الوسائل المفيدة للحياة السعيدة 3

الوسائل المفيدة للحياة السعيدة 3

الدرس في الوسائل المفيدة للحياة السعيدة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الإحسان إلى الخلق سبب للسعادة وزوال الهم

يبيّن المقطع أن الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل وبذل المعروف وكف الأذى هو السبب الثاني للحياة السعيدة، وأن الله يدفع به الهم والغم عن البر والفاجر، ويتميز المؤمن باحتساب الأجر فيحصل على انشراح الصدر والطمأنينة، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ متضمناً زوال الهم في الدنيا.

الأخلاق الفاضلة والإحسان تجلب المحبة والراحة النفسية

يشير المقطع إلى أن التحلي بالأخلاق الفاضلة والإحسان للناس يجلب المحبة والراحة النفسية، بينما الاستسلام للهموم يزيدها، وأن الاشتغال بالعمل النافع أو العلم النافع يلهي القلب عن المكدرات، مستشهداً بأحوال السلف ك الإمام الشافعي وابن أبي حاتم.

الانشغال بالعلم النافع والعمل المباح لطرد الهموم

يؤكد المقطع على أهمية شغل النفس بالعلم النافع أو الأعمال الدنيوية المباحة المحتسبة لطرد الهموم والوساوس، مستشهداً بأحوال السلف وقول الإمام الشافعي وآية الاستزادة من العلم، محذراً من الاستسلام للفراغ الذي يجر إلى الباطل والمعاصي.

