلى الاضطراب والبعد عن الصراط المستقيم.
يرد الشارح على إنكار أهل المروق والإلحاد لبعض أمور الآخرة مثل سؤال القبر ونعيمه وعذابه. يبين أن دلالة العقل ظنية وتحتاج إلى النقل الصحيح.
يصف المقطع أحداث يوم القيامة، بدءًا من البعث ونفخ الصور، ثم حشر الناس إلى الموقف. يذكر أيضًا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ووزن الأعمال.
يتحدث المقطع عن نصيب الكافرين من الكتاب السماوي، ويستشهد بقول الله تعالى في سورة الأعراف. يختم بذكر استغفار وتسبيح لله.
بسم الله وحمد الله وصلاة الله ورحمة الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم ما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الشروع في الدخول في بعض مسائل اليوم الآخر، ومما ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى من المسائل فتنة القبر وكذا عذاب القبر أو نعيمه. وذكر رحمه الله تعالى بعد أوصاف بعض الأوصاف التي تكون في ذلك اليوم، وتوقفنا عند قوله رحمه الله: «وأما أهل المروق والإلحاد من الفلاسفة والمعتزلة فينكرون هذه الأمور من سؤال القبر ومن نعيم القبر وعذابه والصراط والميزان وغير ذلك بدعوى أنها لم تثبت بالعقل». والعقل عندهم هو الحاكم الأول الذي لا يجوز الإيمان بشيء إلا عن طريقه، وهم يردون الأحاديث الواردة في هذه الأمور بدعوى أن أحاديث أحد لا تقبل في باب الاعتقاد. وأما الآيات فيؤولونها بما يصرفونها عن معانيها. وقد تقدم معنا أن هذا الباب كغيره من أبواب الاعتقاد مبناه على الإيمان والتسليم، فمن آمن بما جاء عن الله جل وعلا وعن رسوله صلى الله عليه وسلم سلم وغنم في دنياه وأخرى. ومن عارض النقل بالعقل حصل له ما حصل من الاضطراب والبعد عن الصراط، وهذا حال كل من أراد أن يسير إلى الله جل وعلا من طريق غير الطريق الذي شرعه الله جل وعلا من غير طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها. لذا تجد أهل الكلام أعظم ما ابتلوا به علم الكلام وتقديم العقل على النقل، وجعلوا العقل حاكما على النقل. فبسبب هذا حصل منهم ما حصل من معارضة ما جاء عن الله جل وعلا وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بما كان أو حصل في عقولهم. فيقول قائلهم: كيف يكون في القبر العذاب والنعيم؟ وكيف يجلس الميت في القبر وهو ضيق؟ فيقولون: إن هذا مستحيل عقلا، ولا يمكن تصوره. ثم كيف يسأل الميت وهو ميت؟ ويقولون: إن في القبر نعيم أو عذاب، وأنه يسحب له في قبره مد البصر إن كان من أهل الجنة، وإذا كان من أهل النار فإنه يضيق عليه حتى يخيل بين أضلاعه، وأنه يضرب بمرزبة من حديد. وإذا نبش القبر ورؤي الميت لم ير ذلك عليه، لا أثر النار إن كان من أهل العذاب، ولا يرى كذلك أثر النعيم إن كان من أهل النعيم. فهذا يدل على أنه عقلا وحسا ليس بصحيح، وما جاءت في هذه الأخبار، والعقل دلالته يقينية، والنقل عندهم دلالته ظنية، إما من حيث الثبوت وإما من حيث الدلالة. فلهذا يقولون بعدم إثبات عذاب القبر ونعيمه، وهذا مبناه على العقل بأنه لا يقبل هذا، وثانيا يقولون كذلك الحس لم يثبت هذا. فما جاءت في الأخبار فإنها مؤولة، فيؤولونها بأن هذا فيه نوع من التهديد وفيه نوع كذلك من الترغيب. كما هو حال قول الفلاسفة: ما هناك عذاب قبر ولا نعيم، ولا هناك جنة ولا نار، ولا هناك سعادة ولا شقاء. وإنما هذه مخيلات من تخيلات الرسل، كانوا يخبرون بها أقوامهم ترغيبا وترهيبا. فحقيقة قول هؤلاء من الفلاسفة أن الرسل أخبروا بما هو مستحيل بل وهو كذب، وإنما استجازوا ذلك ترغيبا وترهيبا لأممهم من أجل طاعتهم. وهذا كما ترون فيه من الباطل والكفر ما الله جل وعلا به عليم. فالحاصل أن هؤلاء وتفرع عنهم أهل الكلام، لأن الفلاسفة هم الأصل في هذا الشر، وأهل الكلام من هذه الأمة إنما أخذوا علم الكلام من هؤلاء الفلاسفة. ولكن لما كان هؤلاء تحت دائرة الإسلام حاولوا أن يخففوا من الفلسفة وعلم الكلام الذي أخذوه بما استقر عندهم من ثوابت الإسلام. فحصل منهم ما حصل من التأثر بعلم الفلاسفة وتقديم العقل على