التبيان في آداب حملة القرآن 62

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 62، ألقاها

أحكام سجود التلاوة ووقته

يُناقش وقت سجود التلاوة وأحكامه، حيث يُستحب السجود عقب قراءة أو سماع آية السجدة. يُشترط للسجود الطهارة على المذهب الصحيح، فإن طالت مدة الفصل بين التلاوة واكتمال الطهارة، فلا يُسجد.

حكم سجود التلاوة بدون طهارة وتكرار السجدة

يتناول حكم سجود التلاوة بدون طهارة، حيث يرى القول الصحيح أنه لا يشترط الطهارة، ويتناول أيضًا حكم تكرار السجدة في المجلس الواحد عند قراءة آيات السجدة أكثر من مرة.

تكرار سجدة التلاوة في مجلس أو صلاة

إذا قرأ شخص آية سجدة أكثر من مرة، فهل يسن له السجود كل مرة؟ الأظهر أن يكفي السجود مرة واحدة خاصة في الصلاة، مع ذكر أقوال أخرى في المسألة.

الختام بالصلاة على النبي

يتضمن الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام والبركة، وامتداد هذا الدعاء لآله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: فصل في وقت السجود للتلاوة. قال العلماء: ينبغي أن يقع عقيب الآية التي قرأها أو سمعها، فإن أخر ولم يطل الفصل سجد، وإن طال فقد فات السجود، فلا يقضى على المذهب الصحيح المشهور، كما لا يقضى صلاة الكسوف. وقال بعض أصحابنا: فيه قول ضعيف أنه يقضي، كما يقضي السنن الراتبة، كسنة الصبح والظهر وغيرهما. هذه مسألة من المسائل المتعلقة بسجود التلاوة، وهو الذي عنوان عليه بقوله: في وقت السجود للتلاوة، أي: متى يكون السجود للتلاوة؟ لو أن إنسانًا قرأ آية فيها سجدة، متى يسجد؟ ذكر رحمه الله تعالى أن الأصل أن يسجد عقب قراءتها أو سماعها، هذا هو الأصل أنه إذا مر بآية فيها سجود، إذا قرأها أن يسجد عقب القراءة، وإذا قرأ عليه أو استمع كذلك آية فيها سجود، فإنه يسجد عقب ذلك السماع. ومعنى هذا أن لا يؤخر السجود، يعني مثلاً لو أن إنسانًا قرأ آية فيها سجود التلاوة، ثم قرأ بعدها آيات، فهل يسجد بعد ذلك أم لا؟ كما تقدم أنه لا يسجد. متى يسجد؟ إذا قرأ الآية سجد، هذا هو الأصل. وذكر رحمه الله تعالى أن بعض أصحابهم من الشافعية يقولون: له أن يقضي ذلك السجود، والأول أصح؛ لأن موطن ووقت السجود للتلاوة يكون عقبها، سواء كان في الصلاة أو في خارج الصلاة. يعني لو أن إنسانًا كان يقرأ في الصلاة صلاة جهرية، فمر على آية السجود، آية فيها سجود، مر عليها ومر على آيات بعدها، هل يسجد؟ الجواب: لا يسجد، لا يسجد إلا إذا قرأها فإنه حينها يسجد، أي: عقب القراءة. أما أن يجعل بينه وبين التلاوة زمنًا فهذا لا يسجد بعده. قال رحمه الله تعالى: فأما إذا كان القارئ أو المستمع محدثًا عند تلاوة السجدة، فإن تطهر على القرب سجد، وإن تأخرت طهارته حتى طال الفصل، فالصحيح المختار الذي قطع به الأكثرون أن لا يسجد، وقيل: يسجد، وهو اختيار البغوي من أصحابنا، كما يجيب المؤذن بعد الفراغ من الصلاة. قال: والاعتبار في الطول الفصل في هذا بالعرف على المختار. هذه مسألة أخرى، وهي مبنية على مسألة تقدم الكلام عليها، وهي: هل يشترط لسجود التلاوة الطهارة؟ تقدم معنا أن الصحيح: لا يشترط لها، لا يشترط لها، لكن الأفضل أن يكون في أثناء قراءة على طهارة، وأن يكون أثناء السجود على طهارة، لكن ليس من شرط السجود الطهارة، كما مر معنا لعدم الدليل على ذلك. وإذا كان أمر كذلك، تفرع عنه هذه المسألة، وهي: إذا قرأ القارئ القرآن فمر على آية فيها سجدة، فهل له أن يسجد على القول الصحيح المختار؟ أنه يسجد على حاله، سواء كان على طهارة أو لم يكن على طهارة. وعلى القول الآخر: أن الطهارة شرط، فإن النووي رحمه الله تعالى يقول: في المسألة قولان، منهم من قال: بأنه لا يسجد، ومنهم من قال: يسجد، ومنهم من ذكر تفصيلاً، والتفصيل هو أنه إذا طال الفاصل بين الطهارة وبين التلاوة فإنه لا يسجد، وإذا كانت الطهارة قريبة من التلاوة فإنه يسجد. ثم قال: والعبرة في معرفة الطول من القصر يعود إلى العرف. وهذه المسألة ذكرت قياسًا على الأذان، الأذان لو أن إنسانًا ما ردد الأذان حتى فرغ المؤذن لانشغاله بأمر آخر، فهل له أن يردد الأذان بعد ذلك أم لا؟ الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى أنه يردد ولو فرغ المؤذن من أذانه، لكن إن كان عن قريب. لماذا؟ لأنه يدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول». فقول كما يقول وهو سمع، لكن إن شغل بأمر آخر عن ترديد الأذان، قالوا: فكذلك لو أن إنسانًا قرأ آية فيها سجدة، فتأخر قليلاً لأجل الطهارة، فلو أن يسجد بعد ذلك. والأمر في هذا والله أعلى وأعلم أنه واسع؛ إذ أنها مسألة اجتهادية، ليس فيها دليل واضح، وإنما هو عبارة عن أقيسة، وأقيسة ليست من الأقيسة القوية، وإنما هي أقيسة تسمى بقياس الشبه، وهو من الأقيسة الضعيفة. قال رحمه الله تعالى: فصل: إذا قرأ السجدات كلها أو سجدات منها في مجلس واحد، سجد لكل سجدة بلا خلاف. هذه أيضًا مسألة من المسألة الأخرى التي تعرض إليها هاهنا النووي رحمه الله تعالى، وهي: إذا كان الإنسان في مجلس واحد، فقرأ سجدات، إذا قرأ السجدات كلها أو سجدات منها في مجلس واحد، سجد لكل سجدة بلا خلاف. عن إنسان مثلاً يجلس يقرأ مثل من الصبح إلى الظهر، من العصر إلى المغرب، قرأ جزءًا، جزئين، ثلاث أجزاء، فمرت عليه عدة سجدات في أثناء القراءة، هل يسن له أن يسجد عندها كل آية فيها سجود؟ الجواب: نعم يسن له ذلك. قال: وإن كرر الآية الواحدة في مجلس سجد لكل مرة. وإذا كرر الآية الواحدة في مجالس سجد لكل مرة بلا خلاف. كذلك مسألة أخرى، لو أنه قرأ مثلاً بعد الفجر سورة فيها سجدة، يسن له أن يسجد، إذا كررها قرأها مرة ثانية بعد الظهر، هل يسن له أن يسجد؟ الجواب: له أن يسجد. لو كررها مرة ثالثة بعد العصر، أي: نفس السورة، هل له أن يسجد؟ الجواب: له أن يسجد. قال: فإن كررها في المجلس الواحد، في المجلس الواحد مثلاً إنسان يحفظ القرآن، تعرفوا الذي يحفظ السورة يحتاج لأن يكررها، هل كل ما مر بآية السجدة عند قراءته في المجلس الواحد هل يسجد عند كل تلاوة؟ يقول النووي رحمه الله تعالى: فإن كررها في المجلس الواحد، قال: نظر، فإن لم يسجد للمرة الأولى كفاه سجدة واحدة عن الجميع، وإن سجد للأولى ففيه ثلاثة أوجه. يعني لو أنه كرر، كرر، كرر، يقول: إذا سجد في الآخر فإنه يغني عن ماذا؟ عما سبق. بقي لو سجد في أول مرة، ثم قرأها مرة ثانية، ثم قرأها مرة ثالثة في نفس المجلس، هل يسن له أنه كل ما قرأ سجد أم لا يسن له ذلك؟ يقول: فيه خلاف، وذكر أنه على ثلاثة أوجه عندهم، أي: عند الشافعية. أصحها قال: يسجد لكل مرة سجدة لتجديد السبب بعد توفية حكم الأول. القول الأول: بأنه كلما مر بالآية يشرع له أن يسجد. لماذا؟ لأن السبب تكرر، والقاعدة أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والسبب ينزل منزلة العلة في مثل هذا. بل نص بعضهم أن السبب والعلة لا خلاف بينهما، أو لا فرق بينهما، وإن كان هناك فرق باعتبار آخر. الثاني: تكفيه السجدة الأولى عن الجميع، وهو قول ابن سريج، قال: وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. قال صاحب العد من أصحابنا: وعليه الفتوى، واختاره الشيخ نصر المقدسي الزاهد من أصحابنا. والثالث: إن طال الفصل سجد، وإلا فتكفيه الأولى. أما إذا كرر السجدة الواحدة في الصلاة، فإن كان في ركعة فهي كالمجلس الواحد، فيكون فيه الأوجه الثلاثة، وإن كان في ركعتين فكالمجلسين، فيعيد السجود بلا خلاف. واضح. والأظهر والله أعلى وأعلم ما ذكر في القول الثاني، ولا سيما عند الصلاة. يعني تخيل الإمام يقرأ الآية في الركعة الأولى، مرت به آية سجدة، رفع، أعاد الآية مرة أخرى، سجد ثم رفع، ثم أعاد الآية مرة ثالثة، هل يستمر على السجود فيه كما يقال؟ يحصل شيء من الإخلال، يحصل فيه شيء من الإخلال. فالأظهر والله أعلم أن هذا السبب تكراره يكفي عنه المرة الواحدة، ولا سيما في الصلاة، ولا سيما في الصلاة. ومن كرره اعتبارًا بأن السبب تكرر فيتكرر معه الحكم فلا ينكر عليه. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على