الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 31، ألقاها
يناقش حكم نسخ العبادة إلى غير بدل وتعارضه مع ظاهر القرآن، حيث يرى الإمام الشنقيطي أن النسخ إلى غير بدل يتناقض مع القرآن بينما يرى المؤلف أنه متصور عقلا لكنه ظاهر السقوط.
يتناول آراء الشنقيطي وغيره حول النسخ في القرآن خاصة فيما يتعلق بالنسخ إلى بدل أو غير بدل مع التركيز على أمثلة من القرآن والسنة.
يناقش جواز نسخ الحكم الشرعي من الأخف إلى الأثقل والعكس ويقدم أمثلة من القرآن الكريم على ذلك ويجيب على اعتراضات حول هذا الموضوع.
يناقش إنكار الظاهرية لنسخ الأحكام الأخف بالأثقل ويرد على استدلالاتهم بآيات تشير إلى التخفيف بأنها تعني التخفيف العام.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل: يجوز نسخ العبادة إلى غير بدل، وقيل: لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها﴾. قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الذي حكاه بصيغة التضعيف التي هي «قيل» يجب المصير إليه، ولا يجوز القول بسواه البتة؛ لأن الله جل وعلا صرح به في كتابه. والله يقول: ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾، ﴿وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا﴾. الآيات؛ أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام. فالعجب كل العجب من كثرة هؤلاء العلماء وجلالتهم - من مالكية وشافعية وحنابلة وغيرهم - القائلين بجواز النسخ لا إلى بدل، مع أن الله يصرح بخلاف ذلك في قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسيها نأتي بخير منها أو مثلها﴾؛ فقد ربط بين نسخها وبين الإتيان بخير منها أو مثلها بأداة الشرط، وربط الجزاء بشرطه. ومعلوم عند المحققين أن الشرطية إنما يتوارد فيها الصدق والكذب على نفس الرب، ولا شك أن هذا الربط الذي صرح الله به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيح، لا يمكن تخلفه بحال. فمن ادعى فكاكه وأنه يمكن النسخ بدون الإتيان بخير أو مثل، فهو مناقض للقرآن مناقضة صريحة لا خفاء بها، ومناقض القاطع كاذب يقينا؛ لاستحالة اجتماع الضدين أو النقيضين. صدق الله العظيم، وأخطأ كل من خالف شيئا من كلامه جل وعلا. هذا رد قوي من الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى على المخالف في هذه المسألة، من تجويز النسخ إلى غير بدل. يقول: لماذا؟ لأن هذا معناه تكذيب لظاهر الآية؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسيها نأتي بخير منها أو مثلها﴾، ويقول: يمكن أن ينسخ إلى غير ما خير منها ولا مثلها. يقول: أن النسخ إلى غير بدل معناه تكذيب لظاهر الآية. فالشنقيطي رحمه الله تعالى - كما ترون - شنع على من قال هذا؛ لأنه نظر إلى المعنى في قول الله جل وعلا: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسيها نأتي بخير منها﴾. فيقول رحمه الله تعالى: أن الشرطية إنما يتوارد فيها الصدق والكذب على نفس الرب؛ أي: معنى هذا أنه إذا لم يحصل الرب كانت قضية كاذبة، وإذا حصل كانت صادقة. وقول المؤلف رحمه الله: «ولنا أنه متصور العقل ظاهر السقوط»: أي: متصور عقلا جواز النسخ إلى غير بدل من حيث التصور العقلي. يقول: ممكن، ليس مستحيلا أن ينسخ الله جل وعلا شيئا لا إلى بدل. هل ممكن من حيث العقل أو غير ممكن؟ يقول: ممكن. قال رحمه الله: «وقول المؤلف رحمه الله: ولنا أنه متصور العقل ظاهر السقوط؛ لأن صريح القرآن لا يناقض بالتجوز العقلي». بل قد يقلب الدليل عليه، فيقال: كل ما ناقض النص من دليل العقل، دل على بطلان ذلك الدليل العقلي؛ لماذا؟ لأن النص يقيني، ومخالفته يقينية باطلة، والعقل الصحيح لا يناقض النقل الصريح واضح. قال رحمه الله: «ثم لو فرض المعارضة لقدم النقل؛ وإلا لزم أن يقال كما قال المعتزلة ومن سار على سيرهم بتقديم العقل على النقل، وهو مذهب باطل». قال رحمه الله: «وقوله: قام دليله شرعا ليس بصحيح؛ إذ لا يمكن قيام دليل شرعي على ما يخالف صريح القرآن». وقوله: «إن نسخ طبعا صريح القرآن في نظر الشنقيطي رحمه الله». الشنقيطي يرى أن هذا صريح، وغيره يرى خلافه؛ بأن الآية لا تدل على هذا، بل جوزوا النسخ لا إلى بدل. قال رحمه الله: «وقوله: إن نسخ الله على ادخار لحوم الأضاحي وتقديم الصدقة أمام المناجاة كلاهما نسخ إلى غير بدل، وأن ذلك دليل على النسخ لا إلى بدل، غير صحيح». واضح أن حجة من قال بالنسخ إلى غير بدل يقولون: قد ثبت في الصحاح - حيث عائشة وغيرها - أن الناس في أول أمرهم نهوا عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة، ثم أذن لهم بذلك. فالأمر الثاني نسخ للأمر الأول. هل هو نسخ إلى بدل؟ قالوا: مثلا لا تدخل فوق ثلاث، ولكن تدخل شهرا، شهرين، مدى الحياة، ما شئتم. يقول: ما في كذا نسخ إلى غير بدل. ومثال آخر في تقديم الصدقة في قول الله جل وعلا: ﴿فقدموا بين يدي نجواكم صدقات﴾. كان الناس في أول أمرهم - من باب معرفة قدر النبي واحترامه وتوقيره - حتى يتأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، كان الرجل إذا أراد أن يناجي النبي صلى الله عليه وسلم لا يناجي حتى يقدم صدقة، يتصدق ثم يحدث النبي. حتى يشعر بمنزلة النبي العظيم التي جعلها الله تبارك وتعالى لنبيه. ثم نسخ هذا الأمر. النسخ هنا هل إلى بدل أو إلى غير بدل؟ جماهير العلماء يقولون: لا إلى بدل. قال رحمه الله: «وتقديم الصدقة أمام المناجاة منسوخ ببدل خير منه، وهو التخيير بين الصدقة تطوعا ابتغاء لما عند الله، وبين الإمساك عن ذلك، كما يدل عليه قوله: ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ الآية». قال رحمه الله: «وقول المؤلف رحمه الله: فأما الآية فإنها وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر، ظاهر السقوط كما ترى؛ لأن الآية الكريمة صريحة بأنه مهما نسخ آية أو أنساها، أتى بخير منها أو مثلها، كما هو واضح». وقول المؤلف: «وهذا جواب الشنقيطي رحمه الله تعالى: أن هذا ليس بصواب، بل الصواب أنه نسخ بمثلها أو بخير منها، فيتناول نسخ تلاوة ونسخ حكما أيضا». قال رحمه الله: «وقول المؤلف: على أنه يجوز أن يكون رفعها خيرا منها في الوقت الثاني لكونها لو وجدت فيه لكانت مفسدة، يقال فيه: ذلك الرفع الذي هو خير منها هو عين البدل الذي هو خير منها». قال رحمه الله: «وما أجاب به صاحب نشر البنود شرح مراحل السعود تبعا للقرافي: من أن الجواب لا يجب أن يكون ممكنا فضلا عن أن يكون واقعا لحو، إن كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان، ظاهر السقوط أيضا؛ لأن مورد الصدق». قال رحمه الله: «لأن مولد الصدق والكذب في الشرطية إنما هو الربط، فتكون صادقة لصدق ربطها، ولو كانت كاذبة الطرفين لو حل ربطها». ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ قضية شرطية في غاية الصدق، مع أنها لو أزيل منها الربط لو أزيل منها الربط لكذب طرفاها؛ إذ يصير الطرف الأول: «كان فيهما آلهة إلا الله» وهذا باطل قطعا، ويصير الطرف الثاني: «فسدتا» أي السماوات والأرض، وهو باطل أيضا. والربط لا شك في صحته، وبصحته تصدق الشرطية. فالحاصل أنه خلص بما خلص به رحمه الله تعالى - كما تقدم - أن ذكرنا في بداية الدرس أن الخلاف في هذه المسألة مرجعه إلى الخلاف اللفظي الصوري. والله تعالى أعلى وأعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «فصل: ويجوز النسخ بالأخف والأثقل إلى آخره». فحاصل هذا المبحث أنه يجوز نسخ الحكم الأثقل بالأخف منه، كما يجوز نسخ الأخف بالأثقل منه. ومثال نسخ الأثقل بالأخف: نسخ الاعتداد بالحول في قوله تعالى: ﴿متاعا إلى الحول غير إخراج﴾، بالآية: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾. فهذا نسخ. أو قبل هذا: هذا المبحث يسميه الأصوليون بالنسخ من الأخف إلى الأثقل والعكس. قال رحمه الله: «ومعلوم أن الأربعة أشهر وعشر ليال أخف من السنة». وكنسخ مصابرة الواحد عشرة من الكفار المنصوص في قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾، بمصابرة اثنين المنصوص في قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين﴾. فإن مصابرة اثنين أخف من مصابرة عشرة. قال رحمه الله: «ومثال نسخ الأخف بالأثقل: نسخ التخيير بين الصوم والإطعام المنصوص في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾، في قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾؛ لأن إيجاب الصيام أثقل من التخيير بينه وبين الإطعام». قال رحمه الله: «وإن قيل: إن آية الحبس في البيوت غير منسوخة؛ لأنها كانت لها غاية هي قوله تعالى: ﴿حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾، وقد حصرت الغاية بجعل السبيل، كما قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا» الحديث. فذلك السبيل هو الجلد والرجم، لكان حسنا متجها؛ أي: لا يكون من باب النسخ؛ لأن الآية الأولى دلت على حكم مؤقت إلى أجل، ثم جاء الأجل في قول الله جل وعلا في الآية الأولى: ﴿حتى يجعل الله لهن سبيلا﴾. فلما نزلت الآية بالجلد، قال: «قد جعل الله لهن سبيلا». فيقول رحمه الله: إذا كان هذا ليس من باب النسخ؛ لأن الحكم هاهنا مؤقت إلى غاية، لكان كلامه متجها». قال رحمه الله: «ومما يدل على ذلك: نسخ إباحة الخمر المنصوص في قوله تعالى: ﴿تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾، بقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر إلى قوله فهل أنتم منتهون﴾، خلافا لمن زعم أن تحريم الخمر رافع للبراءة الأصلية لا لحكم شرعي؛ فليس عنده بنسخ». قال رحمه الله: «فإن قيل: كيف جاز نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف، مع أن الله يقول: ﴿نأتي بخير منها أو مثلها﴾؟ فإن كان الأثقل خيرا لكثرة الأجر، فلما جاز نسخه بالأخف؟ وإن كان الأخف خيرا لسهولته، فلما جاز نسخه بالأثقل؟». قال رحمه الله: «فالجواب: أن الخيرية دائرة بين الأخف والأثقل، فتارة تكون في الأخف فينسخ به الأثقل لسهولة الأخف، وتارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر فيه، فينسخ به الأخف». إذن العبرة باعتبارات، يعني يكون نسخ باعتبارات، تارة يراعى مسألة الأجر والثواب، فينسخ الأثقل الأخف، وتارة التخفيف والسهولة واليسر، فينسخ الأخف الأثقل. قال رحمه الله: «وإنكار الظاهرية لنسخ الأخف بالأثقل، محتجين بقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾، وقوله: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾، ولحو ذلك من الآيات، لا وجه له؛ لأن المراد بالآيات التخفيف بالجملة، فلا ينافي أنه ربما شرع حكما أثقل مما قبله، كما أوجب الصوم بعد التخيير، ونحو ذلك». سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.