الدرس في الوسائل المفيدة للحياة السعيدة 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أن انشغال العبد بعمل يومه الحاضر دون تشتت في المستقبل أو حزن على الماضي من وسائل الحياة السعيدة. ويستدل باستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن، مؤكداً أن جمع القلب على إصلاح الوقت الحاضر يكمل الأعمال ويذهب الغموم.
يؤكد المقطع على حصر التفكير في إنجاز عمل اليوم الحاضر وتجنب هموم المستقبل أو ندم الماضي. ويستند إلى توجيه النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، مقسماً الأمور إلى ما يسعى فيه العبد مع التوكل وما يسلم فيه لقضاء الله.
يشير المقطع إلى أن الإكثار من ذكر الله وتلاوة القرآن من أعظم أسباب انشراح الصدر وطمأنينة القلب. ويحذر من سماع الغناء والموسيقى الذي يؤدي إلى قسوة القلب والهموم، داعياً لاستغلال رمضان في الأذكار والدعاء.
يوضح المقطع أن المؤلف سيختار مجموعة من الأذكار التي تعد من أنفع الأسباب لحياة سعيدة. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بذلك مع التوكل على الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فقد أخذنا في الدروس الماضية من هذه الرسالة القيمة ثلاثة وسائل من الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، فمن يذكرنا إياها؟ نعم: الأول: الإيمان بالله والعمل الصالح، والثاني: الانشغال بعمل من الأعمال أو بعلم من العلوم النافعة، والثالث: الإحسان إلى الخلق. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ومما يدفع به الهم والقلق: اجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر، وقطعه عن الاهتمام في المستقبل، وعن الحزن على الوقت الماضي». ولهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن. فهذا أيضا من الوسائل المهمة في الحياة السعيدة، وفي ذهاب الأحزان والهموم والغموم: أن ينشغل العبد ويهتم بالوقت الحاضر، بعمل اليوم الحاضر، ولا يشغل نفسه بالاهتمام بأمور في المستقبل، أو بأمور قد مضت؛ فإن هذه الأمور تشغله وتجلب له الأحزان والهموم. مثال ذلك: إنسان فتح على نفسه أشياء تحتاج منه إلى إعداد، وتحتاج منه إلى إمكانيات حتى يحقق هذه الأمور المستقبلة، فلا ينشغل بها ويهتم بها في يومه. وينبغي التنبه لتقييد المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «الاهتمام بعمل اليوم الحاضر»، ولم يقل مثلاً: أن يرسم المسلم لنفسه خطة في المستقبل. لا، ليس المراد به مجرد تمني بعض الأشياء الطيبة في المستقبل، هذا أمر طيب، لكن المراد: الاهتمام والانشغال بهذا الأمر الذي سيحدث في المستقبل ولم يحن وقته، فهذا هو المراد بعدم الانشغال بهذا. فمثال ذلك: إنسان ما عنده الآن في هذا اليوم إعداد لأمر الزواج، فلا يشغل نفسه ويحدث نفسه ويفكر: من سيخطب من النساء؟ وكيف سيكون زواجه؟ وكيف ستكون الوليمة؟ وهو ربما لا يملك نقود المهر، وهو يفكر ويشغل نفسه بهذا الأمر، فهذا مما يجلب عليك الهم والحزن. كذلك إنسان ربما يشغل نفسه بسفر، أو بعمل من الأعمال التي تكون في المستقبل، أو بوظيفة، أو بأمر من الأمور، فيشغل نفسه ولم يعد الإعداد لهذا الأمر المستقبل. فالمراد بهذا: أن ينشغل بعمل يومه الذي قد تيسر له أو تيسرت له سبل عمله ووسائل عمله. قال: «ولهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن». فالحزن على الأمور الماضية التي لا يمكن ردها ولا استدراكها، والهم الذي يحدث بسبب الخوف من المستقبل. وهذا الحديث في الصحيحين: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن». فالهم على الأمور المستقبلة التي تكون في المستقبل، فلا تشغل نفسك بها وتهتم بها وتكثر التفكير فيها، وإنما ينبغي عليك أن تعمل ما تحتاجه في يومك، وتسعى وتنشغل بما تحتاجه في يومك. قال: «والهم الذي يحدث بسبب الخوف من المستقبل، فيكون العبد ابن يومه، يجمع جدّه واجتهاده في إصلاح يومه ووقته الحاضر؛ فإن جمع القلب على ذلك يوجب تكميل الأعمال». إذا حصر التفكير في عمل اليوم، تستطيع أن تنجز عمل يومك، أما إذا شتّتت نفسك في أمور خيالية، فإن هذا مما يجلب لك الهم والغم. قال: «فإن جمع القلب على ذلك يوجب تكميل الأعمال، ويتسلّى به العبد عن الهم والحزن». والنبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا بدعاء، أو أرشد أمته إلى دعاء، فهو يحث مع الاستعانة بالله والطمع في فضله على الجد والاجتهاد في التحقق لحصول ما يدعو بحصوله، والتخلي عما كان يدعو لدفعه؛ لأن الدعاء مقارن للعمل. فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين والدنيا، ويسأل ربه نجاح مقصده، ويستعينه على ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». يعني: يريد بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا حث أمته على أن يحققوا ويتخذوا الأسباب في تحقيق هذا العمل، في تحقيق هذا الطلب الذي يطلبونه من ربهم سبحانه وتعالى. