الوسائل المفيدة للحياة السعيدة 6

الوسائل المفيدة للحياة السعيدة 6

الدرس في الوسائل المفيدة للحياة السعيدة 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حديث «لا يفرك مؤمن مؤمنة» ومعاملة الزوجة

يوضح المقطع أن حديث «لا يفرك مؤمن مؤمنة» يدعو إلى ترسيخ المودة ودوام العشرة بالتغاضي عن عيوب الزوجة وموازنتها بمحاسنها. ويستدل بخلق المرأة من ضلع أعوج والنهي عن تقويمها بالكسر، مؤكداً أن سياسة الأهل تقوم على المداراة والصبر لا المحاسبة على كل صغيرة.

أصول المعاشرة الزوجية والتغاضي عن الصغائر

يبيّن المتحدث أن المرأة ناقصة عقل ودين بطبعها، فينبغي للزوج عدم مؤاخذتها بكل هفوة والتفرقة بين النشوز العظيم والهفوات اليسيرة في الطبخ والفراش. ويؤكد أن التغاضي عن العيوب الطفيفة أساس للحياة السعيدة مستنداً إلى الحديث النبوي والآية القرآنية وأقوال الشعراء.

التغاضي عن الهنات والصبر على الصغائر لاستغلال الحياة القصيرة

يسرد المؤلف فائدتين: حسن معاشرة من يعايشك بالتغاضي عن الهنات والنظر إلى المحاسن، وزوال الهم بالرضا والقناعة. ويحذر من الذين يصبرون على الكبار ويجزعون من الصغائر، داعياً العاقل إلى توطين نفسه على كل الأمور واستثمار حياته القصيرة في الطمأنينة.