النقل، إلى جانب ما عندهم من الإيمان في الأبواب التي أخذوها وتلقوها من دين الإسلام، وهم في ذلك متفاوتون في القرب من دين الإسلام ومن الفلاسفة على حسب أخذهم بكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والبعد أو البعد عنهما. قال الشارح رحمه الله تعالى: «وأما أهل المروق والإلحاد من الفلاسفة والمعتزلة فينكرون هذه الأمور من سؤال القبر ومن نعيم القبر وعذابه والصراط والميزان وغير ذلك بدعوى أنها لم تثبت بالعقل». وتقدير معنى أن دلالة العقل ظنية لأن العقول مضطربة ومختلفة، واضطرابها واختلافها يدل على أن دلالتها ليست بيقينية. وأنه يحتاج إلى حاكم يحكم بين هذه العقول ويميز العقل الصحيح من غيره، ولا حاكم في هذه الحال إلا النقل. فرجع إلى أن النقل هو الحاكم وهو الأصل وهو الدال للعقل وهو المصوب للعقل. وأما ما ذكره أولئك من أن هذه أمور مستحيلة عقلا، فالجواب أنها ليست مستحيلة عقلا، بل كل عاقل يعلم أن هذه الأمور ممكنة. إذا سأل سائل أحد هؤلاء فقال له: هل يمكن لقدرة الله أن يفعل ما يشاء أم لا؟ أجابوه: وما هو ممكن. فإذا كان ممكنا فإذا ثبت بالعقل أن هذا الشيء ممكن لأن الله جل وعلا على كل شيء قدير، فهذا يكفينا أن الأمر ممكن. وما كان ممكنا وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بوقوعه، فما بقي معنا إلا الإيمان والتسليم. قال: «وهم يردون الأحاديث الواردة في هذه الأمور بدعوى أن أحاديث أحد لا تقبل في باب الاعتقاد». وأما الآيات فيؤولونها بما يصرفونها عن معانيها. والإضافة في قوله: «بفتنة القبر» على معنى في أي بالفتنة التي تكون في القبر. قال: «وأصل الفتنة وضع الذهب ونحوه على النار لتخليصه من الأوضار والعناصر الغريبة». ثم استعملت في الاختبار والامتحان. وهذا كما مر معنا أن الفتنة يقال لها فتنة لأن فيها يلقى الذهب لأجل أن ينقى من الشوائب. قال: «وأما عذاب القبر ونعيمه فيدل عليه قوله تعالى في حق آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾﴿غافر: ٤٦﴾». فهذا يدل على أن قول الله جل وعلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ يكون فيما لا في الدنيا أو في القبر يكون في القبر. وقول سبحانه عن قوم نوح: ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾﴿نوح: ٢٥﴾ كان بعد الإغراق، أغرقوا في الدنيا ثم بعد أن أغرقوا أدخلوا نارا أي في قبورهم. قال رحمه الله تعالى: «وقوله عليه الصلاة والسلام: «القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار»». وهذا الحديث لا يصح، وانظر الضعيفة برقم 1660. رواه الطبراني من حديث أبي هريرة، وفيه أيوب بن سويد ضعيف. وجاء من حديث أنس وهو أيضا ضعيف، وله طريق ثالث أيضا وفيه عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو متروك الحديث. ولكن معناه صحيح، فأما من حيث السنة فلم يثبت، أما معناه فصحيح. قال رحمه الله تعالى: «والمرزبة بتخفيف المطرقة الكبيرة». ويقال لها أيضا الزبة بالهمزة والتجديد. قوله رحمه الله تعالى: «قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون». فيقوم الناس من قبورهم من رب العالمين حفاة عراة غلفا وتدنو منهم الشمس ويرجمهم العرق، فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. وتنشر الدواوين وهي الصحائف الأعمال، فآخذوا كتابه بيمينه وآخذوا كتابه بشماله أو من وراء ظهره. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾﴿الإسراء: ١٣-١٤﴾. قال الشارح رحمه الله: قوله «وتقوم القيامة إلى آخره» يعني القيامة الكبرى، وهذا الوصف للتقصيص احتراز به عن القيامة الصغرى التي تكون عند الموت. كما في الخبر: «من مات فقد قامت قيامته». وهذا الحديث جاء عند البخاري من حديث عائشة بمعناه. قال: وذلك أن الله عز وجل إذا أذن بانقضاء هذه الدنيا أمر إسرافيل عليه السلام أن ينفخ في الصور النفخة الأولى، فيصعق كل من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. وتصبح الأرض صعيدا جرزا والجبال كثيبا مهيلا، ويحدث كل ما أخبر الله