الدرس في كتاب الطهارة 27، ألقاها
ذهب الجمهور إلى استحباب الوضوء في غسل الجنابة، وأن صحة الصلاة لا تتوقف على الوضوء قبله. استدلوا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تدعم هذا القول.
اختلف العلماء في استحباب إتمام الوضوء قبل الغسل أو تأخير غسل الرجلين، وذهبوا إلى ثلاثة أقوال مختلفة مستدلين بأحاديث نبوية مختلفة.
يستحب إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا في غسل الجنابة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك خلاف حول تثليث غسل البدن. الراجح أنه لا تثليث في غسل البدن.
المقطع يشير إلى مسألة متعلقة بالغسل سيتم الحديث عنها لاحقا، ويختم بالدعاء والاستغفار، مما يدل على أهمية الختام بالذكر والتقوى.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، قال رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام» في كتاب الطهارة، باب الغسل من الجنابة. قال عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من جنابة غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم يغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. وقوله: «ثم يخلل» التخليل للشعر بأن يدخل يده في أصول شعره يخلله بالماء. وقوله: «أروى» من الري. طيب، قوله: أو في الحديث مسائل. في الحديث مسائل. المسألة الأولى: حكم الوضوء في غسل جنابة. في الحديث قالت: «ماذا؟ ثم توضأ وضوءه للصلاة». حكم الوضوء في غسل جنابة: ذهب الجمهور إلى استحبابه، وأن من اغتسل بغير وضوء صحت صلاته، وأن من اغتسل من غير وضوء صحت صلاته، لظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ولقوله سبحانه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، وبحديث أم سلمة عند مسلم، وفيه: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات»، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها -يعني قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد شعر رأسي، فهل أنقض شعر رأسي لغسل جنابة؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي الماء على جسدك». معروف أن الحثي أن تأخذ بكفيها الماء تحثي ثلاث حثيات، ثم تغسل سائر جسدها، ثم تغسل سائر جسدها. ففيه حديث دلالة على أنه لم يأمرها بالوضوء، على أنه لم يأمرها بالوضوء، فدل على أن الوضوء في غسل جنابة مستحب، وأن الإنسان إذا اغتسل للجنابة ولم يتوضأ له أن يصلي بذلك، الصلاة له أن يصلي بتلك الطهارة. ونقل ابن بطال إجماعًا على هذا القول، على هذا القول، وفيه نظر. وصواب أنه قول الجمهور. وذهب أبو ثور وداود الظاهري إلى أن الغسل لا ينوب عن وضوء، إلى أن الغسل لا ينوب عن وضوء، بمعنى أن من اغتسل ولم يتوضأ وأراد الصلاة، فواجب عليه أن يتوضأ. والصحيح الأول، والصحيح الأول الأدلة المذكورة. ووضح هذا الأمر أمنا، فيكون الوضوء للغسل باب مستحبات الغسل. مسألة أخرى: من أراد الغسل، هل له أو هل يستحب أن يتم وضوءه أم يؤخر رجليه؟ أم يؤخر رجليه؟ ذهب الإمام مالك والشافعي في أشهر قوليه، وهو مشهور عند الحنابلة أيضًا، إلى استحباب إتمام الوضوء قبل الغسل، واستدلوا بحديث الباب، حيث عائشة هو فيه: «ثم توضأ وضوءه للصلاة». وذهب الشافعي في قول عنه، نقله عنه البويطي، إلى تأخير غسل الرجلين -أي: الوضوء- ويؤخر غسل الرجلين إلى بعد أن يفرغ من الغسل. وهذا قول الثوري، وأحمد في رواية. واستدلوا بداية على هذا بحديث ميمونة الآتي -سيأتي معي- وفي حديث ميمونة قال: «ثم تنحى فغسل رجليه». وبما جاء في بعض طرق حديث عائشة أنه قال: «ثم غسل رجليه». وذهب أحمد في رواية، وذهب أحمد في رواية، إلى التخيير بين غسل الرجلين مع الوضوء أو بعده. وهذا الأخير هو الأقرب -الله أعلم- جمعًا بين الحديثين، بمعنى أن من توضأ وضوءًا كاملًا ثم اغتسل فقد أتى بالسنة والمصلحة، ومن توضأ وأخر غسل القدمين إلى بعد الغسل، إلى بعد الغسل، ثم غسلهما بعد ذلك أيضًا فقد أتى بالسنة. ويدل عليه حديث عائشة يدل على الأول، وحديث ميمونة يدل على الثاني. على أن حديث ميمونة قد يحمل على أن المكان قد يكون فيه تراجع الماء أو ما شابه ذلك مما قد تتسخ فيه القدم، فيؤخر غسل القدمين لأجل هذا المعنى -أي: لأجل أن يكون قد يكون في الأرض أو ساحة وما شابه ذلك- فأخر النبي صلى الله عليه وسلم غسل رجليه لأجل هذا المعنى. هذا احتمال، هذا احتمال. وعلى كل، كما سمعتم: من فعل بهذا فقد فعل السنة، ومن فعل بالثاني فقد فعل السنة، والله أعلم. مسألة أخرى: واستحبوا غسل اليدين في غسل جنابة قبل إدخالهم الإناء. واستحب الشافعي أن يكون الغسل بيدين ثلاثًا، لظاهر حديث ميمونة. وكذا قال إمام أحمد. مسألة أخرى: يستحب إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا. يستحب إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا -أي: لمن يغتسل من جنابة-. وقول: يستحب معنى أن من غسل الرأس أو أفاض عليه مرة واحدة وعمم الغسل أجزأ، وانفعل اثنان أيضًا، وانفعل أربع وخمس أجزأه ذلك، لكن يستحب إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فهو من السنن من سنن الغسل. قال النووي رحمه الله تعالى: هذا لا أعلم فيه خلافًا بين أهل العلم إلا من شذ، فإنه قال: لا يستحب التكرار. ونقل الحافظ أيضًا هذا القول عن أبي علي السبخي والقرطبي، وقولهما مرجوح للأحاديث الواردة في أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل رأسه ثلاثًا. ودلوا عائشة: «أفاض الماء عليه ثلاث مرات»، أفاض الماء عليه -أي: على رأسه- ثلاث مرات. مسألة أخرى: وبها نختم -إن شاء الله- هل يغسل الجسد ثلاثًا؟ الرأس يستحب أن يغسل ثلاثًا، هل يغسل من أراد غسل جنابة كذلك الجسد ثلاثًا، عن اليمين وثلاثًا عن الشمال؟ فيه خلاف. ذهب الإمام إسحاق بن راهويه وبعض أصحاب إمام أحمد، والشافعي وأبو حنيفة إلى استحباب ذلك. ودليلهم القياس على الوضوء. وذهب أحمد والخرقي والماوردي من الشافعية، وأصحاب مالك إلى أنه لا تثليث في غسل البدن. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومن المعاصرين العلامة العثيمين، وهو الراجح. مسألة أخرى -يعني: هل يستحب إنسان- قلنا: يستحب أن يفيض على جسده ثلاث مرات، إن هذا الغسل هل يستحب له أن يقتصر على جانبه ثلاث مرات، الجهة اليمنى وثلاث مرات جهة اليسرى، أم أنه يفيض الماء على جسده إفاضة دون عدد؟ الجواب: الصحيح أنه يفيض على جسده الماء إفاضة من غير عدد، من غير عدد. وهناك مسألة متعلقة أيضًا في باب الغسل نذكر -إن شاء الله- غدًا عند حديث ميمون -بإذن الله عز وجل-. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.