الدرس في كتاب الصلاة 88، ألقاها
يتناول المقطع معنى باب الجمعة وتسميتها، حيث ذكر أن يوم الجمعة سمي بهذا الاسم لعدة أسباب مختلفة. أشهرها ضم الميم وأشار إلى اختلاف العلماء في سبب تسمية يوم الجمعة بهذا الاسم.
اختلف أهل العلم في حكم غسل الجمعة بين الوجوب والاستحباب، واستدل كل فريق بالأحاديث النبوية. لم يختلفوا في أنه ليس بشرط لصحة الصلاة، وذهب الشوكاني وابن رجب إلى أنه ليس بواجب.
استدلوا بآثار وأقوال السلف على عدم وجوب غسل الجمعة. الخلاف في وجوبه ينحصر في أهل الظاهر، ومن أطلقه من السلف إنما أطلق لفظ الواجب مراعاة للفظ النبوي لا المعنى.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام أبو محمد عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب الصلاة منه: "باب الجمعة". وتقدم معنى "الجمعة" مرارًا، ومعنى الباب، وأنه المدخل، وهو على قسمين: مدخل حسي ومدخل معنوي. ومقصوده رحمه الله تعالى: "باب" أي مدخل في الكلام على أحكام صلاة الجمعة. وقبل أن نتكلم على هذه الأحكام، نذكر بعض الفوائد المتعلقة بالجمعة. سميت "الجمعة" بضم الميم على المشهور، وقد تسكن فيقال: "الجمعة". وقرأ بها الأعمش، وهو أحد القراء ممن قرأ بالثلاث غير المتواترة، قرأ "الجمعة" بإسكان الميم. وحكى الواحدي عن الفراء فتحها، أي "الجمعة". فتكون فيها ثلاث حركات: الضم والإسكان والفتح. وأشهرها الضم، يقال: "الجمعة"، وهي التي تواترت بها القراءات السبع. والمراد بهذا الباب، بتبويب هذا الباب في هذا المقام، بيان أحكام صلاة الجمعة. واختلف في تسمية "الجمعة" بذلك، مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية "العروبة". فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلائق "جمعة" فيه. وقيل: لأنه خلق آدم فيه. وقيل: لأن كعب بن لؤي أحد آباء قريش كان يجمع قومه فيه. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا أصح الأقوال. ويليه ما أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وذكر ابن القيم في "الهدي" ليوم الجمعة إثنين وثلاثين خصوصية، منها أنها يوم العيد، ولا يصام فردًا، وقراءة "آلم تنزيل" و"هل أتى" في صبيحتها، والجمعة والمنافقين فيها. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل". قوله صلى الله عليه وسلم: "من" من ألفاظ العموم. واختلف أهل العلم في حكم غسل الجمعة، فذهب أبو هريرة رضي الله عنه من الصحابة، وكذلك رواية عن عمر وعمار، إلى وجوبه. واستدل هؤلاء بالأحاديث الواردة في الباب الدالة على الوجوب. وذهب ابن مسعود، ورؤي عن ابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة، إلى أنه غير واجب. وبه قال جمهور فقهاء الأمصار. واستدل هؤلاء بما رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أفضل". قال الحافظ بن رجب رحمه الله: وقد اختلف العلماء في غسل الجمعة هل هو واجب بمعنى أنه يأثم بتركه مع القدرة عليه بغير ضر، أم هو مستحب فلا يأثم بتركه بحال؟ قال: ولم يختلفوا أنه ليس بشرط لصحة الصلاة. وحكى الخطابي وغيره الإجماع على أنه ليس شرطًا لصحة الصلاة. قال الشوكاني رحمه الله تعالى في "النيل": وقد استدل أيضًا بذلك الشافعي وغيره على أنه غير واجب؛ لأنه لو كان واجبًا لأمروه بالخروج له. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وذكر ابن عبد البار أنه لا يعلم أحدًا قال إنه يأثم بتركه غير أهل الظاهر. وأن من أوجبه لا يؤثم بتركه. وحكى أيضًا الإجماع على أنه ليس بفرض واجب. عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: "وصل الجمعة واجب؟" قال: نعم. قلت: "من تركه؟" قال: نعم، من تركه فليس بآثم. إذن هو مطابق لقول ابن عبد البار رحمه الله تعالى. قال ابن عبدالبر: لم يثبت في وجوب غسل الجمعة بمعنى كونه فرضًا يأثم بتركه اختلافًا بين العلماء المعتبرين. وإنما خص الخلاف في ذلك بأهل الظاهر. قال: والذي ذكره ابن عبدالبر هو التحقيق في ذلك والله أعلم. وأن من أطلق وجوبه إنما تبع في ذلك ما جاء عن نبي صلى الله عليه وسلم من إطلاق اسم الواجب عليه. فالحاصل في هذه المسألة أن غسل الجمعة ليس بواجب وجوب فرض، وأن من أطلقه من السلف إنما أطلقه مراعاة للفظ النبوي. وأما من حيث المعنى فإنهم يقولون بأنه لا يأثم بتركه. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.