الدرس في التعليق على حاشية الدمياطي 27، ألقاها
تناول المقطع أقسام أفعال النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الحكم الشرعي، واختلاف العلماء في حكم أفعاله التي على سبيل القربة. العلماء اختلفوا بين الوجوب والاستحباب والتوقف في هذه الأفعال.
ناقش المقطع القول بالتوقف في حكم أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث اختلف العلماء بين التوقف والعمل بالأحوط وهو الوجوب، وبين اعتبار أفعاله القربة مستحبة وأفعاله العادية مباحة.
يتناول المقطع حكم الأفعال التي يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة ولكن بهيئة معينة، واختلاف العلماء في حكمها بين اعتبارها عبادية أو جبلية.
المقطع يشرح أهمية الدعاء في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويتضمن دعاءً يطلب المغفرة والرحمة من الله، ويعبر عن التوبة والاعتراف بفضل الله.
بسم الله الرحمن الرحيم أشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد، فكما تقدم معنا الجويني رحمه الله تعالى، تكلم هنا على أفعال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وذكر أن أفعاله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على قسمين: إما أن تكون على سبيل القربة والطاعة، وإما أن لا تكون كذلك. فإن كانت على سبيل القربة والطاعة، فهي كذلك على قسمين: إما أن يكون ذلك الفعل على سبيل الاختصاص، بأن يدل الدليل على أنه فعله وأنه خاص به صلى الله عليه وسلم، فهو يبقى على خصوصيته. والأمر الثاني: ما فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على وجه القربة، فمثل هذا الفعل الذي يفعله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه القربة، كما تقدم، إن كان بيانًا لمجمل، وإن كان ذلك المجمل واجبًا أو مستحبًا، فهو بحسب ذلك المجمل، وهذا بلا خلاف. بقيت الصورة التي وقع فيها الخلاف، وهي في أفعاله صلى الله عليه وسلم التي على سبيل القربة، ولم يرد دليل بأنها خاصة به، ولا كانت على سبيل بيان لمجمل، فما حكمها؟ كما ذكر أو ذكر عندنا هنا، ذكر عندنا ثلاثة أقوال: الأول الوجوب، الثاني الاستحباب، الثالث التوقف. وكما مر معنا أن كل قائل بقول استدل لقوله بدليل من حيث النظر، وقبل ذلك دليل من حيث الأثر. أما من حيث الأثر، فالقائلون بالوجوب استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وبقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وما شابه ذلك من الأدلة الدالة على عموم الأخذ بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء كان من قول أو كان من فعل. ثم من حيث النظر أيضًا قالوا: بأن العمل بفعله على سبيل الوجوب أحوط، وتبرأ به الذمة، بخلاف ما إذا لم يكن العامل كذلك، أي لم يعمل بعمل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فربما أثم، لذا قيل بالوجوب. وأما القائلون بالاستحباب، فاستدلوا كذلك على أقوالهم بأدلة نقلية وأخرى عقلية أو نظرية. من حيث الأثر والنقل استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أشهد منه أن الله جل وعلا قال: «لقد كان لكم» ولم يقل: «لقد كان عليكم»، فهو فرق بين التعبيرين. التعبير الأول، أي تعبير القرآن «لكم» يدل على الفضل والندب والاستحباب، بخلافه إذا قال: «لقد كان عليكم في رسول الله أسوة حسنة»، كان الدلالة على الوجوب. وأما الدليل العقلي أو النظري لهؤلاء، بأن قالوا: بأن العمل بالوجوب زائد على مقتضى الفعل، بخلافه إذا فعل المستحب، المستحب متيقن، وزيادة على المتيقن تحتاج إلى دليل. إذا نبقى على الأصل الذي هو المتيقن، الذي هو الاستحباب، ففعله يدل على الاستحباب إلا أن يدل عليه دليل. هذا ما أخذ القول الثاني. القول الثالث: التوقف. التوقف كما قال من قال من العلماء: يحمل هذا التوقف على أحد أمرين: إما أنهم توقفوا بمعنى أنهم لم يحكموا لا بوجوب ولا باستحباب، لأن بعضهم قال: يفيد كذلك الإباحة، يعني واجب، مستحب، مباح، توقف. الإباحة أخذ بماذا؟ بأنه فعل مجرد، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، هو قول ضعيف. بقي القول بالتوقف. القول بالتوقف قال من قال من العلماء: يحمل على أحد احتمالي الأول: أن يراد بالتوقف بأنه ليس بواجب ولا مستحب، بأن فعله لا واجب ولا مستحب، نحن متوقفون في ذلك. قال: وهذا قول ضعيف على هذا الاعتبار، قول ضعيف، لأن قوله صلى الله عليه أو فعله صلى الله عليه وسلم لا ينفك ولا يخرج عن أن يكون إما واجبًا وإما أن يكون مستحبًا، لعموم قوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. والاحتمال الثاني قال: أن يكون التوقف أي التوقف بالجزم بأحد القولين: هل هو واجب أو مستحب؟ وهذا أهوى، لماذا؟ لأن الناظر ربما تعارضت عنده الأدلة: هل هو واجب أو مستحب؟ فإنه يتوقف. مع العمل مع الفعل، والمتوقف القاعدة عند العلماء: أن من توقف في مسألة دائرة بين الوجوب والاستحباب، فإنه يعمل بالأحوط. وما هو الأحوط في هذه الحالة يكون الوجوب. وكما تقدم معنا أمس: أن الراجح من أقوال العلماء والأظهر من أقوال العلماء رحمه الله تعالى، هو ذهب إليهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره: من أن القول بالاستحباب هو الأظهر، لأن الله جل وعلا قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، ولم يقل: «لقد كان عليكم»، إلى جانب ما ذكر من تعليل. هذا باعتبار أفعاله صلى الله عليه وسلم التي كانت على سبيل القربة والطاعة. بقي أفعال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم التي لم تكن على سبيل القربة والطاعة، وإنما كانت على سبيل العادة والجبلة. كما ذكر قال: فإن كان على غير وجه القربة والطاعة، فيحمل على الإباحة. وهذا ما كان على سبيل العادة والجبلة. قالوا: كالأكل والشرب في حقي وحقنا، فكل إنسان يأكل وكل إنسان يشرب، فهل فعل الأكل يفيد حكمًا؟ بمعنى أننا إذا أكلنا أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل، فهل أكله يفيد الاستحباب؟ يفيد الوجوب؟ تتراتب عليه الأحكام السابقة؟ جواب ماذا؟ لا، لماذا؟ لأنه على سبيل الجبلة. لكن ها هنا تأتي مسألة ذكرها العلماء: وهي أن هذا الباب كذلك يدخله أمر التأسي به صلى الله عليه وسلم، بمعنى أن من فعل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو اعتيادي له، أو جبلي له، كمثل لبس العمامة كلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمشي مثل مشيه كمشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويفعل أفعالًا هي من الجبلة كأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم، على سبيل التأسي برسول الله، أنه يفعلها كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهل يصح هذا التأسي؟ وهل يؤجر عليه؟ كذلك قال العلماء: يؤجر عليه، لكن بشرطين: يثاب على هذا الفعل، لكن بشرطين. الأول: أن تكون صورة العمل كصورة العمل، أن تكون صورة العمل كصورة العمل، بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل شيئًا مثلا، جعل لعمامته دؤابة، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم مشي مشية معينة، أو ركب ركوبًا معينًا، أو فعل فعلًا معينًا، فيفعل المسلم مثل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. الشرط الثاني: أن يقصد بذلك الفعل التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يقصد بذلك الفعل التأسي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فمن كان كذلك، فإنهم