الدرس في كتاب الجنايات 5، ألقاها
قتل الخطأ هو القتل بدون قصد ويشمل ثلاثة أنواع، ويعتبر مباحًا في الأصل ولكنه يؤدي إلى قتل معصوم. يُقسم إلى الخطأ في الفعل والقصد والتسبيب.
قتل الخطأ لا إثم عليه في الآخرة، وفي الدنيا تجب الدية على عاقلة القاتل مؤجلة ثلاث سنين. الدية تكون مخففة في خمسة أنواع من الإبل وتجب على أقرباء القاتل من جهة الأب.
تجب كفارة القتل الخطأ مع الدية وتكون بعتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين. إذا عجز عن الصوم ينتقل إلى الإطعام كما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
الإفطار لعذر شرعي لا يؤثر في تتابع الصيام، وكل إفطار بدون عذر شرعي يؤثر في التتابع. إذا أفطر الإنسان لعذر شرعي عليه أن يواصل صيامه ولا يبدأ من جديد.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. القسم الثالث أي من أقسام القتل قتل الخطأ، وحقيقته أن يقتل شخصًا من غير قصد لقتله، يعني أصلًا ورأسًا لا أنه قصد الاعتداء عليه، ولا كذلك ضربه بشيء يقتل غالبًا، فهو كما ذكرنا يقتل شخصٌ شخصًا من غير قصد لقتله، وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا الكلام على أنواع الخطأ، ومنه يتبين أن الخطأ قد يكون في الفعل، وقد يكون في القصد، وقد يكون كذلك بالتسبُّب بذلك القتل وإن لم يقصد ذلك. أنواع القتل الخطأ أولًا الخطأ في الفعل، وهو أن يفعل ما يجوز له فعله فيصيب آدميًا معصومًا لم يقصده، كأن يرمي صيدًا فيصيب إنسانًا فيقتله، أو ينقلب وهو نائم على إنسان فيموت، هذا من أنواع قاتل الخطأ، وهو بالفعل، أي أنه فعل فعلًا هذا الفعل أدَّى إلى قتل إنسان معصوم، فهذا يسمى قاتل الخطأ. القاتل الخطأ كما ذُكر هاهنا أن يفعل ما يجوز له فعله فيصيب آدميًا معصومًا لم يقصده، كما مثل إنسان مثلًا يتتبع الصيد فرمى على صيد فإذا بإنسان يعترض تلك الرمية فيموت بسبب ذلك، أو أنه يخطئ ذلك الصيد فتقع الرمية في إنسان معصوم فيموت بسببها، فهذا من نوع قتل الخطأ في الفعل، أنه فعل فعلًا أدى إلى قتل معصوم. القتل الخطأ كما ذُكر أن يُصيب آدميًا، فخرج ما إذا أصاب غير الآدمي، فإنه ليس من القتل الخطأ، وكذلك خرج ما إذا كان آدميًا ولكن غير معصوم، يعني آدميًا ولكن ليس بمعصوم كقتله للكفار الحربيين الذين أمر الشرع بقتلهم بحسب الضوابط الشرعية. أو كما ذُكر أو ينقلب إنسان وهو نائم على إنسان فيموت، يعني مثلًا أم تُرضِع ولدها فمات بسبب انقلابه عليها، فهذا كذلك من قتل الخطأ، أو أن إنسان مثلًا كان في مكان مرتفع فتزحلق وسقط من ذلك المكان المرتفع فوقع على إنسان فمات، هذا كذلك من قتل الخطأ. وكذلك لو أن إنسان كان يسير في سيارة يقود سيارة ففوجئ باعتراض إنسان له فضربه أو أصابه بتلك السيارة فمات، فهذا كذلك من قتل الخطأ، فالحاصل أنه يدخل في الفعل كل فعل يفعله الإنسان وهو في أصله مباح، هو في أصله مباح ولكن يؤدي إلى قتل معصوم، يؤدي إلى قتل آدمي معصوم، فهذا من قتل الخطأ. هذا من قتل الخطأ بالفعل، لأنه أصلًا ورأسًا ما قصد القتل، ما