به في كتابه. ثم يأمر الله السماء فتمطر مطرا كمني الرجال أربعين يوما، فينبت منه الناس في قبورهم. وكل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، حتى إذا تم خلقهم وتركيبهم أمر الله إسرافيل بأن ينفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس من الأجداث أحياء. فيقول الكفار والمنافقون حينئذ: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. ويقول المؤمنون: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. قال: ثم تحشرهم الملائكة إلى الموقف حفاة عراة غلفا. قال: وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام كما في الحديث. وجاء من حديث المقداد عند مسلم، وجاء من حديث عائشة، وجاء من حديث أنس، وجاء عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ذكروا هذه الأوصاف. وأن الناس يوم القيامة يحشرون حفاة عراة غلفا. كما جاءت في الآية: ﴿كَمَا خَلَقْنَاهُمْ يَعُودُونَ﴾﴿الأعراف: ٢٩﴾. قال: وهناك في الموقف تدنو الشمس من رؤوس الخلائق، ويلجمهم العرق. فمنهم من يبلغ كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ ثدييه، ومنهم من يبلغ ترقوته، كل على قدر عمله. كما جاء في صحيح مسلم من حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه. قال: فإذا اشتد بهم الأمر وعظم كربهم استشفعوا إلى الله عز وجل بالرسل والأنبياء. وكل رسول يحيلهم على من بعدهم، حتى يأتوا نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول: «أنا لها». وفي الحديث: أن الأنبياء كل رسول يقول: «نفسي نفسي». حتى يأتون عيسى عليه السلام فيقول: «اذهبوا إلى محمد رسول الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». فيأتون إلى نبينا صلى الله عليه وسلم جميع الأمم من عهد آدم عليه السلام إلى هذه الأمة، كلهم يأتون إلى نبينا صلى الله عليه وسلم يطلبون أن يشفع لهم عند ربه جل وعلا. فيقول: «أنا لها» ويشفع فيهم، فينصرفون إلى فصل القضاء. وهذا هو المقام المحمود الذي يحمده عليه جميع الخلائق. وهذه الشفاعة العظمى التي أقرت بها الأمة أجمع، حتى المعتزلة والخوارج يقرون بهذه الشفاعة المسماة بالشفاعة العظمى لنبينا صلى الله عليه وسلم. قال: ثم تنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد، وهي موازين حقيقية. كل ميزان منها له لسان وكفتان. نقل أو ذكر الحافظ في الفتح رحمه الله تعالى عن أبي إسحاق الزجاج أن أهل السنة أجمعت على أن الإيمان بالميزان حق، وأنه له لسان وكفتان. فهذا مجمع عليه، والدليل على الكفتين حديث البطاقة، حيث ورد عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره. قال: ويقلب الله أعمال العباد وهي أجساما لها ثقل، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾﴿الأنبياء: ٤٧﴾. ومسألة الموزون يوم القيامة هل هو العمل أو هو الأجساد أم هو الصحائف؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك ثلاثة أقوال. منهم من قال: إن الموزون العمل. ومنهم من قال: إن الموزون الصحائف. ومنهم من قال: إن الموزون الأجساد. وكل استدل بدليل، فمن قال: الأعمال استدل بأدلة منها: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾﴿المؤمنون: ١٠٢-١٠٣﴾. قال: ثم تنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال الذي كان يعملها العبد كلها مسجلة. ويوم القيامة تنشر كما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾﴿الإسراء: ١٣﴾. فآخذ كتابه بيمينه يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا. وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾﴿الحاقة: ٢٥-٢٦﴾. قال: وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ فقد قال الراغب: أي عمله الذي طار عنه من خير وشر. ولكن الظاهر أن المراد بالطائر هنا نصيبه في هذه الدنيا وما كتب له فيها من رزق وعمل. كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾﴿الأعراف: ٣٧﴾. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.