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في هذا الحديث: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». يعني: اعمل لهذا العمل الذي تريد أن تنجزه، واستعن بالله مع الاستعانة بالله؛ لأنه لا حول ولا قوة للعبد إلا بالله سبحانه وتعالى، ولا إعانة للعبد إلا من الله سبحانه وتعالى. قال: «وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان». قال: فجمع صلى الله عليه وسلم بين الأمر بالحرص على الأمور النافعة في كل حال، والاستعانة بالله، وعدم الانقياد للعجز الذي هو الكسل الضار. العجز هو الكسل الضار. فأنت تعمل ليومك، وتعمل ما تحتاجه في يومك. وهذا أيضا فيه فائدة أخرى: وهي أنك إذا انشغلت بعمل غير يومك، ربما يباغتك الأجل، وصار هذا الاهتمام وهذا التفكير وهذا الانشغال مما لا ينفعك؛ لأنه قد انقطع أجلك، فلن تستطيع الوصول إليه. قال: وبين الاستسلام للأمور الماضية النافرة، ومشاهدة قضاء الله وقدره، وجعل الأمور قسمين: قسما يمكن العبد السعي في تحصيله أو دفعه أو تخفيفه، فهذا يبذل فيه العبد مجهوده ويستعين بمعبوده، وهذا في قوله: «احرص على ما ينفعك». فأنت الذي ينفعك في يومك، فينبغي عليك أن تسعى إلى تحقيقه. قال: «وقسما لا يمكن فيه ذلك، فهذا يطمئن له العبد ويرضى ويسلم». ولا ريب أن مراعاة هذا الأصل سبب للسرور وزوال الهم والغم. وهذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا». يعني: في الأمور الماضية، لا تنشغل بها ولا تهتم بها؛ لأنها قد مضت، وانشغالك واهتمامك بها لا يزيد ولا يرد لك هذا الأمر، وإنما تشغل نفسك بغير طائل. قال رحمه الله: «ومن أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينته: الإكثار من ذكر الله؛ فإن لذلك تأثيرا عجيبا في انشراح الصدر وطمأنينته، وزوال همه وغمه». قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فذكر الله أثر عظيم في حصول هذا المطلوب، لخاصته ولما يرجوه العبد من ثوابه وأجره. وهذا أمر مهم جدا: الإكثار من ذكر الله، سواء أكان من قراءة القرآن؛ لأن أعظم الذكر هو تلاوة القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فمن أعظم ذكر لله عز وجل أن تتلو كتابه سبحانه وتعالى، هذا من أعظم الأسباب في انشراح الصدر. ثم بعد ذلك تكثر من الأذكار المطلقة والمقيدة، فهذا له أثر عظيم في سعادة وانشراح الصدر وطمأنينة القلب، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. إخبار من الله عز وجل أن بذكره سبحانه وتعالى تطمئن القلوب. وعكس ذلك: من انشغل وأكثر من غير ذكر الله، من الكلام الفارغ، ومن الغيبة، ومن النميمة، ومن سماع الغناء، ومن سماع الموسيقى وغير ذلك، فهذا مما يقسي القلب ويجلب الهم والغم. كم من الناس انشغلوا بهذا الأمر بالغناء واستماع الموسيقى، فصاروا في هموم وغموم ونكد وضيق في الصدر؛ لأن هذا مزمار الشيطان. ولا يجتمع في قلب العبد حب ذكر الله وحب الغناء والموسيقى أبداً، كما قال ابن القيم: «حب القرآن وحب الغناء في قلب عبد ليس يجتمعان أبداً». فاحذر يا عبد الله من أن تسمع الغناء؛ فإنه مع مضاره الكثيرة من قسوة القلب، ومن البعد عن ذكر الله، فإنه محرم بنص الكتاب والسنة. ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، وفسر جماعة من أهل العلم لهو الحديث بالغناء. وحديث أبي مالك أو أبي عامر الأشعري: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والحرير والخمر والمعازف» - وفي هذا الحديث دليل على التحريم. وقد جمع الشيخ الألباني رسالة في هذا، جمع فيها كثيراً من الأحاديث التي فيها تحريم هذا الأمر وهو الغناء. فينبغي عليك يا عبد الله أن تكثر من ذكر الله، قراءة القرآن، لا سيما في هذا الشهر المبارك، شهر القرآن. ونحن الآن في آخر هذا الشهر، الليلة القادمة أول ليالي العشر، فأكثر من ذكر الله، من قراءة القرآن، ومن الدعاء؛ فإن الدعاء من الذكر. وأيضاً المراد بالذكر: ذكر اللسان وذكر القلب. تذكر الله عز وجل بقلبك، إذا قدمت على معصية أو حدثت نفسك لفعل أمر يغضبه سبحانه وتعالى، فتذكر ربك سبحانه وتعالى، وأن الله شديد العقاب، ولا تنظر إلى صغر هذه المعصية، ولكن انظر إلى من تعصي سبحانه وتعالى. فهذا سبب عظيم من أسباب انشراح الصدر: ذكر الله سبحانه وتعالى. فاحرص على الأذكار المطلقة والمقيدة، وعلى قراءة القرآن، وعلى الدعاء. وسيأتي أيضاً اختيار المؤلف لبعض الأذكار التي هي من أنفع ما يكون من الأسباب المفيدة للحياة السعيدة. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.