الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 78، ألقاها
استحباب قراءة أواخر سورة آل عمران عند الاستيقاظ من النوم ليلًا، واستحباب قراءة الفاتحة وقل هو الله أحد والمعوذتين مع النفث في اليدين عند المريض للرقية والشفاء.
ثبت في الصحيحين أن قراءة القرآن على المريض سبب للشفاء، وقد ذكرت عدة أمثلة على ذلك، منها ما روي عن خيثمة وأحمد بن منصور الرمادي.
يناقش تأثير القرآن على المؤمنين وأثر قراءته على الأموات، ويخلص إلى أن قراءة القرآن عند الميت لا تشرع لعدم وجود دليل صحيح.
المقطع ينتهي بدعاء الله تبارك وتعالى بالعفو والعافية والسلامة، ويصلي على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى وغفر له في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: قال فصلٌ فيما يقرأ بعد الاستيقاظ. قال: ويستحب أن يقرأ إذا استيقظ من نومه كل ليلة آخر آل عمران، من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخرها. فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ خواتيم آل عمران إذا استيقظ. ففيه استحباب هذا الفعل، من قام من الليل، أي أن يقرأ من أواخر سورة آل عمران، من قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال رحمه الله تعالى: فصلٌ فيما يقرأ عند المريض. قال: يستحب أن يقرأ عند المريض بالفاتحة، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «فيها وما أدراك أنها رقية». وفي هذا إشارة إلى حديث أبي سعيد، وكذلك جاء بنحوه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن نفرًا من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم مروا بقوم فاستقرأوهم فلم يقرؤوهم، ثم جاء بعضهم يقول: «هل فيكم من راق؟ فإن سيد القوم لذعته عقرب أو حية». فقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه: «نعم، لكن بشرط أن تجعل لنا جعلًا». فقالوا: نعم. فذهب فرقاهم، فقرأ عليه سورة الفاتحة فبرئ. فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك، فقال: «وما يدريك أنها رقية؟». فدل هذا على أن قراءة سورة الفاتحة على المريض أنها رقية تكون سببًا للشفاء بإذن الله تبارك وتعالى. قال: ويستحب أن يقرأ عنده «قل هو الله أحد» والمعوذتين، مع النفث في اليدين. فقد ثبت ذلك في الصحيحين من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم بيانه في فصل النفث في آخر الباب الذي قبل هذا، أي في حديث عائشة السابق. قال: وعن طلحة بن مصرف قال: «كان يقال: إن المريض إذا قرئ عنده القرآن وجد لذلك خفة». قال: «فدخلت على خيثمة وهو مريض، فقلت: إني أراك اليوم صالحًا». فقال: «إنه قرئ عندي القرآن». أي أن القرآن من أسباب الشفاء، ومن أسباب كذلك انشراح الصدر، ومن أسباب كذلك نشاط المريض وخفة روحه، وهو كذلك من أسباب الشفاء بإذن الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ورواه الخطيب البغدادي رحمه الله بإسناده: أن الرماد -وهو أحمد بن منصور الرمادي البغدادي رحمه الله تعالى، أحد الثقات المشهورين، إلا أنه رمي بأنه كان ممن يقول بالوقف في القرآن- أن الرماد رحمه الله كان إذا اشتكى شيئًا قال: «هاتوا أصحاب الحديث». فإذا حضروا قال: «اقرأوا علي الحديث». فهذا في الحديث، فالقرآن أولى. إذا كان هذا الأمر يجد الشفاء والعافية والخفة في قراءة الحديث عندهم، فبقراءة القرآن أعظم وأعظم. ومن لطيف ما ذكر في ترجمة شيخ الإسلام النووي رحمه الله ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أن شيخ الإسلام النووي مرض واشتد به المرض، فأتوا له بالطبيب. فبعد أن نظر الطبيب في حاله أمره أن لا يقرأ شيئًا من القرآن ولا شيئًا من العلم. فقال له شيخ الإسلام النووي رحمه الله: «يا أيها الطبيب، أليس عندكم في الطب أن المريض إذا وجد انشراحًا وقوة كان ذلك سببًا لشفائه؟» قال: «نعم». قال: «فإني إذا قرأت القرآن ونظرت في كتب العلم وجدت هذا الانشراح وهذه القوة». قال ابن القيم رحمه الله تعالى معلقًا على هذا الكلام بمعنى قال: «فسكت الطبيب». فسكت الطبيب. وأشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى أنه كان شيخه رحمه الله تعالى من العلماء كذلك بالطب، حتى إنه إذا تكلم بالطب ظن أنه لا يعلم إلا الطب. فالحاصل أن هذا من هذا الباب، المؤمن الذي ينشرح صدره بتلاوة كتاب الله جل وعلا، وبقراءة القرآن، إذا سمع القرآن وهو مريض، وهو متعب، وهو مرهق، يشعر بنشاط، ويشعر بخفة، ويشعر بانشراح. وهذه من أسباب العافية بإذن الله تبارك وتعالى. وللقرآن تأثير عظيم على القلوب والأبدان، جعله الله جل وعلا في هذا القرآن العظيم، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال رحمه الله تعالى: فصل فيما يقرأ عند الميت، أي بعد موته. قال: قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يستحب أن تقرأ عنده «يس» لحديث معقل بن يسار رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرأوا يس على موتاكم». قال رحمه الله: رواه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة، وابن ماجه بإسناد ضعيف. هكذا حكم عليه الإمام النووي رحمه الله بإسناد ضعيف. فإذا كان بإسناد ضعيف، فلا يجوز أن تقرأ سورة «يس» ولا غيرها من السور عند الميت. لا يشرع أن يقرأ شيء من القرآن، لا أن تقرأ سورة «يس» ولا غيرها من السور، لعدم الدليل. ومن فعل ذلك فقد افتتح بابًا من أبواب البدع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وروا مجالد عن الشعبي: «أن الأنصار إذا حضروا عند الميت قرأوا سورة البقرة». ومجالد ضعيف. وكفى به علة لهذا الحديث. فهذا الأثر المذكور عن الشعبي رحمه الله تعالى لا يصح، لأنه من طريق مجالد، ومجالد ضعيف، ولا سيما في روايته عن الشعبي. فلا يصح في هذا الباب شيء، أي في قراءة القرآن عند الميت. الميت قبل الموت يلقن لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله». هذا هو المشروع. أما بعد موته، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فلا ينفعه إلا عمله. لو قرأت عليه من أول المصحف إلى آخره، فإنه لا ينفعه إلا عمله. إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر. نسأل الله تبارك وتعالى العفو والعافية والسلامة، إنه قريب مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.