كتاب النكاح والطلاق 1

الدرس في كتاب النكاح والطلاق 1، ألقاها

تعريف النكاح وأدلة مشروعيته

يناقش تعريف النكاح لغة وشرعًا، ويُفصّل الكلام حول ما إذا كان عقد النكاح عقد انتفاع أو استمتاع. يُعرَّف النكاح بأنه عقد يتضمن إباحة استمتاع كل من الزوجين بالآخر.

أدلة مشروعية النكاح وحكمه

يشرح أدلة مشروعية النكاح من القرآن والسنة والإجماع، ويبين حكمة تشريع النكاح وأهدافه مثل إعفاف الفروج وحفظ الأنساب. يوضح اختلاف حكم النكاح باختلاف الأشخاص وقدرتهم على الزواج.

أهمية اختيار الزوجة الصالحة

يجب على الرجل الزواج إذا كان قادرًا وخاف على نفسه، ويسن نكاح المرأة ذات الدين والعفاف. يُفضل اختيار الزوجة الولود والبكر والجميلة مع تقديم ذات الدين على غيرها.

الدعاء والاستغفار في ختام الدرس

يتضمن المقطع دعاء بتمجيد الله والاستغفار والتوبة إليه، حيث يبدأ بتمجيد الله ثم الإقرار بوحدانيته ويتبعه طلب المغفرة والتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: تاسعًا: كتاب النكاح والطلاق، أي من كتاب الفقه الميسر، ويجتمل على أحد عشر بابًا، أي هذا الكتاب يجتمل على أحد عشر بابًا. الباب الأول في النكاح، الباب الثاني في الصداق والعشرة ووليمة العرس، الباب الثالث في الخلع، الباب الرابع في الطلاق، الباب الخامس في الإيلاء، الباب السادس في الظهار، والباب السابع في اللعان، والباب الثامن في العدة والإحداد، والباب التاسع في الرضاع، والباب العاشر في الحضانة وأحكامها، الباب الحادي عشر في النفقات. ويأتي الكلام على هذه الأبواب -إن شاء الله تعالى- في أماكنها. الباب الأول في النكاح، وفيه مسائل. وقبل هذا -كما تقدم معنا- أن طريقة العلماء -رحمهم الله تعالى- في كتب الفقه متنوعة. فجرت عادة الفقهاء -رحمهم الله تعالى- في كتبهم أنهم يبدأون كتب الفقه بأحكام العبادات، فإذا فرغوا من ذلك انتقلوا إلى أحكام المعاملات. ولهم في ذلك طريقان: منهم من يبدأ بالمعاملات التي هي بمعنى البيوع وما تعلق بها، ومنهم من يبدأ بمسائل النكاح وما تعلق بها. وكما نرى في كتابنا هذا أنهم بدأوا بكتاب البيوع وما تعلق به، ثم أتبعوا ذلك بكتاب النكاح وما تعلق به. والسبب في ذلك -كما علل ذلك بعض أهل العلم- أن الكلام في باب المعاملات عام شامل يحتاج إليه جميع الناس، فجميع الناس يحتاجون إلى المعاملات بمعنى البيع والشراء، فقدم ما يحتاجه الناس عمومًا على كتاب النكاح؛ لأنه يحتاج إليه طائفة من الناس، أو قل: يحتاج إليه ليس كل الناس. فباب النكاح هو كذلك من الأبواب الفقهية، وذكرها هنا بأنه باب كثير من الفقهاء يعنون عليه بكتاب، وهو الأولى في ذلك. ولكن -كما هو معلوم- أن للعلماء -رحمهم الله تعالى- طرقًا وأساليب في كتبهم في التبويب أو الفصول أو الكتب أو ما شابه ذلك. فالباب الأول ها هنا في النكاح، وفيه مسائل. وقول في النكاح، أي في الكلام على أحكام النكاح وما تضمنه من مسائل. المسألة الأولى: تعريف النكاح وأدلة مشروعيته. ألف: تعريف النكاح. النكاح لغة: الضم والجمع والتداخل، يقال: مأخوذ من تناكح الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض، أو من نكح المطر الأرض إذا اختلط بثراها. فالحاصل أن النكاح في اللغة -كما ذكر- أنه يطلق على معنى الجمع، على معنى الضم والجمع والتداخل. على أن بعض أهل اللغة -رحمهم الله تعالى- لا يرضون أن يكون الضم معين نكاح، والأمر في ذلك واسع. وشرعًا: عقد يتضمن إباحة استمتاع كل من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع. تعريف النكاح شرعًا ها هنا مبني على مسألة ذكرها الفقهاء -رحمهم الله تعالى-. هذه المسألة هي: هل عقد النكاح عقد انتفاع أو عقد استمتاع؟ هل عقد النكاح هو عقد انتفاع أو عقد استمتاع؟ فذهب إلى الأول طائفة، وإلى الثاني طائفة أخرى. ومعنى هذا أولًا: ما معنى عقد انتفاع؟ معناه: هل عقد النكاح الذي يحصل بين الرجل والمرأة بواسطة ولي المرأة، هل أصل ذلك العقد وسبب ذلك العقد لأجل أن ينتفع الرجل بالمرأة؟ هل أصل العقد لأجل أن ينتفع الرجل بالمرأة، أي ينتفع بها باعتبار ما يكون من الرجل لمرأته، وباعتبار ما تقوم به المرأة من خدمة الزوج وما شابه ذلك؟ أو أن العقد أصلا لأجل الاستمتاع، استمتاع، إباحة استمتاع الرجل بالمرأة؟ ذهب إلى هذا قوم، وإلى الآخر قوم. والأظهر -وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن عقد النكاح يتضمن الأمرين، أن عقد النكاح يتضمن الأمرين. فهو عقد انتفاع يحصل به انتفاع الرجل من امرأته باعتبار ما يستمتع بها وتستمتع به، وباعتبار ما يحصل كذلك من منافع المرأة بالرجل والرجل بالمرأة. فالرجل ينتفع بالمرأة باعتبار ما تقوم به المرأة من أمور زوجها من خدمة زوجها ومن إصلاح أمر زوجها وما شابه ذلك. وهو كذلك عقد انتفاع يحصل به كذلك انتفاع من المرأة بزوجها، باعتبار كذلك ما يحصل من استمتاع المرأة بزوجها، وما يحصل كذلك من قيام الرجل بامرأته بما تحتاج إليه من مأكل وملبس ومسكن وما شابه ذلك من الأمور التي تحتاجها الزوجة من زوجها. وهذا هو الذي تدل عليه عمومات الأدلة. هذا المعنى الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- هو الذي تدل عليه عمومات الأدلة، وعليه كذلك تنطبق قواعد الشريعة. ومنه يعلم صحة هذا التعريف. فالأول أن يقال في عقد النكاح: هو عقد يتضمن إباحة استمتاع كل من الزوجين بالآخر، وانتفاع كلا الزوجين من الآخر على الوجه المشروع، أي المأذون به شرعًا، أي على حسب الضوابط والقواعد والشروط التي جاءت بها الشريعة. أي ما يحل للرجل من امرأته من الانتفاع والاستمتاع، وما يحل للمرأة من الاستمتاع والانتفاع بزوجها بضوابطها وشروطها وقواعدها التي جاءت بها أدلة الشريعة. فهو في الحقيقة -كما ترون- عقد. وقولهم: عقد، يدل على أنه من باب المعاملات، ولكنه -كما تقدم- من باب المعاملات الخاصة؛ لأنه عقد نكاح يتضمن إباحة استمتاع كل من الزوجين بالآخر، ومع ما ذكر وانتفاع كل من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع. ما أدلة مشروعية النكاح؟ أدلة مشروعية النكاح، أي ما هي الأدلة على مشروعية النكاح؟ الأصل في مشروعية النكاح: الكتاب، والسنة، والإجماع. فقد دل على مشروعية النكاح آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾ دل على مشروعية النكاح. وقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ كذلك يدل على هذا المعنى، أي على مشروعية النكاح. وأحاديث كثيرة، منها حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء». فقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج» دل على مشروعية النكاح. وتخصيص النبي -صلى الله عليه وسلم- للشباب لا ليس معناه أن غير الشباب لا يتناولهم هذا الحكم، ولكن -كما ذكر من ذكر من العلماء- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خاطب الشباب بهذا الخطاب؛ لأنهم أكثر الناس حاجة للزواج وللنكاح، فكان الخطاب موجهًا إليهم، بخلاف الكبير؛ فإن حاجته للنكاح تكون أضعف وأقل من حاجة الشاب. قال: «فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». وحديث معقل بن يسار -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم». والحديث -كما ذكر- صححه الحاكم، أو رواه أبو داود والنسائي، وصححه العلامة الألباني، وكذا شيخنا العلامة الوادعي -في الصحيح المسند- رحم الله الجميع. والشاهد منه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تزوجوا الودود الولود». وأقل أحواله -أي هذه الصيغة- أنها تدل على المشروعية والاستحباب. قال: وقد أجمع المسلمون على مشروعية النكاح. وقد أجمع المسلمون على مشروعية النكاح. وهذا -بحمد الله تبارك وتعالى- ليس فيه نزاع بين أحد من الناس، أي في مشروعية النكاح بشروطه وضوابطه التي جاءت بها الشريعة. المسألة الثانية: الحكمة في مشروعية النكاح. لقد شرع الله -سبحانه وتعالى- النكاح لحكم سامية يمكن إجمالها في الآتي، أي يمكن إجمال تلك الحكم في الآتي. أولها: إعفاف الفروج؛ إذ خلق الله تعالى هذا الإنسان وغرز في كيانه الغريزة الجنسية، فشرع الله الزواج لإشباعها لضبطها ولعدم العبث فيها. فإذا من مقاصد النكاح: الإعفاف للرجل والإعفاف للمرأة بالزواج. وهذا قد يستفاد من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». فهذا فيه معنى إعفاف للفروج، وأيضًا سبب لغض الأبصار. الأمر الثاني: حصول السكن والأنس بين الزوجين، وحصول الراحة والاستقرار. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. فهذه الآية تدل على المعاني المذكورة من حصول السكن من الزواج، وحصول كذلك المودة والرحمة بين الزوجين، فهي من آيات الله -تبارك وتعالى- الكونية التي تكون بسبب الزواج. الأمر الثالث: حفظ الأنساب وترابط القرابة والأذا بعضها ببعض. فهو -أي الزواج- من أسباب حصول الترابط الأسري، الترابط الاجتماعي بين الزوج والزوجة، وبينه وبين أهل الزوجة؛ بسبب تلك العلاقة التي شرعها الله -تبارك وتعالى-. الرابع: بقاء النسل البشري وتكثير عدد المسلمين لإغاظة الكفار بهم ولنشر دين الله. يدل عليه ما تقدم من حديث: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم». وجاء في حديث أنس: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم كذلك الأمم». الأمر الخامس: الحفاظ على الأخلاق من الهبوط والتردي في هاوية الزنا والعلاقات المشبوهة. وهذه من سماحة هذه الشريعة وشموليتها وكمالها؛ إذ أنها ما تغلق على الناس بابًا من أبواب الشر إلا وفتحت أمامهم أبوابًا من أبواب الخيرات. فنهى ربنا -تبارك وتعالى- عن الزنا؛ لأنه دناءة ورذالة وخس وخبث. وفي المقابل فتح لهم بابًا من أبواب العفة والطهارة، وهي باب النكاح والزواج المشروع. والزواج المشروع به يعف المرء نفسه، ويحصل ما يحصل من المقاصد الشرعية السامية التي أرادها