الوسائل المفيدة للحياة السعيدة 5

الوسائل المفيدة للحياة السعيدة 5

الدرس في الوسائل المفيدة للحياة السعيدة 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

السعي في إزالة الهموم بالأسباب الشرعية والتوكل والدعاء

يبيّن المحور أن طريق السعادة يكمن في السعي لدفع الهموم بنسيان الماضي المؤلم وعدم القلق من المستقبل، مع التوكل على الله والأخذ بالأسباب المشروعة، ويختم بأهمية الدعاء والالتجاء إلى الله كعلاج ناجع للهموم.

شرح دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أصلح لي ديني

يتناول المحور شرح معاني الدعاء النبوي الجامع لصلاح الدين والدنيا والآخرة، مبيناً أن الابتلاء قد يكون من صلاح الدين، وحاثاً على الإكثار منه في أوقات الإجابة كقيام الليل والسجود.

فضل الدعاء في السجود ومشروعية دعاء المكروب

يؤكد المحور أن السجود ذروة الذل والخشوع، وينكر الإطالة المفرطة في قنوت الوتر، ويرشد إلى الإكثار من الدعاء الصادق في السجود خاصة دعاء المكروب: «اللهم رحمتك أرجو...»، مستشهداً بأدعية الأنبياء عند الشدائد.

