الدرس في الوسائل المفيدة للحياة السعيدة 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح كيف يتلقى المؤمن النعم بالشكر والمصائب بالصبر فيحصل على السرور وزوال الهم، بينما يتلقاها غير المؤمن بالبطر والطمع فيعيش في قلق دائم. ويستدل بحديث صهيب وحديث عبد الله بن عمرو عن الفلاح بالكفاف والقناعة مؤكداً أن الرزق مضمون من الله.
يؤكد أن الرزق والأجل مقدران منذ وجود الإنسان في بطن أمه فلا يموت حتى يستكمل رزقه، وعلى المسلم الأخذ بالأسباب والرضا بالقضاء. ويبين الفرق بين المؤمن الذي يواجه المصائب بالاحتساب والسكينة، والكافر الذي يعاني القلق والأمراض بسبب عدم التوكل.
يوضح أن القناعة برزق الله والنظر إلى من هو أقل نعمة يورثان الراحة القلبية، بينما الطمع والمقارنة بالأعلى يورثان الشقاء. ويستشهد بأحاديث النبوة وأقوال السلف بأن الغنى الحقيقي هو غنى النفس.
يبين أن ضعف الإيمان يؤدي إلى التعاسة والشقاء عند فقد المطالب الدنيوية حتى مع امتلاك الكثير، نتيجة عدم الشكر وعدم الإيمان بالرزق. ويشير إلى أن العمل بمقتضى الإيمان هو السبيل للرضا والسعادة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فقد قرأنا في درس ماضٍ شيئًا من هذا الكتيب، وهو "الوسائل المفيدة للحياة السعيدة". وقد ذكر المؤلف في بداية هذه الرسالة مفهوم الخلق لأسباب السعادة، وأن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: فمنهم من حاز السعادة التامة الكاملة، ومنهم من حرم السعادة مطلقًا، ومنهم من هو بين بين. ثم ذكر المؤلف أولًا أسباب السعادة وأعظمها، وهو الإيمان والعمل الصالح، وقد توسع المؤلف في هذا السبب لأهميته ولِكثرة مسائله، وقرأنا شيئًا من هذا السبب. ثم قال رحمه الله تعالى: "لهذا تجد اثنين تُطرقهما نائبة من نوائب الخير أو الشر فيتفاوتان تفاوتًا عظيمًا في تلقيها، وذلك بحسب تفاوتهما في الإيمان والعمل الصالح. فلان يحصل له خير، وآخر يحصل له نفس الخير، فيكون هناك التفاوت بين الرجلين؛ فذاك يتلقاها بالشكر، والآخر يتلقاها بالبطر والأشر، فيكون بينهما تفاوت عظيم في سعادة القلب، كما تقدم معنا". قال: "هذا الموصوف بهذين الوصفين يتلقى الخير والشر بما ذكرناه"، يشير إلى ما جاء في حديث صهيب المتقدم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». فالمؤمن السعيد هو الذي يتلقى الخير بالشكر، ويتلقى الشر بالصبر. لذلك قال: "هذا الموصوف بهذين الوصفين يتلقى الخير والشر بما ذكرناه من الشكر والصبر وما يتبعهما، فيحدث له السرور والابتهاج، وزوال الهم والغم والقلق، وضيق الصدر، وشقاء الحياة، وتتم له الحياة الطيبة في هذه الدار". إذا قابل المؤمن الخير بالشكر والشر بالصبر صار حال قلبه كما وصف المؤلف: السرور والابتهاج، زوال الهم والغم، وإلى غير ذلك. قال: "والآخر يتلقى المحاب بأشر وبطر وطغيان، فتنحرف أخلاقه، ويتلقاها كما تتلقاها البهائم بجشع وهلع، ومع ذلك فإنه غير مستريح القلب، بل مشتت من جهات عديدة". مشتت من جهة خوفه من زوال محبوباته. هذا الذي يقابل النعم بالأشر والبطر يكون غير مستريح القلب، يتلقاها كما تتلقى البهائم هذه النعم، وكما قال الله عز وجل: ﴿أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. فيكون مشتتًا من جهات عديدة، أول هذه الجهات أنه مشتت من جهة خوفه من زوال محبوباته. أُعطي نعمة المال، فإذا لم يشكر الله عز وجل على هذه النعمة خاف أن تزول عليه هذه النعمة. فهذا الخوف ماذا يحدث له في قلبه؟ يحدث له الخوف والقلق والانزعاج؛ لأنه يخشى أن تزول هذه النعمة. بخلاف المؤمن يشكر الله ويرجو بقاء هذه النعمة، بل زيادة هذه النعمة، كما قال الله عز وجل: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. قال: "مشتت من جهة خوفه من زوال محبوباته، ومن كثرة المعارضات الناشئة عنها؛ غالبا تتنازعه أمور، فهذه المنازعات تحدث له من الهم والغم والقلق، وإلى غير ذلك". قال: "ومن جهة أن النفوس لا تقف عند حد، بل لا تزال متشوقة لأمور أخرى قد تحصل وقد لا تحصل، وإن حصلت على الفرض والتقدير فهو أيضًا قلق من الجهات المذكورة". هذا هو حال غير الشاكر لنعم الله عز وجل؛ أيضًا من تشتيت قلبه وقلق قلبه أنه يخاف، أو أنه يطمع في الزيادة. يطمع في الزيادة، تتعجب من بعض الناس من لم يشكر نعمة الله عز وجل عليه، تجد معه ربما الملايين وهو صاحب دكان، أو صاحب تجارة، أو صاحب مهنة، أو صاحب عمل من أي الأعمال الأخرى كعمل في البحر وغيره، تجد عنده من الخير في بيته وفي خزينته، ولو لم يظهر برزق في يومه كأن هموم الدنيا جميعا على رأسه من الهم والغم. لماذا يا أخي؟ قال: "اليوم ما كسبنا شيئا، اليوم ما كسبنا شيئا". طيب، سبحان الله! اليوم ما كسبت شيئا وما أتيت بشيء. طيب، هل أنت إذا لم تتحصل في يومك على شيء لا تستطيع أن تتعشى ولا أن تتغذى ولا أن تلبس ولا أن تنفق على نفسك؟ معك من الخير الكثير، ولكن هذا حال غير الشاكر: إذا لم يتحصل في يومه على رزق تسخط وقلق وصار في هم وغم، مع أن معه من الأموال الشيء الكثير. هذا دليل على جشعه وعلى كذلك عدم سعادته. وأما المؤمن، فإحمد الله! المؤمن يحمد الله ويقنع بما أتاه الله عز وجل، يقنع بما أتاه الله سبحانه وتعالى، فتحدث له هذه القناعة من الراحة، من الاطمئنان، ومن السعادة. قد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قد أفلح، قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه». انظر إلى هذا الحديث العظيم الذي ينبغي أن يعمل به المؤمن: «قد أفلح»، فلاح في الدنيا وفي الآخرة، ومن الفلاح في الدنيا سعادة القلب واطمئنان القلب وانشراح الصدر، هذا من الفلاح لأن لفظة الفلاح عامة. «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا»، ومعنى الكفاف هو ما يسد الرمق، الكفاف هو ما يسد الرمق، «وقنعه الله بما آتاه»، تكون عنده قناعة، ما يتسخط وما كذلك يقلق على رزقه، يعلم أن الرزق بيد الله سبحانه وتعالى، هو عليه أن يتخذ الأسباب. كثير من الناس بهذه الأزمان يقلقه أمر الرزق، ويحدث في قلبه من الخوف ومن الهلع ومن الفزع، وإلى غير ذلك، مع أن هذا الأمر قد تكفل به الله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. أنت عليك يا عبد الله أن تتخذ الأسباب الشرعية الحسية وغير ذلك مما أجاز الله وأباح، والله سبحانه وتعالى هو الرزاق، هو الذي يرزقك، ولن تموت يا أخي من الجوع، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث جابر: «إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه وأجله، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب، فإن عند الله لا ينال إلا