الانشغال بالنافع وترك الهم والغم

ينصح المتحدث بالانشغال بما ينفع في الدين والدنيا لأن الهم والغم لا يجديان بل يسببان التعاسة. ويختتم بتوجيه مختصر ودعاء بالتوفيق والرضا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: فمن الوسائل المفيدة التي ذكرها العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى قوله: وفي قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر» رواه مسلم. فائدتان عظيمتان. ومعنى «لا يفرك»: أي لا يبغض مؤمن مؤمنة. قال: هذا الحديث فيه فائدتان، أي تتعلق بموضوع هذا الكتاب وهو الوسائل المفيدة. قال: إحداهما الإرشاد إلى معاملة الزوجة والقريب والصاحب والمعامل، وكل من بينك وبينه علقة واتصال، وأنه ينبغي أن توطن نفسك على أنه لا بد أن يكون فيه عيب أو نقص أو أمر تكرهه. فإذا وجدت ذلك فقارن بين هذا وبين ما يجب عليك أو ينبغي لك من قوة الاتصال والإبقاء على المحبة، بتذكر ما فيه من المحاسن والمقاصد الخاصة والعامة. وبهذا الإغضاء عن المساوئ وملاحظة المحاسن تدوم الصحبة والاتصال، وتتم الراحة، وتحصل لك هذه الفائدة الأولى من هذا الحديث. وخلاصة هذا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيّن أن الإنسان لا بد أن يكون فيه نقص، وأن يكون فيه عيب، وأن يكون فيه أمر تكرهه. فإذا كان الأمر كذلك، فمن أسباب الشقاء ومن أسباب كذلك الهم والحزن: أنك تحاسب على كل صغيرة وكبيرة، وتخاصم صاحبك أو زوجك أو قريبك على أي شيء يصدر منه. هذا من أسباب الهم والحزن والقلق والانزعاج. ومن أسباب الفرح والسرور والحياة الطيبة: أن تغض الطرف عن بعض المساوئ، لأن هذا من جبلة هذا الإنسان أنه لا يكمل، أنه لا يكمل. وذكر رحمه الله تعالى هذا الحديث؛ لأن الغالب في الإنسان أنه يعيش مع زوجه ويمكث مع زوجه ويستقر مع زوجه، كما قال الله عز وجل: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾. المرأة لباس لزوجها، وأكثر وقت الإنسان مع زوجته. فلذلك نبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن هذه الزوجة من جبلتها ومن خلقتها النقص والاعوجاج، فلا تحاسب على كل صغيرة وكبيرة، وتريدها أن تكون كاملة لا نقص فيها ولا عيب. فإن كنت كذلك صارت حياتك شقاء وتعاسة، كل يوم أنت في مخاصمة مع زوجتك، والتي أكثر وقتك عندها وفي بيتها. ولذلك ورد في الصحيحين حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا». وفي لفظ لمسلم: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع أعوج، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها». قال: وكسرها طلاقها. فمن هذه الأحاديث يبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان يدار ويسائس النساء وغيرهن ممن يعيشهم من الأصحاب والأصدقاء والأقارب، وإن كان النساء أكثر من يكون فيه العوج بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام. وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن». فقلن: يا رسول الله، وما نقصان عقلنا وديننا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أليس شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل؟» فذلك نقصان عقلها. «وليست المرأة إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟» فذلك نقصان دينها. فإذا المرأة ناقصة، «ما رأيت من ناقصات عقل ودين». ناقصة عقل المرأة مهما بلغت من العلم ومن حفظ القرآن والسنة وإلى غير ذلك، تجد فيها العوج. هذه طبيعة وجبلة جبلت عليها. فإن أردت الحياة السعيدة، لا تؤاخذ على كل صغيرة وكبيرة، لا تؤاخذ على كل صغيرة وكبيرة. وينبغي أن تفرق بين الأمور: بعض أشياء ما يسكت عنها. إذا نشزت المرأة وعصت في أمر عظيم، فهذا تقتضي معه الأسباب الشرعية التي بين الله عز وجل: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾. هذه الناشزة التي أتت بأمر عظيم، لا تطيع أمر زوجها في أمور عظيمة: ككثرة الخروج من البيت إلى الأسواق، أو ارتكاب بعض المعاصي، أو إلى غير تلك الأمور العظيمة. أما أشياء في الطبخ وفي العشرة في الفراش، فهذا الإنسان يغض الطرف، يغض الطرف. فلو حاسب على كل ما يصدر أخطاء من زوجته، لعاش عيشة تعيس، وربما أدى الأمر في النهاية إلى فراقها، إلى فراقها. ولذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبه على ذلك، نبه على ذلك. وإذ أعجب واستغرب من بعض المشاكل الأسرية بسبب أمور تافهة: رجل لطم امرأته في وجهها. لماذا يا أخي؟ قال: عندي ضيف وأحرقت العشاء. سبحان الله! هل هي تعمدت هذا؟ أمر قدره الله. ما يحتاج أن تلطمها، ولا أن تخاصمها. يبس أن تقول: لا أعمل عشاء آخر، أو تذهب وتأتي بعشاء آخر وتحل المشكلة. أما أن تجعل من هذا طلاقا ومخاصمة ومجادلة، فهكذا هذه الأسباب ينبغي أن يتغلب عليها الحازم، وينبغي أن تسائس النساء وتدار النساء. وهنا أيضا المؤلف عمم، والحديث ورد مورد الغالب. إن الغالب في الإنسان أنه يعايش أهله: «لا يفرك مؤمن مؤمنة». لكن أيضا من تعايش من الأصحاب والأصدقاء والأقارب والجيران والإخوان، يحتاجون منك أيضا إلى مسايسة ومداراة، ولا تؤاخذ على كل صغيرة وكبيرة، لا تؤاخذ على كل صغيرة وكبيرة. إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك، لمن تلغي الذي لم تعاتبه؟ ما في إنسان يكمل. لو أنك تعاتب صديقك وصاحبك على كل صغيرة وكبيرة، ما وجدت صاحبا تصاحبه أبدا، ما وجدت صاحبا تصاحبه ولا أخا تؤاخيه، لأنك تريد الكمال، وهذا محال في بني الإنسان. محال أن يكون الإنسان كاملا. وقال الآخر: «من ذا الذي ترضى سجاياه كلها * كفى المرء نبلا أن تعدى معايبه». من الفخر بالإنسان أن تكون عنده معايب لكنها قليلة، هذا من الفخر. وليس من الفخر أن يكون الإنسان ليس عنده معايب، هذا مستحيل. لكن لا بد أن تكون المعايب، لكن الذي تكون فيه المعايب قليلة، هذا نبلا وفخر. وقال الآخر: «من ذا الذي ما ساء قط * ومن له الحسنى فقط». أن يوجد هذا في بني الإنسان. فهكذا ينبه المؤلف إلى أن مسألة المعاشرة والمخالطة تحتاج إلى الانتباه لهذا الأمر، والانتباه لهذا الأمر، والتفريق بين الأمور الصغيرة والكبيرة. أو تماشي إنسان معربد سكير زاني سباب شتام لعان، وتقول: كفى المرء نبلا أن تعدى معايبه؟ لا. وإنما المراد الأشياء التي ليست بتلك، ليست بتلك، بعض الأخلاق السيئة التي مع الوقت ربما تعينه على تركها وعلى كذلك التخلص منها. هذه الفائدة الأولى التي نبه عليها المؤلف رحمه الله تعالى، وخلاصتها: أن من سعادة المرء أن يسائس من يعايشه، من يعايشه، وأن يرفق به، وأن يغض الطرف عن الأشياء الهينة، حتى لا يكون المخاصمة مع من يعايشه سببا لإغلاقه وانزعاجه وحزنه وهمه. هذه الفائدة الأولى. قال: الفائدة الثانية: وهي زوال الهم والقلق، وبقاء الصفاء، والمداومة على القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة، وحصول الراحة بين الطرفين، يعني بينك وبين من أنت عايشه. ومن لم يسترشد بهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، بل عكس القضية، فلحظ المساوئ وعني عن المحاسن، فلا بد أن يغلق، يخيل فلان مثلا عنده ذات الخلق السيئة، انظر إلى الأخلاق الأخرى، انظر إلى الأخلاق الأخرى. زوجتك مثلا عندها شيء من التعب، عندها شيء من يعني ضعف الحركة، عندها شيء مثلا من حب أهلها والذهاب إليهم، عندها شيء من كذلك التقصير في بعض الأمور التي تتعلق بالفراش. صابرها وناصحها، وانظر إلى المحاسن الأخرى: ما شاء الله، يعني مستقيمة وترعى أمور البيت، وهكذا تنظم البيت، وعندها من الصدق، وعندها كذلك من حسن التبعل، وعندها كذا وكذا وكذا. انظر إلى هذه الأخلاق: «إن كره منها خلقا رضي منها آخر». وهكذا أصحابك وإخوانك، وكذا أصحابك وإخوانك، أصحابك، أصحابك، أصحابك، أصحابك، أصحابك. المعنى الذي نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم: لا بد أن يقلق، ولا بد أن يتكدر ما بينه وبين من يتصل به من المحبة، ويتقطع كثير من الحقوق التي على كل منهما المحافظة عليها. قال: وكثير من الناس ذوي الهمم العالية يوطنون أنفسهم عند وقوع الكوارث والمفجعات على الصبر والطمأنينة، لكن عند الأمور التافهة البسيطة يقلقون ويتكدر الصفاء. والسبب في هذا: أنهم وطنوا نفوسهم عند الأمور الكبار، وتركوها عند الأمور الصغار، فضرتهم وأثرت في راحتهم. وهذا ربما تجده عند بعض الناس: في الأمور العظيمة، المصائب والمفجعات، تجد عنده صبرا عجيبا وتحملا وكذلك توطينا. لكن إذا صدر أمر هين، جعل منه أمرا عظيما، جعل منه أمرا عظيما. فهذا لا ينبغي. قال: فالحازم يوطن نفسه على الأمور القليلة والكبيرة، على الكل، ويسأل الله الإعانة عليها، وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين. فعند ذلك يسهل عليه الصغير كما سهل عليه الكبير، ويبقى مطمئن النفس، ساكن القلب، مستريحا طيبا. قال: ومنها، أي من هذه الوسائل المفيدة للحياة السعيدة: قال: ومنها العاقل يعلم أن حياته الصحيحة، حياة السعادة والطمأنينة، وأنها قصيرة جدا، فلا ينبغي له أن يقصرها بالهم والاسترسال مع الأكدار، فإن ذلك ضد الحياة الصحيحة. فيشح بحياته أن يذهب كثير منها نهبا للهموم والأكدار. ولا فرق في هذا بين البر والفاجر، ولكن المؤمن له من التحقيق، أو من التحقق بهذا الوصف، الحظ الأوفر والنصيب النابع، العاجل والآجل أيضا. هذا أمر مهم: فأنت يا أخي، يا من أشغلت نفسك بالقلق والأحزان، اعلم أن هذه الدنيا قصيرة، قصيرة، وساعات محدودة في يومك، وسنوات محدودة في عمرك. فلا تستحق هذه الدنيا أن تضيعا، وأن تضيعا ساعاتها وأيامها وسنينها في الهموم والغموم والأحزان. لا تستحق هذا، لأنها حياة قصيرة. فأنت إذا أشغلت نفسك بالأحزان والهموم والغموم، فاتك من الأشياء المفيدة في هذه الأوقات اليسيرة الشيء الكثير، الشيء الكثير. فالدنيا ما تستحق ذلك. فالعاقل من ينتبه لهذا. وإذا هجمت عليه هذه الهموم والأحزان، يتذكر هذا: لماذا يشغل نفسه بهذا؟ يشغل نفسه بشيء ينفعه، بشيء مفيد في دينه ودنيا. لأن الهم والغم لا ينفعه بشيء، بل يكون سببا في تعاسته، والعياذ بالله. طيب، نكتفي بهذا. الله تعالى.