استغلال الوقت في طلب العلم الشرعي والعمل المشروع

ينصح المتحدث باستغلال الوقت في طلب العلم الشرعي والقراءة في كتب أهل العلم، وكذلك في الأعمال الدنيوية المباحة، مما يجعل الوقت يمضي بسرعة وقد يضيق عن الحاجات الأساسية، ويؤكد أن الانشغال بالعلم أو العمل المشروع يغني عن الفراغ ويقي من تضييع أوامر الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فقد أخذنا في دروس ماضية سببًا من الأسباب التي ذكرها العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في هذه الرسالة، والتي هي بعنوان "الوسائل المفيدة للحياة السعيدة". وذكرنا السبب الأول: وهو الإيمان بالله والعمل الصالح. وقد أطال الشيخ رحمه الله تعالى في هذا السبب، وفصل تفصيلًا رائعًا بما يتعلق بهذه المسألة. ثم قال رحمه الله تعالى: "السبب الثاني من الأسباب التي تزيل الهم والغم والقلق: الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل، وأنواع المعروف، وكلها خير وإحسان، وبها يدفع الله عن البر والفاجر الهموم والغموم بحسبها، ولكن للمؤمنين منها أكمل الحظ والنصيب، ويتميز بأن إحسانه صادر عن إخلاص واحتساب لثوابه، فيهون عليه بذل المعروف لما يرجوه من الخير، ويدفع عنه المضار بإخلاصه واحتسابه". قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114]. فأخبر تعالى أن هذه الأمور كلها خير ممن صدرت منه، والخير يجلب الخير ويدفع الشر، وأن المؤمن المحتسب يؤتيه الله أجرًا عظيمًا، ومن جملة الأجر العظيم: زوال الهم والغم والأكدار ونحوها. وهذا سبب مهم جدًا ذكره ونبه عليه المؤلف رحمه الله تعالى من أسباب الحياة السعيدة، وهو الإحسان إلى الخلق. والإحسان كما عرفه بعض أهل العلم: هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه. فأنت إذا أحسنت إلى عباد الله عز وجل بهذه الأمور الثلاثة: بذل الندى، أي بذل المعروف، وكما قال رحمه الله تعالى: سواء أكان بالقول أو بالفعل. فالإحسان قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل. فالإحسان ببيان القول: الكلمة الطيبة، هذا إحسان إلى الخلق ببيان القول. وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وتذكير الغافل، هذا من أعظم الإحسان إلى الخلق، الإحسان الديني بالقول، فهذا من أعظم الإحسان. فالداعي إلى الله من أعظم الناس إحسانًا إلى الخلق، فلا تسل عن مدى انشراح صدره، ومدى طمأنينة قلبه بسبب إحسانه إلى الخلق بهذا الإحسان العظيم، وهو تعليمهم وإرشادهم، وإلى غير ذلك. وكذلك الإحسان بالفعل: الإحسان بالفعل مثل إعانة ضعيف، أو كذلك إرشاد حائر إلى الطريق الصحيح، ومساعدة فقير، هذا كله من الإحسان إلى الخلق بالفعل. فهذا الإحسان إحسان يورث انشراح الصدر، وراحة، واطمئنان القلب، وهذا من السعادة. وجميع أنواع المعروف: بذل الندى. وكذلك كف الأذى: تكف عنهم الأذى، لا تؤذي أحدًا من الخلق بغير حق، لأن الأذى قد يكون بحق، لمن كان معاندًا أو لمن كان محاربًا للحق وأهله، فهذا يؤذى بأن يحذر منه، وأن كذلك يبين عواره، ويبين زلله وخطأه، فهذا بالنسبة له أذى، لأنه أذى مما يحمد من أجل حماية هذا الدين. وكذلك طلاقة الوجه: تكون بشوشًا بوجهك للخلق، فهذا أيضًا من الإحسان. وهذا ربما يشعر به حتى من لم يحتسب هذه الأخلاق الفاضلة عند الله عز وجل، عند الله سبحانه وتعالى، فتجد أن الذي يحسن أخلاقه يشعر من الراحة والسعادة. لكن المؤمن، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى، فيحتسب هذه الأخلاق الحسنة عند الله، لا يتصنع ويرائي ويتكلف مع إحسانه