بالحرام». أخرجه الإمام الحاكم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، وهو حديث صحيح، صححه الشيخ الألباني، والشيخ مقبل، وغيرهما من أئمة الحديث. وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يثبت هذا المعتقد في نفوس الصحابة. جاء عند ابن أبي عاصم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى تمرة عائدة فأعطاها السائل، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو لم تأتها لأتتك». طالما أنها قد كتبت من رزقك، إذا لم تأتها هي ستأتي إليك، هي ستأتي إليك لأنها رزق قد كتب الله عز وجل أنه لك، فسأتيك، سأتيك بأي وسيلة كانت. وهكذا حديث عبد الله بن مسعود: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». وأنت في بطن أمك قد كتب رزقك، فما عليك إلا الاطمئنان وراحة النفس، ولا يقلقك هذا الأمر ولا يحزنك ولا يذهب بسعادتك. هذا هو حال المؤمن. أما حال الكافر لنعم الله عز وجل غير الشاكر، فإنه يتسخط، بل ربما ذهب إلى طرق محرمة كالسحر والكهانة والصروف، كما أخبر بعض الإخوة أن كثيرا ممن يعملوا في البحر يتعاملوا بالصروف من أجل أن يزيد رزقه، ومن أجل أن يستمر رزقه. وهذا شرك بالله سبحانه وتعالى، من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد. وهذا من عدم شكر نعمة الله عز وجل عليك، تذهب إلى هذه الطرق الكفرية المحرمة. فينبغي للمؤمن أن يطمئن، وأن كذلك يستشعر مثل هذه الأدلة. فالمؤمن ينبغي أن يكون قانعا. وجاء في حديث فضالة بن عبيد عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا، وقنع». وفي رواية: «وقنع». فهذا هو حال المؤمن، بشره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بطوبى، وهي العاقبة الحسنة، أو شجرة في الجنة، على ما جاء في تفسير بعض السلف لهذه اللفظة. هذا هو حال المؤمن. وجاء في حديث عبيد الله بن محصن الخطمي الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال عليه الصلاة والسلام: من أصبح في سربه آمنا، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». كأنه ملك الدنيا كلها، إن كان عنده من القناعة، وعنده كذلك من الأمن والمعافاة في الجسد. هذه نعم عظيمة، هذه نعم عظيمة، فإذا استشعر المؤمن هذا عاش عيشة هنيئة طيبة. قال رحمه الله: "وهكذا في غيرها من الأمور التي تنزل بالمؤمن أو بغيره". الشاكر والمؤمن لا يقلق من الموت، لا يخاف من الموت، لأنه يعلم أن الموت بأجل، أن الموت بأجل، يؤمن بقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فإذا آمن بهذه الآية يكون عنده من الشجاعة، وعنده من الاطمئنان، وعنده من الهدوء والسكينة، لأنه يعلم أن أجله، أن موته بأجل. وكذلك غيرها من المصائب، يعلم أنها بأجل، يؤمن بقول الله عز وجل: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. فيؤمن بهذه الآيات، ويؤمن بهذه الأخبار التي أخبر بها الرب سبحانه وتعالى، فيحدث في نفسه هذا الإيمان من الاطمئنان، من الراحة، من السكينة، وهذا من السعادة. هذا هو حال الشاكر. قال وهو يتحدث عن حال الكافر لنعم الله عز وجل: "ويتلقى المصائب بقلق وجزع وخوف وضجر، فلا تسأل عما يحدث له من شقاء الحياة، ومن الأمراض الفكرية والعصبية، ومن الخوف الذي قد يصل به إلى أسوأ الحالات وأفضع المزعجات، لأنه لا يرجو ثوابا ولا