قصد القتل ولكن وقع القتل بسبب فعله الذي لم يقصده، أو أن إنسانًا مثلًا يمزح مع إنسان مع صاحبه، فمثلًا ضربه ضربة خفيفة وأراد ذلك الصاحب أن يبتعد منه فوقع وهوى فمات بسبب تلك الدفعة الخفيفة التي لم يقصد بها العدوان وإنما قصد المزاح والمداعبة، فمثل هذا كذلك من قتل الخطأ. فالحاصل أن الضابط العام في قتل الخطأ هو كل فعل يصدر من إنسان الأصل في ذلك الفعل أنه مباح، فيؤدي إلى قتل آدمي معصوم من غير قصد، فهذا من قتل الخطأ. قد يقول قائل ما الفرق إذن بين قتل الخطأ وبين القتل شبه العمد؟ فالجواب أنه كما تقدم معنا في الدرس الماضي أن شبه العمد فيه معنى القصد إلى العدوان على الغير، لكن لا يريد بذلك العدوان القاتل، بخلاف الخاطئ فإنه ليس له إرادة في ذلك الغير أصلا ورأسًا، ليس له إرادة ولا قصد في ذلك الغير أصلا ورأسًا. ثانيًا الخطأ في القصد، من أنواع القتل الخطأ أن يقتل إنسان إنسانًا خطأ بالقصد، كيف هذا؟ قالوا كأن يرمي ما يظنه مباحًا فيتبين آدميًا، كما لو رمى شيئًا يظنه صيدًا فيتبين آدميًا معصومًا، هذا من هذا الباب. يعني إنسان مثلًا يتتبع الصيد فيرى مثلًا خلف الأشجار أشياء تتحرك، أشياء تتحرك فيظنها من الصيد، أو يظنها وحشًا يريد أن يعتدي عليه، فيضرب على ذلك الشيء المتحرك فيتبين أنه آدمي معصوم قتل بسبب تلك الرمية، فهذا أيضًا من قاتل الخطأ، وهو من خطأ في القصد. لماذا من خطأ في القصد؟ لأنه قصد الرمي، ولكن لم يقصد الآدمي المعصوم، ولكن قصد ما هو مباح، فقتل آدميًا معصومًا، فهذا كذلك من قتل خطأ. هذا كذلك من قتل خطأ، لكن في ماذا؟ في القصد، الأول بالفعل الأول ليس له قصد أصلا في القاتل، أما الثاني له قصد، لكن ذلك القصد أخطأ فيه، ظنه حيوانًا مفترسًا، ظنه صيدًا فإذا به آدمي معصوم، هذا أيضًا من قتل خطأ. ومن أنواع القاتل الخطأ أيضًا أن يكون القاتل عمدًا صغيرًا أو مجنونًا، القاتل نفسه صغير أو مجنون، فعمد الصبي والمجنون يجري مجرى الخطأ، كما تقدم معنا في شروط قتل الخطأ، أنه إذا صدر من مجنون أو صدر من طفل، أنه يعامل معاملة الخطأ. لماذا؟ لأنهما ليس لهما قصد، إما أصلا ورأسًا أو ليس لهما قصد صحيح، ليس لهما قصد أصلا للقاتل، أو أنهم ليس لهم قصد صحيح، هذا من حيث المعنى والتعليل، ومن حيث الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ»، كما جاء في حديث علي وعمر وعائشة وأنس ويعلى وطائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. لأن الصغير كما ذكر والمجنون لا قصد لهما أصلا، أو لا قصد لهما صحيح، فليس قتلهم بالقتل العمد لعدم وجود القصد، وهو كذلك بشبه العمد لأنه كذلك لا يوجد منهما القصد الصحيح أصلا أو القصد التام أصلا. ويلحق بقتل الخطأ القتل بالتسبيب أو بالتسبب، كما لو حفر بئرًا أو حفرة في طريق فتردى بسبب ذلك إنسان، يعني إنسان مثلًا يحفر بئرًا يريد أن يحفر بئرًا أو يحفر مثلًا مصرفًا للماء في طريق الناس، ولا يفعل شيئًا يحذر الناس ويبعد الناس عن تلك الحفرة، فمر بها آدمي فوقع فمات، ذلك الحافر يكون قاتلًا لذلك الذي وقع في تلك الحفرة فمات، لأنه تسبب في قتله، فيكون من قتل خطأ. ويكون من قتل الخطأ، لماذا؟ لأنه تسبب في القتل، لأنه تسبب في قتله، ويدخل فيه كذلك كل من تسبب في قتل غيره، وكان ذلك، التسبب عن تفريط، يعني مثاله كما تقدم هنا فيمن حفر حفرة، أيضًا لو أن إنسان عنده سيارة يعمل مثلًا في تاكسي أجرة أو غير ذلك، وكان أركب معه أناس، وكانت السيارة فيها بعض الأعطال، فسبب ذلك حادثًا مات بسببه أناس في السيارة، هذا يكون كذلك من قتل خطأ. هذا يكون من قتل الخطأ إن كان عن تفريط، أما إذا لم يكن عن تفريط، كأن تكون السيارة كما يقال جديدة متقنة مصونة، والرجل يسير السير الاعتيادي من غير إفراط ولا تعد، فجاء أمر الله جل وعلا من غير تفريط ولا تعد منه، فمثل هذه الصورة أفتى جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى أنه ليس من قتل الخطأ، لأنه لا يقال بأنه تسبب في ذلك القتل، لأنه لم يكن عن تعد ولا عن تفريط. حكم قتل خطأ، لهذا القتل حكمان، كغيره من أنواع القتل، الأول حكم أخروي، وهو عدم الإثم والعقاب، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وهذا الحديث من أهل العلم من يصححه، ومنهم من يحسنه بمجموع طرقه، وبعض الحفاظ يتكلم فيه، لكن يغني عنه غيره من الأدلة. كقول الله جل وعلا: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا»، وقول الله جل وعلا: «ولكن ما كسبت ولكن ما تعمدت قلوبكم»، وكذلك غيرها من الأدلة الدالة على هذا المعنى، «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها»، وهذا من فوق الوسع، هذا كما سمعتم باعتبار الحكم الأخروي، فليس صاحبه بمؤاخذ، لأنه ليس له قصد في ذلك القاتل لذلك الغير، فليس بمؤاخذ، كغيرهم من الأحكام، أليس تصدر من الإنسان خطأ؟ أليس تصدر من الإنسان خطأ؟ فإنه لا يلام عليها، لأنه حصل منه على سبيل الخطأ، وإنما يؤاخذ الإنسان بالعمد، بما كسب قلبه وقصد قلبه لذلك العمل. هذا كما سمعتم باعتبار الدليل، وباعتبار التعليل، ليس عليه إثم، لأنه ليس له قصد في ذلك الفعل، ليس له قصد في ذلك الفعل، الفعل، فأشبه غيره من من يفعل فعلًا من غير قصد، من غير قصد، فإنه لا يؤاخذ عليه. الثاني حكم دنيوي، وهو وجوب الدية على عاقلة القاتل، طيب العاقلة من هي؟ العاقلة هم أقرباء القاتل من جهة الأب، أقرباء القاتل وعصبته من جهة الأب، فيدخل فيه ورثة القاتل بالفروض وبالتعصيب، وتبتدئ العصبة بالأدنى فالأدنى، يعني الدية تجب على العاقلة الأقربون، يعني الأب، الأعمام، الإخوة، الجد، ومن حوله، إن استطاعوا أن يوفوا بالدية، بذلك ونعمة ما استطاعوا. يرتفعوا إلى من فوقهم، يعني أولًا جهة الأب، ثم فوق الأب جهة الجد، أبو الجد، أبو الجد، أبو الجد، إلى أن تكون القبيلة كلها، لأن القبيلة كلها ترجع إلى جد واحد، فهؤلاء العصبة، لكن يبدأ بماذا؟ الأقرب فالأقرب، الأقرب فالأقرب، فإن استوفوا الدية الأقرب فبها ونعمة، ما استطاعت أموالهم الدية، يدخلون معهم من يليهم، ما استطاعوا يدخلون معهم من يليهم، وهكذا. يعني الأب ما استطاعوا، الأب، وما تفرع عن الأب ما استطاعوا، الجد وما تفرع عن الجد ما استطاعوا، أب الجد وما تفرع عن أبي الجد ما استطاعوا، جد الجد وما تفرع عن جد الجد، وهكذا، وهكذا تكون العصبة الأقرب فالأقرب. وسميت العاقلة عاقلة، لأنهم كانوا يعقلون الإبل في فناء بيت أولياء المقتول، يعقلونها، فكان هؤلاء يسمون ماذا؟ عاقلة، أي عاقلة يعقلون الإبل، إبل الدية، فأطلق هذا الاسم على من وجب عليهم الدية، يقال الدية على العاقلة، أي الذي عليهم عقل الإبل، الذي هي إبل الدية. حكم دنيوي، وهو وجوب أدية على عاقلة القاتل مؤجلة ثلاث سنين، ومخففة في خمسة أنواع من الإبل، يعني في قتل خطأ، لأنه كان عن خطأ، كان فيها التخفيف، أنه على العاقلة، أنه لمدة ثلاث سنين، وأنه كذلك مخفف، دية مخففة، ليست بمغلظة كدية القاتل العمد، أو القاتل شبه العمد. لماذا؟ لأن العمد متعمد للقاتل، وشبه العمد متعمد للعدوان وإن لم يكن متعمدًا للقاتل، أما الخطأ فليس أصلا متعمدًا للقاتل، فخفف عنه ذلك، خفف عنه ذلك، لهذا المعنى، ووجبت الدية لحق المقتول وأولياء المقتول. وهذا يدلنا على عدل هذه الشريعة، فليس فيها ظلم للقاتل بالتغليظ في الدية كغيره من أصحاب القتل العمد وشبه العمد، وليس فيه كذلك إسقاط لحق الغير ممن قتل، وحق أولياء الدم، فكان من التشريع العادل أنه نزل هذا الحكم الذي فيه معنى العدل التام لكلا الأطراف أو لكلا الطرفين. قالوا حكم دنيوي، وهو وجوب الدية على عاقلة القاتل مؤجلة ثلاث سنين، ومخففة في خمسة أنواع من الإبل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة». الغرة هو البياض، وقوله صلى الله عليه وسلم: «بغرة عبد أو أمة»، قالوا: أي بعبد أبيض أو أمة بيضاء، والظاهر والله أعلم لأنه أثمن، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، أي القاتلة توفيت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني قوله- ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت، المراد أن المرأة التي قضى لها بالغرة وهي المجن عليها، أي المقتولة لا القاتلة، قتل جنينها أولًا ثم لحقت بجنينها ثانيًا. مع أن ظاهر السياق قد يفهم منه أن المتوفاة القاتلة، لكن ذكر هذا النووي رحمه الله تعالى قال: «فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لزوجها وبنيها، وأن العقل على عصبتها»، وهذا يبين أن المتوفاة هي أم ذلك الجنين الذي مات بسبب ضرب الأخرى لها، أن ميراثها لزوجها وبنيها، وأن العقل على عصبتها، أي على عصبة من قتلت، وأن العقل على عصبة من قتلت. وهذا يدلنا على أن قتل خطأ فيه الدية، وأن الدية فيه كما ذكر مخففة، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا الكلام على ذلك في الديات. قال: وتجب مع الدية كفارة، وهي كما يأتي: عتق رقبة مؤمنة، وهذا إذا كان يستطيع العتق، ويشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة، سليمة من العيوب، أي ليس بعوراء، بعرجاء، ليس بمريضة، تكون سالمة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، الشاهد: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قالوا: فإن لم يتمكن العتق لفقره، أي ليس عنده ما يُعتق به رقبة، أو لعدم وجود الرقيق كما هو الحال عندنا في هذه الأزمان، الرقيق لا يكاد يكون موجودًا، فإنه ينتقل إلى صوم شهرين متتابعين، إن كان يستطيع، ما عنده استطاعة ينتقل إلى مال، إلى الصوم، والصوم يشترط في أن يكون شهرين متتابعين، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. فإن عجز عن الصوم لمرض أو لكبر سن، بقيت الكفارة متعلقة في ذمته، ولا يُجزئ عنه الإطعام، لأن الله تعالى لم يذكره، والأبدال في الكفارة تتوقف على النص دون القياس. لكن إذا تصورنا هذه المسألة سنجد أننا علقنا الحكم على شخص بما لا يستطيع، والشريعة لم تأت بمثل هذا الحكم، أي بتكليف الإنسان شيئًا لا يستطيعه، بتكليف الإنسان شيئًا لا يستطيعه، لقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، «ربنا لا تكلف علينا ما لا طاقة لنا به»، ولقوله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم به من أمر فأتوا منه ما استطعتم». فماذا؟ يعني الرجل لا يستطيع، كأن يكون القاتل خطأً كبيرًا في السن، أو مريضًا مرضًا مزمنًا لا يستطيع معه صيام الفرض فضلًا عن صيام الكفارة، كفارة القاتل، فماذا يصنع؟ لا شيء عليه. الجواب كما سمعتم ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه تبقى متعلقة في ذمته إلى أن يستطيع، لكن إذا ما استطاع ذهب آخرون إلى أنه ينتقل إلى البدل، إلى أنه ينتقل إلى البدل، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. إن صوم الفرض أوكد، صوم الفرض أوكد من صوم كفارة القاتل، ومع هذا جعل الله جل وعلا بدلًا عند عدم القدرة والاستطاعة، وهو الإطعام، من باب أولى، فهذا من باب أولى، فيكون هذا من باب القياس الجلي، فيكون هذا من باب القياس الجلي المعتبر. والقول ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الذي تدل عليه عمومات الأدلة والنصوص الشرعية، من أن الإنسان إذا ما استطاع شيئًا انتقل إلى البدل، إذا ما استطاع شيئًا انتقل إلى البدل، كما هو معلوم في جميع الكفارات، بل والصيام، صيام الفرض ينتقل إلى البدل، صيام كفارة الظهار ينتقل إلى ماذا؟ إلى البدل. في كفارة الظهار، بعد أن ذكر الإعتاق قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، فإطعام ستين مسكينًا، ذلك لتؤمنوا بالله والرسول، وتلك حدود الله، وللكافرين عذاب أليم. أشاهد أن في صيام الفرض من لم يستطع انتقل إلى ماذا؟ إلى الإطعام، على القول الصحيح الذي عليه جماهير العلماء، وكذلك في كفارة الظهار، كذلك في أمر غيرها، في أمر غيرها من الكفارات، ككفارات من وقع منه محظور من محظورات الإحرام، فإنه ينتقل إلى ماذا؟ إلى البدل. وها هنا كذلك، وها هنا كذلك، فالذي قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وجيه، وهو الذي تدل عليه الأدلة، فقول هاهنا: والأبدال في الكفارة تتوقف على النص دون القياس، يقول أن نعم، إلا إذا كان النص أو القياس جليًا فإنه يعمل به باتفاق، باتفاق من يقول بالقياس، بل من لم يقول بالقياس يعمل به، ويسميه عموم النص، يسميه عموم النص أو فحوى الخطاب. وهذا من هذا الباب، وهذا من هذا الباب، والله تعالى أعلى وأعلم. وصوم الشهرين المتتابعين يشترط فيه في الصيام الذي وكفارة القاتل أن يكون شهرين متتابعين، أن يكون شهرين، وأن يكون متتابعين، أما الشهران فإذا ابتدأ صيام الشهر من أول يوم، يعني مثلًا دخل عليه شهر صفر، نحن الآن في آخر محرم مثلًا، ابتدأ الصوم في أول صفر، أول صفر، فصادف أن شهر صفر في هذه السنة مثلًا تسع وعشرين يومًا، هل يكون قد صام شهرًا؟ أم نقول أكمل يومًا حتى يكون ثلاثين؟ ما هو الجواب؟ يكون صام شهرًا كاملًا. لأن الله جل وعلا لأن الله جل وعلا ما قال: «فصيام ستين يومًا»، ولكن قال ماذا؟ ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الشهر هكذا وهكذا»، عد تسع وعشرين تارة وثلاثين تارة أخرى، أول تسع وعشرين، وصادف أيضًا شهر الثاني أنه تسع وعشرين، يعني ابتدأ الصيام في أول صفر، صادف أن كان صفر في هذا العام تسع وعشرين يومًا، ثم صام بعد صفر ربيع الأول، وكان كذلك تسع وعشرين يومًا، أكمل صيام ربيع الثاني، هل عليه شيء بقي؟ الجواب ماذا؟ ليس عليه شيء، لأنه صام شهرين متتابعين. لكن لو أنه صام ابتدأ الصيام في أثناء الشهر، لو أنه ابتدأ الصيام في أثناء الشهر، يعني بعد مضي عشرة أيام، خمسة أيام، عشرين يومًا، ابتدأ الصيام في أثناء الشهر، فكم يصوم؟ الجواب أنه يصوم ثلاثين يومًا، يصوم ثلاثين يومًا، وثلاثين يومًا، كم سيكون الصيام؟ ستين يومًا، لأنه تمام الشهر، ستين يومًا، تمام الشهر، وتمام الصيام أنه ستين يومًا، وهذا لم يبتدئ الشهر من أول حتى يقال بأنه صام شهرًا كاملًا، فلذلك يصوم ستين يومًا متتابعين. ويشترط في الصيام أن يكون متتابعًا، أن يكون متتابعًا، فلو أنه أفطر بعد شهر ونصف لغير حاجة، يعني صام الرجل شهرًا ونصفًا مثلًا، بعد شهر ونصف جاء عنده ضيوف أعزاء، كرمًا عليه، فقالوا: «تأكل معنا»، تأكل معنا اليوم، يا جماعة صائم أنا، عليك فارق، قالوا: «اليوم»، ثم واصل أكل معهم، فهل يواصل؟ أم يستأنف؟ يعني هل يستأنف الصوم الذي عليه؟ أم يكون نقض صومه؟ الجواب أنه نقض صومه، فيجب عليه أن يعيد الصيام من جديد، يجب عليه أن يصوم من جديد. لكن لو أن إنسانًا أفطر لعذر شرعي، أفطر لعذر شرعي، كامرأة حاضت، امرأة مثلًا عليها كفارة قاتل، فصامت عشرين يومًا، جاءها الحيض أسبوعًا، هل تواصل؟ أم يقال لها: أعيدي من جديد وابدئي من جديد؟ الجواب يقال لها: واصلي، لماذا؟ لأن هذا عذر شرعي. لأن هذا عذر شرعي، أيضًا لو أن إنسانًا صام مثلًا ابتدأ الصيام في ذي الحجة، فجاءت أيام العيد، يوم العيد، فأفطر للعيد، العيد الأضحى، هل نقول له: أعد الصيام من جديد؟ أم نقول له: واصل صيامك؟ الجواب يقال له: واصل، لماذا؟ لأنه أفطر لعذر شرعي، واضحة يا جماعة. فكل إفطار لعذر شرعي لا يؤثر في التتابع، وكل إفطار لغير عذر شرعي فإنه يؤثر في التتابع، هذا خلاصة ما يقال، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.