بإذن الله جل وعلا يؤجرون، لعموم قول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. فهذان شرطان في كون العمل الذي يعمله العبد مما عمله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة والجبلة، أنه يؤجر عليه إذا كان فيه هذان الشرطان. بقي كذلك أمر ذكره العلماء رحمهم الله تعالى: ومن فعله صلى الله عليه وسلم وهو فعله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الذي الأصل فيه أنه على سبيل العادة والجبلة، ولكن فعله النبي صلى الله عليه وسلم على هيئة معينة، أو أنه فعله صلى الله عليه وسلم على هيئة فيها شيء من العبادة، أو على هيئة يحتمل فيها العبادة، إما باعتبار الفعل نفسه، أو باعتبار كونه وسيلة لعبادة. فهل هذا الفعل يكون من المستحبات؟ هل هذا الفعل يكون حكمه كحكم الثاني، أنه من أمور جبلية؟ أم أن حكمه كحكم الأول، أنه من أمور العبادية؟ عمل متردد بين أمرين. إذا نظرنا إلى الفعل، فعل اعتيادي، إذا نظرنا إلى جهة المعنى، نرى أن له معنى أنه فعل لقصد. فهذا الفعل الذي فعله صلى الله عليه وسلم، هل يكون ملحقًا بالقسم الأول، أو يكون ملحقًا بالقسم الثاني؟ مثال ذلك: دخول النبي صلى الله عليه وسلم في حجته من كداء. فمثل هذا الفعل، هل فعله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الاعتياد؟ أم أنه قصد ذلك؟ كذلك قالوا: ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى من طريق، ورجوعه من طريق آخر، هل فعل ذلك على سبيل جبلة؟ أم أنه فعل على سبيل التعبد؟ وما شابه ذلك من الأفعال التي هي تدور بين هذا وهذا. والأظهر والله أعلى وأعلم: أن هذه الأفعال كما قال العلماء رحمهم الله تعالى، إذا ظهر فيها معنى التعبد، ألحقت بالمعنى الأول. وإذا لم يظهر فيها معنى التعبد، ألحقت بالمعنى الثاني. هذا التفصيل هو الأق، والله أعلى وأعلم. بمعنى أن ننظر إلى هذا الفعل: هل فعل على سبيل التعبد والتقرب والقصد لذلك الفعل؟ أم أنه فعل لأمر اعتيادي جبلي؟ فإن كان جبليًا، ألحق بالثاني. إن كان فيه معنى القصد للفعل، بأنه أريد به التعبد، فإنه يلحق بالقسم الأول، فيكون من أمور المستحبات. والله تعالى أعلى وأعلم. هذا من حيث الجملة، ومن حيث أحد المسائل، ربما تختلف أنظار العلماء، باعتبار هل يلحق بالقسم الأول أو يلحق بالقسم الثاني؟ هذا كقاعدة، وأفرادها تختلف باجتهادات العلماء، باعتبار التطبيق. فضلًا، مع التنبيه أيضًا على أن بعض الأفعال، وبعض الأفعال، وإن كانت من حيث الجملة أمور جبلية، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما فعلها على وصف معين، مثل الأكل بثلاثة أصابع، الفعل الأصلي: الطعام يؤكل باليد، لكن هذه الهيئة، هل عرفت عن العرب؟ الظاهر أنها لم تعرف، لذا نقلت على سبيل بيان أكلة النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك: جلوس النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام، أنه جثا على ركبتيه، فقال: «أكل كما يأكل العبد». هذا كذلك، هذه الجلسة المعروف أن الأصل بالطعام: أن يجلس إنسان لطعامه، لكن هذه الجلسة التي جلسها، حتى تعجب منها أصحابه، يدل على أن هيئة مقصودة. فالحاصل: أن ما كان من أفعال، الأصل فيها جبلة، لكن الفعل الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم على هيئة معينة، خرجت عن مقتضى الجبلة والعادة، فإن تكون من أفعاله التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، ويستن به لمن أراد الاستنان به صلى الله عليه وسلم، من باب التأسي به والاستنان بفعله صلى الله عليه وسلم، لأن هذه الأفعال ظاهرها: أنه أراد بها العمل الذي من اقتدى به، تؤسي أو تأسيًا واتباعًا، أجرى عليه. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.