صبر عنده يسليه ويهون عليه". فهذا هو حال كثير من الناس، غير الشاكر: إذا نزلت به مصيبة يخاف ويجزع ويفكر، وربما لا يأتيه النوم أياما، لا يأتيه النوم، يهتم ويغتم بهذه النازلة التي نزلت به، لأن ما عنده إيمان، ما عنده ارتباط بالخالق سبحانه وتعالى. بل ربما يؤدي الأمر كما سمعتم في الدرس الماضي من أخينا بهاشم، أنه ربما يؤدي الأمر إلى أن يصل به إلى الجنون، يجن، لا يتحمل هذه المصائب، وأذى من قلة إيمانه، من قلة إيمانه، ويصاب بالأمراض العصبية، وبكذلك الأمراض الأخرى التي بسبب هذا الخوف، بل ربما بالأمراض العضوية، بالأمراض العضوية كَالشلل وغيره. كم نسمع: فلان أصيب بجلطة، بجلطة، لماذا؟ قالوا: ارتفع عليه الضغط، لماذا؟ قالوا: لأنه انزعج من أمر نزل به فتوتر، وكذلك جاءته من الحد والغضب حتى أصابه هذا المرض، أصابه هذا المرض لأنه ما تلقى هذه المصيبة بالطرق الشرعية، من الصبر: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، من الاحتساب الأجر، إلى غير ذلك. المؤمن يكون في هدوء إذا نزلت به أمر، فوجئ به: مات ابنك، مات أبوك، «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها»، يرجع إلى الله عز وجل. انظروا: إذا كان عنده هذا الإيمان سيبقى هادئ البال مستريح. أما ذاك الذي ما عنده هذا الإيمان، يقال له: مات ابنك، ربما يجري في الشارع. يعرف واحد قيل له: مات ابنك، خرج من المستشفى مجنون، سبحان الله! يجري في الشارع ويبكي. هذا من عدم الصبر على المصائب. أما المؤمن فيهدئ نفسه بالآداب الشرعية، وهذا من سعادة المرء، هذا من سعادة المرء ومن اطمئنان قلبه. فهذا هو حال غير الشاكر. قال رحمه الله: "وكل هذا مشاهد بالتجربة، ومثل واحد من هذا النوع إذا تدبرته ومثلته على أحوال الناس رأيت الفرق العظيم بين المؤمن العامل بمقتضى إيمانه وبين من لم يكن كذلك". وهو أن الدين يحث غاية الحث على القناعة برزق الله وبما أتى العباد من فضله وكرمه المتنوع، كما تقدم. قال: "فالمؤمن إذا ابتلي بمرض أو فقر أو نحوه من الأغراض التي كل أحد عرضة لها" - هذا هو حال الدنيا، لا تظن عبد الله أنك ستعيش في هذه الحياة بدون ابتلاء وبدون نزول بلاء، لا تظن هذا، هذه الدنيا متقلبة، يوم تسر ويوم تحزن، فينبغي عليك أن توطن نفسك - "فإنه بإيمانه، أي المؤمن الشاكر، فإنه بإيمانه وبما عنده من القناعة والرضا بما قسم له، بما قسم الله له، تجده قرير العين، لا يتطلب بقلبه أمرا لم يقدر له". مات ابنك، ماذا ستقدم وتؤخر؟ مات أبوك، ماذا ستقدم وتؤخر؟ أصابتك جائحة، ماذا ستقدم وتؤخر؟ فالأمر لله عز وجل. ولذلك قال: "لا يتطلب بقلبه أمرا لم يقدر له، ينظر إلى من هو دونه، ولا ينظر إلى من هو فوقه". وهذا أيضا من أسباب السعادة، ومما ينبغي أن يتحلى به المؤمن. لا يكن همه أن يكون أغنى من فلان، أو عنده سيارة أرفه من فلان، أو عنده بيت أضخم من فلان. لا، كما قال النبي صلى الله عليه وعليه وسلم: «انظروا إلى من هو دونكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم»، فهذا في أمور الدنيا، هذا في أمور الدنيا، انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أحرى أن لا تحتقروا نعمة الله عليكم، يعني أدعى إلى أن تحقروا نعمة الله عليكم. فهكذا ينبغي للمؤمن أن يوطن نفسه على هذا الأمر، ينظر إلى من هو دونه. أنت