أثر الدعاء الصادق مع الاجتهاد في تحقيق المطالب وتحول الهم إلى فرح

يقرر المحور أن من أكثر من الدعاء المصلح لقلبه ودنياه بقلب حاضر ونية صادقة، واجتهد في أسباب تحقيقه، استجاب الله له وحقق رجاءه، فتحول همه إلى فرح وسرور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فقد تقدّم في دروس ماضية الكلام على بعض الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، وقد أخذنا وقرأنا من هذه الأسباب ما يقارب الخمسة. فمن يذكرون إياها؟ نعم، نعم. طيب، طيب: الإيمان بالله، العمل الصالح، الإحسان للخلق، وماذا؟ نعم: الانشغال بعمل من الأعمال أو بعلم من العلوم النافعة. كذلك بقي اثنان: من يكملها؟ اجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر، تكون كما يقال: ابن يومك في الاهتمام وفي السعي. ومنها أخيرًا ما هو الخامس وهو مهم... آه، ذكر الله. نعم، ذكر الله والإكثار من ذلك. قال رحمه الله تعالى: «ومن الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم: السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم، وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور». يعني أنك تسعى في مدافعة، وفي كذلك التخلص من أسباب الهموم والغموم؛ لا تفتح على نفسك هذا الباب بالسعي خلف أسبابه، تقطع هذه الأسباب. وعكس ذلك: تسعى وتجد وتجتهد في الأسباب الجالبة للسرور، ولي كذلك الفرح والبهجة. قال: وذلك كيف يكون؟ قد يقول الإنسان: نعم، أنا أريد هذا، أريد أن أسعى في أسباب السرور، وأن أبتعد عن أسباب الهموم، فكيف السبيل؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: وذلك بنسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يمكنه ردها، ومعرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العجز والمحال، وأن ذلك حمق وجنون. أنت إذا استرسلت في أمور ماضية قد قدرها الله عز وجل وقضاها، فإن هذا الانشغال هل ينفع شيئًا في دفع هذا الهم والغم؟ لا، ما ينفع شيئًا. وأن من يفعل ذلك فهذا من السفه، ومن الحمق والجنون؛ لأنه اشتغل بشيء لا ينفع، واشتغل بشيء لا يؤثر. قال: فيجاهد قلبه على التفكر فيها، وكذلك يجاهد قلبه على قلقه لما يستقبله. يجاهد قلبه عن التفكر فيها، يعني عن الابتلاع، عن التفكر فيها. يجاهد نفسه، لا بد للإنسان أن يجاهد نفسه، المؤمن يجاهد نفسه في كل أمر خير في الدين والدنيا، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾. لا تستسلم وتخضع، وكذلك تجري خلف هذه الأمور المغلقة، بل ينبغي عليك أن تجاهد نفسك، أن تجاهد نفسك، وأن تستعين بربك. قال: وكذلك يجاهد قلبه عن قلقه لما يستقبله. لا تفتح لنفسك أبوابًا كثيرة في المستقبل وتنشغل بذلك، فتجاهد نفسك عن أن لا تفتح لنفسك هذه الأبواب. قال: مما يتوهمه أي في المستقبل من فقر أو خوف أو غيرهما من المكاره التي يتخيلها في مستقبل حياته. بعض الناس هكذا عنده أوهام وظنون، وهذا من سوء الظن بالله عز وجل، أنه كيف سيعيش في المستقبل، وكيف سيكون له بيت، وكيف ستكون له زوجة، وكيف الأولاد، وكيف كذا... آه، كذا، يسترسل ويهتم ويغتم بأمور الله أعلم بحصولها أو عدم حصولها، العلم عند الله عز وجل. ولربما لا يحصل شيئًا من ذلك، لا يحصل شيئًا من ذلك، فهو أشغل نفسه واهتم واغتم بأمر غيبي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. قال: فيعلم أن الأمور المستقبلة مجهولة، ما يقع فيها من خير وشر وآمال وآلام. هل تستطيع أن تجزم أنه سيحدث لك في السنة القادمة كذا وكذا؟ ما تجزم بذلك، وما تظن هذا الظن، أحسن الظن بالله سبحانه وتعالى. قال: فيعلم أن الأمور المستقبلة مجهولة، ما يقع فيها من خير وشر وآمال وآلام، وأنها بيد العزيز الحكيم، ليس بيد العباد منها شيء إلا السعي في تحصيل خيراتها. الأمور كلها لله سبحانه وتعالى، ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾، هو الذي يقدر لعباده ما يصلحهم، ما يصلحهم في دينهم ودنياهم، فالأمور بيد الله سبحانه وتعالى. قال: ليس بيد العباد منها شيء إلا السعي في تحصيل خيراتها ودفع مضراتها، يعني اتخاذ الأسباب. ليس معنى هذا الكلام أنك تترك العمل بالأسباب، وأنك لا تسعى، وأنك لا تخشى الفقر فتجلس في بيتك. لا، ليس المراد هذا. تتخذ الأسباب الشرعية، والأمور لله عز وجل. فالله سبحانه وتعالى قد حث عباده على أن يسعوا في هذه الحياة الدنيا لمعاشهم، ﴿ وَالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾، ابتغوا من فضل الله. ليس المراد عدم الانشغال بالأمور المستقبلة أنك تجلس وتترك الأسباب، فهذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قد حَرُم في الشريعة ترك الأسباب، حَرُم في الشريعة؛ لأن الشريعة أمرت باتخاذ الأسباب. فأنت إذا لم تتخذ الأسباب الشرعية المطلوبة منك شرعًا بدون مخالفات شرعية، فأنت قد قصرت في شريعة الله، لأن من شريعة الله الأمر باتخاذ الأسباب الشرعية. قال: ويعلم العبد أنه إذا صرف فكره عن قلقه من أجل مستقبل أمره، واتكل على ربه في إصلاحه، واطمأن إليه في ذلك، إذا فعل ذلك اطمأن قلبه، وصلحت أحواله، وزال عنه همه وقلقه. نعم، إذا سعى الإنسان وجعل الأمر لله يختار له ما أراد سبحانه وتعالى، اطمأن واستراح من الهموم والغموم والأحزان. قال رحمه الله تعالى: ومن أنفع ما يكون في ملاحظة مستقبل الأمور، يعني الأمور المستقبلة التي يرجوها العبد من الله سبحانه وتعالى، وفيها صلاح له في دينه ودنياه، من هذه الأمور: استعمال هذا الدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به. وننبه إلى أمر الدعاء، وهذا أمر يغفل عنه كثير من الناس، سواء كان في إصلاح أموره المستقبلة، أو في زوال همومه وغمومه على الأمور الماضية. فإن من أنفع ما يذهب هذه الأحزان والهموم والغموم: الالتجاء إلى الله، والذل والخضوع والاستكانة، والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء، بالدعاء. فهذا باب عظيم ينبغي أن يلاحظه العبد في أموره المستقبلة وفي أموره الماضية. ولذلك نبه هنا على دعائين، ليس على سبيل الحصر، وإنما على سبيل التمثيل لصغر هذه الرسالة، والنبيب يستدل بهذين المثالين على غيرها من الأمثلة الأخرى. فقال هنا: ومن أنفع ما يكون في ملاحظة مستقبل الأمور: استعمال هذا الدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به. انظروا إلى هذا الدعاء العظيم وما فيه من المعاني. ما هو هذا الدعاء؟ قال: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. هذا حديث عظيم ينبغي لكل مسلم أن يحفظه وأن يدعو به، وتمعنوا معاني هذا الحديث العظيم. «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري»: أولًا تدعو الله عز وجل بصلاح الدين، الذي هو الأصل، والذي يحدد به مصيرك، إما بسعادة في الدنيا والآخرة، وإما أعرضت عن هذا الأمر بشقاوة والعياذ بالله في الدنيا والآخرة. تدعو الله عز وجل أن يصلح لك الدين، أن يصلح لك الدين، وهذا يكون في الأمور الحاضرة والمستقبلة. «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري». ويظن بعض الناس أن صلاح الدين يكون بعدم الابتلاء في هذه الدنيا. لا، قد يكون من صلاح الدين أن تبتلى في هذه الدنيا، ويعلم الله أن نزول هذا البلاء بك هو من أعظم أسباب صلاح دينك. مثال ذلك، وهذا أمر قد نبه الله عز وجل عليه في القرآن: قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. فلربما يعلم ربك أن من صلاح دينك أن تبتلى بالفقر، أو بقلة اليد وعدم الغنى؛ لأن ربما بعض الناس يطغيه الغنى، كما قال القائل: «النفس تطمع أن تكون... أو النفس تجزع أن تكون فقيرة، والفقر خير من غنى يطغيها». وخير من ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانِ ﴾، سماه ابتلاء. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ﴾. فأنت إذا علمت هذا الأمر العظيم، هانت عليك المصائب، هانت عليك المصائب، وعلمت أن هذا الأمر ربما فيه خير لك، وفيه صلاح لك. كم من إنسان كان على طاعة، على استقامة، على خير، على بر، على تزود من تقوى الله سبحانه وتعالى، ففتحت عليه زهرة هذه الحياة الدنيا، فإذا به يترك ما كان عليه من خير. وهذا مشاهد، وهذا مشاهد وواقع لا ينكره أحد. فأنت تدعو الله بصلاح الدين، أن يختار لك ما فيه صلاح لدينك، وإن كان ظاهره أنه ماذا؟ أنه ضر بك، وأنه كذلك بلاء بك. ولكن عليك أن تصبر، وأن تعلم أن هذا الأمر اختاره لك ربك سبحانه وتعالى. فأنت تدعو الله بصلاح الدين، وتدعو الله أيضًا بصلاح الدنيا: «وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي». فجمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين خيري... فأنت تدعو الله بصلاح الدنيا والآخرة: «وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي». تدعو الله أن يصلح لك دنياك بأن يرزقك الرزق الحسن، الرزق الطيب، الرزق المبارك، البعيد عن المخالفات الشرعية، وعن كذلك المعاصي والذنوب. تدعو الله عز وجل بصلاح الدنيا، بصلاح المعاش، بصلاح الرزق. فهذا أيضًا أمر يجعل في نفسك الطمأنينة والبهجة والسرور، أنك تكل أمرك... أنك تكل أو أنك تكل أمرك لله سبحانه وتعالى. ثم تدعو الله أن يصلح لك أيضًا الآخرة: «وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي». يوفقك للأسباب التي تبعدك عن الأهوال العظيمة التي تقع في ذلك اليوم، وعن كذلك العقبات التي تكون في ذلك اليوم. تدعو الله سبحانه وتعالى أن يصلح لك الآخرة بأن يزحزحك عن النار ويدخلك الجنة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. ثم تدعو الله وتكل أمرك إلى الله: إن كانت هذه الحياة زيادة لك في الخير، أن يجعل الله لك البقاء في هذه الدنيا: «واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». ولذلك ما يجوز للمسلم أن يتمنى الموت لضر نزل به، كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، ولكن ليقل: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي». هكذا كان يدعو عليه الصلاة والسلام. فهذا دعاء عظيم جمع فيه بين خيري الدنيا والآخرة، عليه الصلاة والسلام. فينبغي عليك يا عبد الله أن تحرص على هذا الدعاء، لا سيما في هذه الأيام المباركة التي فيها من أسباب... ومن كذلك أوقات ومواطن إجابة الدعاء الشيء الكثير. قيام الليل في هذه الأيام المباركة، جمعت فيها أسباب كثيرة من أسباب... وأوقاتي ومواطن استجابة الدعاء: الثلث الأخير من الليل، وأيضًا إطالة السجود. والله الحمد في هذا المسجد على السنة إطالة السجود. هذه السنة، السنة في الدعاء أن يكون في السجود، وأن يكون أكثر ما يكون في السجود، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء». فأكثروا من الدعاء. هذا الموضع العظيم، ذكر العلماء أن سبب ذلك أن الإنسان وضع أشرف وأعلى ما في جسده على الأرض، ذلًا وخشوعًا واستكانة لله سبحانه وتعالى، وهي الجبهة، يضع جبهته في الأرض ذلًا وخشوعًا واستكانة لله سبحانه وتعالى. وأما ما يفعله كثير من الأئمة، ونسمعهم في صلاتهم من الإطالة الفاحشة في دعاء القنوت، فهذا ليس من السنة. ليس من السنة أن تجعل القنوت قدر ركعة أو ركعتين، أو أكثر، ربما بعضهم يجعلوا نصف ساعة. هذا ليس من السنة، يا أخي. ادعُ في السجود بينك وبين الله، بدون رياء ولا سمعة. وهذا ليس من السنة. ودعاء القنوت جاء فيه حديث الحسن: «اللهم اهدني فيمن هديت». يفعل أحيانًا، وقد ذكر الشيخ الألباني عليه رحمة الله في «الصفة» أن قنوت النبي صلى الله عليه وسلم كان نادرًا في الوتر، كان نادرًا؛ لأنه لم يرد إلا عن صحابي واحد. قنوت الوتر لم يرد إلا عن صحابي واحد. هذا أمر مما ينقل عن الصحابة، ومما كذلك يتنافس في نقله عن الصحابة. فلعدم ورود هذا الدعاء وهذا القنوت عن جمع من الصحابة، دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله أحيانًا، ولا يكثر من الدعاء. لا بأس، كما قال بعض السلف: جاء عن الصحابة أن يزاد شيئًا يسيرًا بعد دعاء الحسن، وهذا اجتهاد من بعض الصحابة، لا بأس بذلك شيئًا يسيرًا، بدون إطالة فاحشة. ولكن لا بأس أن يطول في السجود، وأن يدعو الإنسان بمثل هذه الأدعية التي ربما يصادف فيها استجابة من ربه سبحانه وتعالى، فيكون بسبب هذا سعادة له في الدنيا والآخرة، في الدنيا والآخرة. وهكذا، بارك الله فيكم. قال: وكذلك قوله، يعني من الأدعية التي هي أنفع ما يكون في ملاحظة المستقبل، وكذلك في دفع الأمور الماضية. قال: وكذلك قوله: «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت». رواه أبو داود بإسناد صحيح، والحديث من حديث أبي... بإسناد... كما قال في سنن أبي داود، وكانه العلامة الألباني: «فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت». دعوات المكروب، دعوات المكروب: «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت». وهذا دعاء أيضًا لو تمعنته لوجدت فيه معاني عظيمة، وجدت فيه معاني عظيمة. أولًا: تطلب من ربك سبحانه وتعالى الرحمة: «اللهم رحمتك أرجو». ثم تتبرأ من حولك وقوتك: «فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين». من أنت إلا بالله سبحانه وتعالى؟ لا حول لك ولا قوة لك إلا بالله، لا تقدم في الأمور شيئًا، ولا تؤخر في الأمور شيئًا، فالأمور لله عز وجل. فأنت تكلها إلى بارئها وإلى خالقها سبحانه وتعالى، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولو شيئًا يسيرًا. ثم تدعو ربك أن يصلح لك أمورك كلها: «وأصلح لي شأني كله». عموم: «أصلح لي شأني كله»، جميع أموري أصلحها لي يا رب، سواء كان في أمور الدنيا، في أمور الآخرة، في أمور المعاش، في أموري... أي أمر من أمور الدنيا، لفظة عامة: «وأصلح لي شأني كله». ثم فيه التذلل على الله عز وجل: «لا إله إلا أنت، لا إله إلا أنت». فهذه هي دعوات المكروب، كما جاء في أول هذا الحديث. فأين المكروبون من مثل هذه الأدعية؟ أكثروا من هذه الأدعية المباركة، التي ما تدري إلا ويستجيب الله عز وجل لك، فيدفع عنك هذه الكربة. وإذ أنبياء ورسل كانوا عند الكرب والشدة يلجأون إلى الله عز وجل، وهم أصفياء الله سبحانه وتعالى من خلقه، هكذا دعوا الله عز وجل. قال نوح: فدعا ربه: «أني مغلوب فانتصر». دعا الله عز وجل النصر. وهكذا نبي الله يونس عليه السلام، لما كان في كربة بطن الحوت، عندما كان في بطن الحوت دعا الله عز وجل: «وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين». أنبياء... وهكذا نبي الله أيوب، لما ابتلاه الله عز وجل بالمرض، رفع يديه إلى الله عز وجل: «وأيوب إذ نادى ربه: أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين». استجابنا له، استجاب الله عز وجل. دعا الله، دعا الله، والتجأ إلى الله عز وجل. وأتى نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة بدر، خرج النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عمر... وما أراد جهاد المشركين. قال عمر رضي الله تعالى عنه: لما خرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى بدر، وكان عدد المشركين ألفًا، وكان عدد المسلمين ثلاث مئة وبضعة عشر، فقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واستقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: «اللهم أنجز لي ما وعدتني». دعا الله سبحانه وتعالى: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض». قال عمر: حتى... ولا... قال عمر: فقال له أبو بكر... فسقط الرداء من على كتفيه عليه الصلاة والسلام، من شدة المناشدة، ومن إلحاح النبي عليه الصلاة والسلام. كربة عظيمة: ألف من المشركين، وثلاث مئة من المسلمين، التجأ إلى الله سبحانه وتعالى، حتى رحمه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وقال له: يا رسول الله، كفاك مناشدتك لربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. فهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التجأ إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا ينبغي علينا عباد الله أن نلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى. فأنت إذا عملت بهذا الأصل العظيم، سيوفقك الله، واستجاب الله عز وجل لك، ويدفع عنك الهموم والغموم والكربات. هذا باب عظيم يغفل عنه كثير من الناس. قال: فإذا لهج العبد بهذا الدعاء الذي فيه صلاح مستقبله، الدين والدنيوي، بقلب حاضر ونية صادقة، مع اجتهاده فيما يحقق ذلك، حقق الله له ما دعاه ورجاه، وعمل له، وانقلب همه فرحًا وسرورًا. اشتركوا في القناة