الله -تبارك وتعالى- من الزواج. فهذه بعض حكم الزواج التي قد تظهر من الأدلة. المسألة الثالثة: حكم النكاح واختيار الزوجة. حكم النكاح يختلف حكم النكاح من شخص لآخر، بمعنى أن النكاح لا يعمم فيه كل شخص بحكم واحد، ويضطرد ذلك الحكم على كل إنسان. بل إن النكاح يختلف من شخص إلى آخر. لذا ذكر من ذكر من العلماء -رحمهم الله تعالى- كالإمام ابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى- قال: بأن حكم النكاح يدور أو ينقسم إلى خمسة أقسام، كأقسام الأحكام التكليفية. بمعنى أنه قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون محرمًا؛ باختلاف الأشخاص، وما ترتب على ذلك العقد بسبب اختلاف الأشخاص. فكما ذكر هاهنا قالوا: يختلف حكم النكاح من شخص لآخر. أولًا: يكون واجبًا إذا كان الشخص يخاف على نفسه من الوقوع في الزنا، وكان قادرًا على تكاليف الزواج ونفقاته؛ لأن الزواج طريق عفافه وصونه عن الوقوع في الحرام. فإن لم يستطع فعليه بالصوم، وليستعفف حتى يغنيه الله من فضله. أي: هذه الحالة الأولى: الرجل عنده قدرة على مؤنة الزواج، وعنده كذلك قوة يريد الزواج ويخشى على نفسه من الوقوع في الحرام. يخشى على نفسه من الوقوع في الحرام. فمثل هذا يجب عليه الزواج؛ لماذا؟ لأجل أن لا يقع فيما حرمه الله -تبارك وتعالى- عليه، حتى لا يقع في الحرام ما دام أنه قادر -القدرة البدنية والقدرة المالية- فإنه يجب عليه الزواج. واستدل بعض أهل العلم بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج». فقول -صلى الله عليه وسلم-: «فليتزوج» فعل أمر يدل على وجوب ذلك لمن كان مستطيعًا، ولا سيما إذا أضيف إلى ذلك أنه يخشى على نفسه من الوقوع فيما حرمه الله -تبارك وتعالى- عليه. ثانيًا: يكون مسنونًا إذا كان الشخص ذا شهوة، ويملك مؤنة النكاح، ولا يخاف على نفسه الزنا؛ لعموم الآيات والأحاديث الواردة في الحث على الزواج والترغيب فيه. وهذا الأمر فيه واضح. الحالة الثالثة: يكون مكروهًا إذا كان الشخص غير محتاج إليه، بأن كان عنينًا أو كبيرًا أو مريضًا لا شهوة له. أي: كبيرًا لا شهوة له، أو مريضًا لا شهوة له، أو عنينًا. والعنين: الذي لا يقدر على إتيان النساء، أو لا يشتهيهن، لا يشتهي النساء. فمثل هذا ذكر بأنه مكروه؛ لماذا؟ لأنه لا يحصل مقصد النكاح منه للمرأة، ولا بالعكس، لا يحصل مقصد النكاح منه للمرأة، ولا بالعكس. بمعنى أنه لا يحصل للمرأة إعفاف، لا يحصل للمرأة إعفاف بذلك الزوج؛ لماذا؟ لأنه ليس له قدرة أو شهوة لإتيان النساء، فيحصل فيه معنى الإضرار بالمرأة. وهذه -كما ترون- ثلاثة. وزيد رابع، وهو: كما سمعتم الأمر المباح. وذلك في رجل ليس له حاجة، أو لا يخشى على نفسه من إتيان النساء، وليس عنده كذلك مؤنة للنكاح. فهذا النكاح في حقه مباح، إن استطاع تزوج، وإلا فلا يجب عليه. والخامس، وهو القسم الخامس: ذكر بأنه محرم، وذلك في رجل يتزوج لا لأجل الإعفاف لنفسه، ولا للمرأة، ولكن لأجل الإضرار، لأجل الإضرار بالمرأة. فهذا النكاح يكون محرمًا؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار». يعني: بعضهم -كما يقال- فيه عقدة نفسية، يريد أن يضر ما يضر من النساء، يقول: سأتزوجها وأعلقها، لا يريد النكاح بها لأجل أن يحصل أو تحصل مقاصد شرعية، لكن