ما شاء الله أعطاك الله زوجة، انظر إلى فلان قد بلغ الأربعين أو الستين ما يستطيع أن يتزوج، تعرف نعمة الله عز وجل عليك. معك بيت متواضع فيه ثلاث غرف وحمام، ما شاء الله يسترك ويستر أهلك، فلان ما عنده، يستأجر في الشهر بخمسة عشر ألف أو بأكثر من ذلك أو بأقل، احمد الله عز وجل على هذه النعمة. فلان ما عنده قوت يومه، ربما عليه من الديون وعليه من الأشياء العظيمة، وأنت الحمد لله تجد قوت يومك، احمد الله عز وجل. لا تقول: فلان معه رصيد مليون، أنا ما معي إلا خمسمائة، تتحسر وتندم. لا يا أخي، الدنيا زائلة، الدنيا زائلة، يكفيك فيها كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قد أفلح من أسلم وكان عيشه كفافا». بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يجوع ويقول: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا». وقال العلماء: معنى قوتا أي ما يسد الرمق. وهذا هو الحال الذي اختاره الله عز وجل لنبيه. إذا قرأت في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام كان عليه الصلاة والسلام فقيرا، ربما تمر الليلة والليلتان والثلاث، والشهر والشهران، ولا يوقد في بيت النبي صلى الله عليه وسلم نار، لا توقد نار، كان طعامه عليه الصلاة والسلام الأسودين، الأسودين: التمر والماء. كذلك في الأكل، ما شاء الله تأكل من الطيبات من السمك ومن غيره، لا تقول: فلان يأكل في الأسبوع مرتين من اللحم وتتحسر. احمد الله عز وجل، الدنيا هذه جائعة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه». هذا يكفيه، حسبه أن يكفيه. فهكذا ينبغي أن تنظر إلى من هو دونك في كل شيء من أمور الدنيا، في الرزق، في المال، في الصحة، في الزوجة، في كل هذه النعم الدنيوية. قال: "ينظر إلى من هو دونه ولا ينظر إلى من هو فوقه، وربما زادت بهجته وسروره وراحته على من هو محصور على جميع المطالب الدنيوية إذا لم يؤتى القناعة". وهذا حق، تجد إنسان عنده من الأموال وعنده من كذلك أمور هذه الدنيا وحطامها، ومع هذا إنسان ما عنده شيء، بقناعته يصل إلى مرتبة من السعادة ومن الراحة أعظم وأعظم من ذلك الذي أعطي ما أعطي من أمور هذه الدنيا. وهذا حق مشاهد مجرب في هذه الدنيا وفي هذه الحياة. فانظر مثلا إنسان عنده من الأموال وعنده... فما عنده قناعة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن لابن آدم واديا من ذهب لابتغى ثانيا، ولا يملأ في ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة الصحيح: «ليس الغنى عن كثرة العرض، يعني كثرة المال، ولكن الغنى غنى النفس». هذا هو الغنى الحقيقي، القناعة، القناعة. وهكذا يقول الإمام الشافعي ويعبر عن هذا المعنى بقوله فيما نسب عنه: إذا ما كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواه إذا كان عند قلب قنوع، عنده من القناعة بما أعطي من هذه الدنيا، فكأنك أنت ومالك الدنيا سواه، بل ربما تفوق صاحب الدنيا، تفوق صاحب الدنيا. قال: "كما تجد هذا الذي ليس عنده عمل بمقتضى الإيمان إذا ابتلي بشيء من الفقر أو فقد بعض المطالب الدنيوية تجده في غاية التعاسة والشقاء، وإن كان عنده الكثير من أمور هذه الدنيا، لكن إذا فقد واحدا منها عاش عيشة نكدة وتعيسة بسبب عدم شكره وإيمانه بما رزق الله سبحانه وتعالى". طيب، إلى هنا... ترجمة نانسي قنقر.