للخلق، فهو يرجو ما عند الله، بخلاف غير المؤمن، فإنه ربما يحسن إلى الناس، ويستميل قلوب الناس بإحسانه إليه، لكنه ما يحتسب هذا عند الله، ربما يكون مرائيًا، أو كذلك من باب الرياء والسمعة، وإلى غير ذلك، فهذا يجد من الراحة بحسبه. ولكن المؤمن مع ذلك يحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك استدل بهذه الآية: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، وهذا كله إحسان إلى الخلق. أمر بصدقة: فالصدقة للمحتاج إحسان إليه، بذل الندى. وكذلك معروف: هذا أيضًا بذل الندى. إصلاح بين الناس: تصلح بين متخاصمين، هذا كذلك من الأخلاق الفاضلة، أن يوفقك الله عز وجل في أن تصلح بين متخاصمين، والصلح خير، والصلح خير. ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فمن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، من يأمر بالصدقة والمعروف ويصلح بين الناس مع ابتغائه الأجر من الله سبحانه وتعالى، فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن من الأجر العظيم، ومن جملة الأجر العظيم: زوال الهم والغم والأكدار. فهذا من الأجر العظيم، لأن الآية عامة، فتشمل أجر الدين والدنيا، ومن أجر الدنيا: انشراح الصدر، وزوال الهم والغم والأكدار. فهذا أمر مهم جدًا، ومن لم يعمل بذلك يصير في خصومة بين الناس، وفي كره، وفي هموم: يوم في المحكمة، ويوم الصراخ والصياح مع الجيران، ومع كذلك من تعايشهم، ومن تصاحبهم، فتكون في هم وغم كل يوم، وأنت في مشاجرة وفي مخاصمة، فكيف يكون حالك؟ لكن إذا كنت ذا أخلاق فاضلة، وإحسان إلى الخلق، واحتساب الأجر من الله سبحانه وتعالى، تكون محبوبًا عند الجميع، وتكون ذا احترام وتقدير عند الجميع، وتشعر بالراحة والسعادة، وكذلك زوال الهم والغم. قال رحمه الله تعالى: "ومن أسباب دفع القلق" - وهو السبب الثالث من الأسباب المفيدة التي ذكرها رحمه الله - قال: "ومن أسباب دفع القلق الناشئ عن توتر الأعصاب واشتغال القلب ببعض المكدرات: الاشتغال بعمل من الأعمال، أو علم من العلوم النافعة، فإنها تلهي القلب عن اشتغاله بذلك الأمر الذي أغلقه، وربما نسي بسبب ذلك الأسباب التي أوجبت له الهم والغم، ففرحت نفسه، وازداد نشاطه". وهذا السبب أيضًا مشترك بين المؤمن وغيره، ولكن المؤمن يمتاز بإيمانه وإخلاصه واحتسابه باشتغاله بذلك العلم الذي يتعلم أو يعلمه، ويعمل الخير الذي يعلمه، إلى آخر ما ذكر رحمه الله تعالى. وهذا أيضًا سبب مهم جدًا، فإن الإنسان تعرض له المكدرات في هذه الدنيا، وتعرض له الهموم والغموم، فإذا استرسل معها ازداد همه وغمه، إذا استرسل معها واستسلم لها، فإنها تنخر فيه، تنخر فيه، وكذلك تزداد عليه، ويأتيه الشيطان لأنه ضعيف، يكون ضعيفًا في هذا الحال، فيستولي عليه الشيطان. لكن ينبغي للشخص إذا حصل له شيء من ذلك: توتر، أو اشتغال قلب، بعض الأحزان، ومكدرات، والهموم والغموم، أن يشتغل بعمل من الأعمال، أو علم من العلوم النافعة، يحاول أنه يلهي بشيء آخر ينسيه هذه الأمور، ينسيه هذه الأمور من الهم والغم وغيره. وينبغي أن تعلم أن هذه الأعمال ينبغي أن تكون من الأعمال النافعة المفيدة، لكن يفهمه البعض ربما إذا أصابه هم أو غم ذهب إلى المعاصي، وإلى أعمال محرمة، وإلى ملهيات باطلة، فهذا يزداد همه وغمه. بعض الناس ربما إذا أصابه هم أو غم ذهب لمضغ القات، يا فلان لماذا أنت مخزن اليوم؟ قال: يا أخي أنا عندي هموم ومشاكل وغموم، حتى تزول هذه الغموم والهموم. لا، ما تزول هذه الغموم والهموم، بل تزداد. وربما إذا نسيتها في هذه اللحظة التي أنت في هذا الحال، حال أكلك لهذه الشجرة، بعدما تفرغ من مضغ هذه الشجرة تزداد عليك الهموم والغموم. بل مضغ هذه الشجرة بدون هموم وغموم هو في الأصل هموم وغموم. إذا انتهيت من مضغ هذه الشجرة توالت عليك الهموم والغموم. وهذا ما يشك منه كثير من المخزنين، يقول: بعدما أخزن أشعر بكآبة وضيق وهم وغم، يعلمه الله، يتحسر على الألف هذا الذي أمضغه أو أكثر من ألف أو أقل، يتحسر فيزداد همه وغمه. ولكن المراد بالأعمال هنا: الأعمال النافعة، الأعمال النافعة، سواء أكان هذا العمل عملًا دينيًا - وهذا أنفع لك - لذلك نبهنا على العلوم النافعة. فمن أعظم ما يلهي به قلب عن الهموم والغموم والأحزان: الانشغال بالعلم النافع، الانشغال بالعلم النافع. بل ربما من اشتغل بالعلم النافع ما يجد وقتًا لحاجياته الضرورية من الأكل والشرب، كما كان عليه السلف الصالح: مشتغل بالعلم، فضلاً أن يشتغل أو أن يجد وقتًا للأحزان والغموم، ما يجد وقتًا للأكل والشرب والحاجيات الضرورية، فضلاً أن يجد وقتًا للاستسلام للهموم والغموم والأحزان. فأعظم ما يلهيك عن الهموم والغموم: الاشتغال بالعلم النافع، الاشتغال بالعلم النافع. فإن الاشتغال بالعلم النافع في حد ذاته من أعظم الأسباب في سعادة المرء، وفي انشراح صدره. وأذن عبر عنه السلف الصالح رحمهم الله تعالى، يذكر عن الإمام الشافعي أنه كان يشتغل بالعلم، فيؤتى له بالغذاء فلا يلتفت إليه، يشتغل بالعلم يبحث ويكتب، وينتقل من مسألة إلى أخرى، ويذهب وقت الغذاء، ويؤتى له بالعشاء، ولا يزال الغذاء في مكانه من انشغاله بالعلم. طيب، من هذا حاله، هل يجد وقتًا للاستسلام للهموم والغموم؟ ما يجد وقتًا، ما يجد وقتًا أبدًا. وكذلك ابن أبي حاتم، كان في حال الطلب في مصر، يدور على الشيوخ هو والزملاء له، يطوفون على الشيوخ، ففي النهار يطلبون العلم، وفي الليل يقابلون النسخ ويكتبون. وهكذا، فذات مرة ذهبوا لموعيد درس شيخ من الشيوخ، فقالوا لهم: إن هذا الشيخ عليل، يعني مريض. فذهبوا، فاشتهوا سمكة رأوها في السوق، سمكة لهم فترة أشهر ما يذوقون السمك، طالما أن هذا الوقت ما فيه درس، ذهبوا واشتروا هذه السمكة، وذهبوا إلى البيت، وقبل أن يجدوا وقتًا لطهي هذه السمكة ومضجها، جاء موعد شيخ آخر، فتركوا السمكة وذهبوا إلى درسهم، وجلست هذه السمكة أيامًا حتى أنتنت، حتى أنتنت، فأكلوا هنية، ما وجدوا وقتًا لطهي وطبخ هذه السمكة. فمن هذا حاله، هل يستسلموا للهموم والغموم؟ لا، ما يستسلموا للهموم والغموم والوساوس الشيطانية، بل يكونوا دائمًا منشرح الصدر. وكذلك عبر بعضهم عن مدى سعادته وانشراح صدره بطلبه للعلم، بقوله - وإن كان من أهل البدع، ولكنه يعبر عن مدى، وهو ممن طلب العلم، وهو الزمخشري - يقول في هذه القصيدة: سَهْري لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أََلَذُّ لِي ** مِن وَصْلِ غَانِيَةٍ وَطِيبِ عِنَاقِ وَتَمَايُلِي طَرَبًا لِحَلِّ عُوَيْصَةٍ ** أََحْلَى وَأَشْهَى مِن مُدَامَةِ سَاقِي وَصَغِيرُ أَقْلَامِي عَلَى أَوْرَاقِهَا ** أََحْلَى مِنَ الدُّعَاتِ وَالعُشَّاقِ وَأَلَذُّ مِن نَقْرِ الفَتَاةِ لِدُفِّهَا ** نَقْرًا لِأُلْقِي الرَّمْلَ عَنْ أَوْرَاقِهَا أَأَبِيتُ سَهْرَانَ الدُّجَى وَتَبِيتُهُ ** نَوْمًا وَتَبْغِي بَعْدَ ذَاكَ لِحَاقِي انظر كيف يعبر عن مدى سعادته بطلبه للعلم. فهكذا ينبغي أن يحرص المسلم على الانشغال بالعلم النافع، الانشغال بالعلم النافع. ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، كما يؤثر ذلك عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. فأنت إذا لم تشغل نفسك بالحق وبالنافع، شغلتك بالباطل: من الظنون والأوهام والوساوس والهموم والغموم، وإلى غير ذلك، وإلى غير ذلك. ولأهمية العلم، لم يأمر ربنا سبحانه وتعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بالاستزادة من شيء، أمره بالاستزادة من العلم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. فالعلم في حد ذاته من أعظم الأسباب في السعادة، وفي انشراح الصدر، وهو في الحقيقة داخل في السبب الأول: الإيمان، لأن من الإيمان العلم النافع، وهو الذي يقود إلى العمل الصالح. العلم هو الذي يقود إلى العمل الصالح، وبهذا بُعِث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، الهدى هو العلم النافع، الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، هو العمل الصالح. فالعلم النافع من أعظم الأسباب في سعادة المرء، فينبغي الحرص. وقد الإنسان في حال انكدار قلبه وانشغاله بالهم والغم، لا يجد، لا يجد مثلاً انشراحًا في العلم النافع، يجد فتور ذهن بسبب ما عنده من هم وغم، فلا بأس أن تشغل نفسك بعمل من الأعمال الدنيوية، بعمل من الأعمال الدنيوية المباحة الجائزة التي ترجو بها ثواب الله. ولذلك هنا قال رحمه الله تعالى: قال: "ويعمل الخير الذي يعلمه، إن كان عبادة فهو عبادة، وإن كان شغلًا دنيويًا أو عادة دنيوية، أصحبها النية الصالحة، وقصد الاستعانة بذلك على طاعة الله، قال: فلذلك أثره الفعال في دفع الهم والغموم والأحزان. فكم من إنسان ابتلي بالقلق وملازمة الأكدار، فحلت به الأمراض المتنوعة، فصار دواؤه الناجع: نسيانه السبب الذي كدره وأقلقه، واشتغاله بعمل من مهماته". وهنا نبه أيضًا أن العمل الدنيوي أو العادة تكون مباحة، وأيضًا يكون فيها الاحتساب، يكون فيها الاحتساب: أنت في وظيفتك، أو في عملك، أو في مهنتك، تحتسب الأجر، تقضي هذه الساعات في هذا العمل وأنت تحتسب الأجر، تنوي بذلك أن تعف نفسك، وأن تعف أسرتك، وأن ترفع نفسك من الذل والمهانة وسؤال الناس، فبهذه النية تنال الأجر من الله سبحانه وتعالى. فهذه أيضًا من الأسباب المهمة التي ينبغي أن يحرص عليها المؤمن حتى يسلم من هذه الهموم والغموم، فيشغل نفسه بعلم نافع، وإن لم يجد همة ونشاطًا لذلك، يشغل نفسه بعمل دنيوي. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة أهله، كان يخصف نعله، وكان كذلك يخيط ثوبه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأنت كذلك إذا شعرت بملل في طلب العلم، أو شعرت بعدم همة، انتقل إلى أمر دنيوي تشغل نفسك به، لا تستسلم للأوهام والوساوس، تعين أهلك، تصلح دابتك، أو تصلح بيتك، أو كذلك أي عمل فيه منفعة دنيوية لك، تذهب إلى مهنتك، وهكذا غيرها من الأعمال النافعة التي تنتفع بها في دينك ودنياك. فهذا هو المراد بالانشغال بعمل من الأعمال، وليس المراد أن تنشغل بمعصية من المعاصي، وهذا حال بعض الناس، تجدهم في المقهى، يا فلان لماذا أنت تضيع وقتك في هذا اللهو الباطل المحرم؟ تقول: أين تريد أن أذهب؟ الدنيا هموم وغموم، أيش أجلس في بيتي؟ هكذا، سبحان الله! اشغل نفسك بما ينفعك، اشغل نفسك بما ينفعك من عمل ديني أو دنيوي، اقرأ في كتب أهل العلم، القرآن، السنة، التفسير، الحديث، شغل نفسك بالعلم النافع، الدخول في الدروس، بهذا يمضي الوقت، وربما يزاحمك الوقت، ما تجد وقتًا لحاجياتك الضرورية من النوم، أو كذلك بعض الأشياء التي أنت تحتاجها في أمر دنياك، بسبب انشغالك بالعلم، أو كذلك عمل دنيوي في حدود الشرع، بدون تضييعك لأوامر الله عز وجل. طيب، نكتفي بهذا. الحمد لله.