لأجل إضرار بها. أو يتزوجها لأجل إحلالها لزوجها الأول، يتزوجها لأجل إحلالها لزوجها الأول -كما يحصل من مما يسميه الفقهاء بالتيس المستعار- يتزوج المرأة لا لإبقائها، ولكن لأجل أن يحلها لزوجها الأول. فهذا نكاح محرم، وعلى الصحيح أنه من الأنكحة الفاسدة. الأمر الثاني: اختيار الزوجة ومقومات ذلك. قالوا: ويسن نكاح المرأة ذات الدين. يسن نكاح المرأة ذات الدين والعفاف والأصل الطيب والحسب والجمال؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاضفر بذات الدين؛ تربت يداك». والحديث متفق عليه. فأشهد منه أن المقصد الذي لأجله تنكح المرأة إما لجمالها، يعني: الرجل إما أن ينكح المرأة؛ لأنها جميلة أعجبته، فيتزوجها. رجل آخر ربما يتزوج المرأة؛ لأنها ذات حسب. رجل آخر ربما يتزوج المرأة؛ لأنها ذات مال. ورجل آخر ربما يتزوج المرأة لأجل دينها، لأجل دينها. فهذا الصنف، وهذا القسم، وهذا النوع من الناس هو الموفق. قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: «فاضفر بذات الدين؛ تربت يداك». لكن لا شك ولا ريب أن الرجل لو وجد امرأة قد اكتملت فيها صفات الكمال -يعني في نظره- رأى امرأة ذات دين وجمال، وكذلك مال وحسب. فهذه -كما يقال- كمال على كمال، هذه كمال على كمال. فإن تعارضت قدم ذات الدين. إن تعارضت هذه الأمور قدم ذات الدين. قال: فيحرص على ذات الدين في المقام الأول، ويجعل ذلك أساس الاختيار لا غيره. ويسن أيضًا اختيار الزوجة الولود؛ لحديث أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «تزوجوا الولود الودود؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». والحديث كذلك صحيح، رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وغيره. قال: ويسن اختيار البكر؛ لحديث جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: «فهل لا بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟» أي: يستحب أن يتزوج الرجل البكر من النساء. قالوا: إلا إذا كانت هناك مصلحة ترجح نكاح الثيب، فيقدمها على البكر؛ كما حصل ذلك من جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- حينما تزوج امرأة ثيبًا، ثيبًا، وقدمها على البكر. فلما قيل له: قال: «إن عندي أخوات، فأكره أن أضم إليهن أخرى» -أو كما قال- رضي الله عنه وأرضاه. قال: ويختار الجميلة؛ لأنها أسكن لنفسه، وأغض لبصره، وأدعى لمودته. فهذه بعض الأمور المقومات للزوجة. وكما سمعتم أن الرجل أول ما ينظر ينظر إلى الدين، ينظر إلى الدين. فإن كان مع الدين جمال فالحمد لله، إن كان معه كذلك حسب فالحمد لله، إن كان معه مال فالحمد لله، خير على خير، خير على خير. لكن إن تعارضت: امرأة جميلة ليست ذات دين، وأخرى ليست جميلة ولكنها ذات دين. فبما يأخذ؟ ومن يختار؟ يختار من اختاره له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فاضفر بذات الدين؛ تربت يداك». وهذا فيه معنى الدعاء والحث منه -صلى الله عليه وسلم- بهذا الأسلوب، أليس ظاهره ظاهره عند العرب أن فيه معنى من معاني الدعاء على الشخص؟ وحقيقته ومعناه: الدعاء لشخص -كما عرف ذلك من أدلة كثيرة- وهو -كما يقال- أسلوب عربي فصيح تعارف به أو عليه العرب. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على