الدرس في كتاب الطهارة 12، ألقاها
يتناول هذا الفصل آداب قضاء الحاجة والاستجمار، حيث نهى عن مس الذكر باليمين واستخدام اليمين في الاستجمار. وأكد على أهمية إزالة النجاسة بالحجارة وترًا.
يشرح هذا الفصل شروط وأحكام الاستجمار، حيث يبين أن العبرة بإزالة النجاسة ويشترط أن يكون الاستجمار بثلاث مساحات منقية. ويتناول آراء العلماء حول ما إذا كان الاستجمار يجزئ إذا تعدى الخارج موضع الحاجة.
يتناول هذا الفصل شروط ما يُستعمل للاستجمار، حيث يجب أن يكون طاهرًا ومنقيًا ولا يكون طعامًا. ويحذر من الاستهانة في العبادات ويستدل باحاديث نبوية في ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله في كتابه "عمدة الفقه": قال، ولا يمس ذكره بيمينه، ولا يستجمر بها، ثم يستجمر وترًا، ثم يستنجي بالماء. فإن اقتصر على الاستجمار أجزأه. وإنما يجزئ الاستجمار إذا لم يتعدَّ الخارج موضع الحاجة، ولا يُجزئ أقل من ثلاث مساحات منقية. ويجوز الاستجمار بكل طاهر ويكون منقيًا، إلا الروث والعظام وما له حرمة. قوله رحمه الله تعالى: ولا يمس ذكره بيمينه ولا يستجمر بها. هذا النهي مأخوذ من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، وفيههههههه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه. ففيه النهي عن مس الذكر باليمين، وكذلك عن الاستجمار باليمين. وقوله رحمه الله تعالى: ولا يمس ذكره بيمينه ولا يستجمر بها. هل يُحمل هذا على النهي عن مس الذكر مطلقًا، أي حال قضاء الحاجة وحال عدم قضاء الحاجة؟ أم أنه في حال قضاء الحاجة؟ الأظهر الأمران، أي أنه لا يُمس الذكر باليمنى سواء كان عند قضاء الحاجة أو لم يكن عند قضاء الحاجة، إلا إن احتاج إليها، كأن يكون رجل أشل اليد اليسرى أو ما شابه ذلك، فها هنا له أن يستخدمها، ولا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها. لكن عند عدم قضاء الحاجة قد يكون الأمر فيه أهون من حالة قضاء الحاجة. فعند قضاء الحاجة يكون الأمر أشد، أي من حيث الكراهة. بل وصرّح بعضهم بأن النهي هاهنا للتحريم. أخذًا بأصل النهي، لأن الأصل في النهي عند الأصوليين، وكذلك عند الفقهاء، أن الأصل في النهي للتحريم، إلا أن تدل قرينة صارفة تصرف هذا النهي الذي هو للتحريم إلى الكراهة. وبعض أهل العلم أو جماعة من أهل العلم يذهبون إلى أن هذه الأوامر وهذه النواهي إنما هي من باب الآداب، وما كان كذلك فهو من باب الإرشاد. فلأجل هذا المعنى ذهب من ذهب من أهل العلم إلى أن هذا الوصف أنه للكراهة، أن يُكره له أن يفعل ذلك، أن يمس ذكره بيمينه، سواء كان خارج الصلاة أو سواء كان عند قضاء الحاجة أو غير ذلك. إلا أنه في حالة قضاء الحاجة تكون الكراهة أشد. ولا شك ولا ريب أن المسلم الفطين الحريص على دينه يبتعد عن هذه المواطن، ولا سيما أن العلماء رحمهم الله تعالى، كما سمعتم منهم من ذهب في ذلك إلى التحريم. قوله رحمه الله تعالى: ثم يستجمر وترًا. أي أن الإنسان إذا قضى حاجته، سواء غائط أو باول، يستجمر. والاستجمار هو إزالة النجس بالحجارة. وهل للحجارة عدد معين أو وصف معين؟ ذكر هاهنا الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى، فقال: ثم يستجمر وترًا. والوتر هو ضد الشفع، ويصدق على الواحد. فهل معنى هذا أن الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى عنى في هذا المقام أن الإنسان له أن يستنجي بحجرة واحدة، باعتبار أنها وترًا؟ الجواب: لا، لم يُرد هذا. وإنما الكتاب، أو هذا المثل الذي هو "عمدة الأحكام" أو "عمدة الفقه"، الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في عباراته وفي تعريفاته، الغالب فيه أنه يستخدم ألفاظ أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. من هذه الفقرة: ثم يستجمر، وهذا مأخوذ من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه. وجاء من حديث أبي هريرة متفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من استجمر فليوتر. فقال ابن قدامة: ثم يستجمر وترًا. فهذا اللفظ هذا الحكم أُخذ من هذا الحديث. فإن اقتصر على الاستجمار أجزأه. بمعنى أنه لو استجمر فقط أجزأه، لما تقدم معنا من أحاديث كثيرة في هذا الباب، من قوله صلى الله عليه وسلم: أن لا نستجمر بأقل من ثلاثة أحجار، إلى غير ذلك. فيجزئ الإنسان أن يستجمر، ويجزئ الإنسان كذلك أن يستنجي. وإن جمع بين الوصفين، استجمر وغسل، فهذا كما يقال: خير على خير. قوله رحمه الله تعالى: وإنما يجزئ الاستجمار إذا لم يتعدَّ الخارج موضع الحاجة. هذه مسألة أخرى ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى هاهنا، وهي هل يجزئ الاستجمار إذا تعدى الخارج من أحد السبيلين موضعه؟ أم لا يجزئ في هذه الحالة؟ قولان للعلماء من أهل العلم. ذهب إلى أن الخارج من أحد السبيلين إذا تعدى المخرج، فعند تخيل هذه الصورة: إنسان مثله فيه ما يسمى إسهالًا، فحصل في أثناء قضائه للحاجة خرج وتلوث ما حول المخرج. هل في هذه الحالة يجزئه الاستجمار بالحجارة؟ أم لا؟ ذهب جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى في مثل هذه الصورة، وأن الخارج لو تعدى موضع لو تعدى المخرج، فإنه لا يجزئه الاستجمار بالحجارة. لماذا؟ لأن النجاسة ها هنا انتشرت. يقولون: والحجارة لا تنقي تلك التنقية. وإنما حصل ما حصل من إجزائها في الاستجمار لأنه إذا كانت في الموضع فقط في المخرج فقط، فإنها تمسح ويغض الطرف عما تبقى وعن أثرها، من باب التخفيف. فهي جعلوها كأنها رخصة. جعلوا الاستجمار بالحجارة كأنها من باب الرخص. والأصل في باب الرخص أنها لا يُقاس عليها ولا يتعدى ولا تُتعدى إلى غيرها. فلهذا قال: لو تعدى المخرج لا يجزئ الحجارة. إذا كان في المخرج فقط فإن الحجارة تجزئه. هذا قول. وقول آخر للعلماء رحمهم الله تعالى: من أن العبرة بإزالة النجاسة. فمتى حصلت أجزأه ذلك. وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهو أن العبرة بإزالة النجاسة وإزالة عين النجس. فمتى أزيل ذلك فقد حصل المطلوب. قوله رحمه الله تعالى: ولا يُجزئ أقل من ثلاث مساحات منقية. تقدم معنا أقل المسح أن يكون بثلاث، وأن تكون الثلاث منقية. ومعنى هذا أنه إذا لم تكن منقية، لو أن يزيد ويختم بوتر. واضح. لو أن يزيد على الثلاث ويختم بوتر، أي إذا ما حصل تطهير النجاسة إلا بأربعة حجارة، يقال: زد خامسة. قوله رحمه الله تعالى: ويجوز الاستجمار بكل طاهر ويكون منقيًا. هذان وصفان. الوصف الأول أن يكون طاهرًا. فما كان نجسًا فإنه لا يحصل به التطهير. الوصف الثاني أن يكون منقيًا. فما لم يكن منقيًا، أي لا يحصل به الإنقاء، فإنه لا يجزئ في الاستجمار. لماذا؟ لأنه لا يحصل به المطلوب. ما الدليل على هذا؟ الدليل على هذا ما جاء في صحيح مسلم وغيره من حديث سلمان المتقدم معنا، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أو قال سلمان رضي الله عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستنجي برجيع أو عظم. فقوله صلى الله عليه وسلم أو نهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء برجيع أو عظم، هذا فيه مفهوم ومنطوق. منطوق الحديث: أنه لا يجزئ ولا يصح الاستنجاء بعظم ولا روث. ومفهومه أنه يجزئ بما سوى ذلك. قال علماء رحمهم الله تعالى: فقوله صلى الله عليه وسلم أو نهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء برجيع أو عظم، هذا فيه مفهوم ومنطوق. منطوق الحديث: أنه لا يجزئ ولا يصح الاستنجاء بعظم ولا روث. ومفهومه أنه يجزئ بما سوى ذلك، ما سوى ذلك. لكن هذا المفهوم أيضًا مخصص بأوصاف. ما هي هذه الأوصاف؟ الوصف الأول الذي ذكره ابن قدامة هاهنا: أن يكون طاهرًا. الوصف الثاني: أن يكون منقيًا. الوصف الثالث أيضًا: أن لا يكون طعامًا، أن لا يكون طعامًا للإنسان ولا لدوابه. أن لا يكون طعامًا للإنسان ولا لدوابه. من أين مأخوذ هذا؟ مأخوذ مما جاء في حديث ابن مسعود، جاء كذلك بنحو من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، حيث ابن مسعود عند الترمذي وغيره قال: لا تستنجوا بروث ولا عظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن. وجاء في الحديث الآخر في حديث أبي هريرة قال: فإن العظم زاد الجن، والروث زاد دوابهم. قال علماء رحمهم الله تعالى: فإذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالعظم والروث، وهي على هذه الحالة عظم وروث، نهى عنها لأنه زاد إخوانهم من الجن، وزاد لدوابهم. فكون الطعام على حاله وهو زاد الإنسان وزاد دواب الإنسان، فهو من باب أولى أنه لا يجزئ له أن يستنجي بها. من باب أولى لا يجز له أن يستنجي بها. إذن يجز له أن يستنجي بكل شيء طاهر منقي، وأن لا يكون طعامًا لا للإنسان ولا لدواب الإنسان، ولا روث ولا عظم. لذا قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ويجوز الاستجمار بكل طاهر ويكون منقيًا، إلا الروث والعظام وما له حرمة. إلا الروث والعظام لماذا؟ الروث زاد دواب الجن، العظام زاد الجن. ما له حرمة من الطعام الذي هو لمن؟ للإنسان. واضح. من باب القياس على هذا، من باب القياس الأولى. وأيضًا من حيث المعنى الآخر: أنه فيه معنى من معنى إتلاف المال. وفيه معنى من معنى إتلاف المال. وإتلاف المال لا يجوز. إذن ويجوز الاستجمار بكل طاهر ويكون منقيًا، سواء كان من حجارة أو أخشاب أو مناديل إلى غير ذلك. كل شيء منقي فإنه له أن يستنجي به، إلا شيء فيه حرمة كالطعام، كمثل الأوراق الذي فيها شيء من ذكر الله أو فيها شيء من العلم الشرعي. فهذا لا يجوز، أن فيه معنى من معنى الاستهانة. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.