الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 12، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يقرر المقطع أن البعث بعد الموت حق ثابت عند أهل السنة، مستدلاً بآيات قرآنية صريحة ردت على إنكار الكفار لإعادة الأجساد بعد تحللها. وأكدت الآيات أن الله قادر على إعادتها كما كانت، وتوعدت المنكرين بالكفر والعذاب، مشيرة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمر بالقسم على وقوع البعث والجزاء.
يستعرض المقطع أدلة البعث من سورة ق ويس، مبيناً أن إنكار البعث كفر أكبر يبطل الصلاة خلف منكره. وأن الله القادر على خلق السماوات والأرض قادر على إعادة الخلق، مع ذكر حجة القرآن البلاغية في رد شبهة إحياء العظام الرميمة.
يستعرض المقطع أدلة إثبات البعث بعد الموت رداً على شبهات الملاحدة، مستدلاً بآيات القرآن ومثل النار من الشجر الأخضر، وحديث قدسي يؤكد قدرة الله على الإعادة. كما يبين أن من أتى بنواقض الإسلام يكفر، ويوضح موقف أهل السنة من أهل الكبائر بأنهم في مشيئة الله لا يكفرون بذنوبهم، مخالفين بذلك ضلال الخوارج قديماً وحديثاً.
يختتم المتحدث المجلس الحالي بالإشارة إلى أن بقية الكلام حول مسألة تكفير الخوارج بالذنوب ستُقرأ في المجلس القادم. ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في أصول السنة للإمامين العظيمين محمد بن إدريس أبي حاتم الرازي رحمه الله، وأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي رحمهم الله تعالى، فيما سألهما الإمام الكبير أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رحمه الله وغفر له، عما عليه أهل السنة والجماعة في جميع الأمصار، وكان من أعظم الناس رحلة في طلب العلم النافع، والقراءة على الأشياخ في كثير من بلدان الدنيا، وهم أهل لنقل الإجماع في مثل هذه المسائل العظام. وكنا وقفنا في الكلام على الشفاعة وأنهيناه، ثم دخلنا في البعث. قالا رحمهم الله تعالى: والحوض المكرم به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق، والشفاعة حق، والبعث بعد الموت حق. ومسألة البعث بعد الموت قضية عظيمة، جاء في كتاب الله عز وجل أصناف كثيرة من أصناف الأدلة في إثبات البعث بعد الموت، وأن الله عز وجل يعيد الإنسان كما كان. هذا موضع النزاع: هل يعيد الله الإنسان بعد موته، وبعد أن تأكله الديدان والتراب، هل يعيده الله عز وجل بذاته ونفسه إنسانا سويا؟ هذا الذي حصل فيه الإنكار من المشركين. وأما أن يخلق الله خلقا جديدا ليس الخلق الأول، فهذا لم ينكره أحد، لم ينكره المشركون الذين كفروا بالبعث، بل هم يسلمون بذلك لأن الله على كل شيء قدير. لكن موضع الكلام: هل يعيد الله الأجساد بعد موتها كما كانت قبل موتها بعينها، لا خلقا آخر جديدا لم يكن من قبل؟ هذا موضع المسألة. يقول الإمامان رحمهم الله تعالى: والبعث بعد الموت حق، أي ثابت موجود حاصل واقع لا شك فيه ولا شبهة، ولم تُرَ إلا عند الكفار عياذا بالله. أما أهل الإسلام وأتباع الرسل فكلهم يسلمون بهذا الأصل العظيم، ألا وهو البعث بعد الموت. ولهذا وصف الله قول المنكرين بالزعم الباطل، ثم كفرهم الله عز وجل على هذه المسألة بعينها، فقال سبحانه وتعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والزعم مطية الكذب والباطل، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾، أي خلقا كما كانوا في الدنيا، ﴿أَن لَّن يُبْعَثُوا كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَبَعْدَ أَن يَصِيرُوا رَمَادًا وَرَمِيمًا وَتَأْكُلُهُمُ الْأَرْضُ وَغَيْرُهَا﴾. ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾، قال الله عز وجل لنبيه: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، فأجابهم بالقسم تأكيدا لهذا الأمر، وهذا يدل على أنه حق. قال أهل العلم كابن القيم: والله عز وجل أمر نبيه بالقسم في القرآن في ثلاثة مواضع، هذا أحدها، فالقسم في مثل هذا محمود، القسم في مثل هذه المواضع محمود ومطلوب. ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. فتضمنت الآية التأكيد على أمر البعث، وتضمنت الآية تكفير من أنكر البعث أو شك فيه أو تردد فيه، أو قال: يمكن أن يبعثوا ويمكن أن لا يبعثوا، أو قال نحو ذلك. ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، والبعث بعد الموت حق، ﴿وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. والدلائل على مثل هذا أنواع في القرآن، أوصلها بعضهم إلى سبعة أنواع من أنواع أدلة إثبات البعث والنشور في القرآن الكريم، أوصلها بعض الأئمة إلى نحو سبعة أنواع من الأدلة. فمن القرآن أيضا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَآبَاءُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وصف القول أنه صادر عن من كفر، فهذا قول من كفر بالله عز وجل. ﴿أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾، سؤال يتضمن التشكيك والإنكار. ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَآبَاءُنَا﴾ من قبلنا، ويدخل فيه الأجداد. ﴿أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾، هذا أيضا من قول الكفار عياذا بالله. ومنها قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن تَعْجَبُ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فيوصف الله هذا القول بالعجب، ﴿وَإِن تَعْجَبُ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾، ﴿أَفَعَجِبْتَ وَيَضْحَكُونَ﴾ أن يُنْكِرَ هَؤُلَاءِ النَّاسِ ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أي: إنا نحن بأعياننا وذواتنا نُعاد مرة أخرى في هذه الأجساد، في هذه الأجساد. وصف الله هذا القول بأنه قول عجيب جدا ومنكر جدا، نسأل الله العافية والسلامة. ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾، هؤلاء لم يعظموا الله حق تعظيمه، ولا عرفوا الله حق معرفته سبحانه وتعالى. ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ بسبب إنكار البعث وبغيرها من الأسباب، فهذا ناقض من نواقض الإسلام. من شك في البعث أو كفر فيه لا تصح الصلاة خلفه، الصلاة خلفه من يأتي بكفر أكبر باطلة عند أهل العلم عامة، ومنها أمر البعث. ولهذا ذكر أبو زكريا النووي في المجموع شرح المهذب أن من شك في البعث بطلت الصلاة خلفه: يمكن أن يبعث الناس ويمكن أن لا يبعث الناس، لا تصلي خلفه لأن هذا ناقض عظيم من نواقض الإسلام عياذا بالله. وأدلة البعث في كتاب الله عز وجل كثيرة جدا لأنها من القضايا التي أنكرها المشركون، ونزلت فيها آيات كثيرة، منها آيات سورة قاف. فإحدى القضايا التي تعالجها سورة قاف أمر البعث: ﴿ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، أي أمر البعث. ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، قال الله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾، هذا رجع بعيد، هذا العود لنفس الأجساد ونفس الأشخاص مرة أخرى عود بعيد. ﴿ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾، فالله عز وجل له العلم التام، يعلم ما أكلته من الأجزاء تلك الأرض، وأين ذهبت تلك الأجزاء، يعلم علم الجزئيات في كل فرد. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾، ثم ذكر الأدلة سبحانه وتعالى على إثبات البعث: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾، ذكر ثلاثة أدلة: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾. ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ﴾ إلى أن القادر على خلق الأكبر يهون عليه خلق الأصغر، وأن من حمل قنطارا سهل عليه حمل أوقية، فكيف تستعظمون خلق السماوات والأرض وتعجزون الله عن خلق ما دونهما؟ وانظروا إلى هذه السماء هل لها من فروج؟ تنظروا في أي موضع منها شرقا أو غربا أو في أي جهة، هل ترون فيها نقصا؟ هل ترون فيها تفاوتا في الخلق كما قال الله سبحانه في آية تبارك: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ * مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾، ليس فيه نقص. فإذا قدر على هذه العظيمة، أفيعجز عن خلقي وإعادة خلقي ما هو أيسر؟ ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، إلى آخر الآيات. آيات عظيمة في بيان دلائل من القرآن والحجة العقلية على إجازة أمر البعث والنشور، كما ينكره المشركون، وكما دلت عليه الأدلة. وفي سورة ياسين أيضا قال الله عن قيل بعض المجادلين من المشركين: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾، وهذا كاف في رد باطله. هذا من بديع أسلوب البلاغة في القرآن الكريم، هذا رد كاف. ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾، قال الله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾، أي لو تدبر في خلقه لما أورد هذا السؤال أيضا. ﴿قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، لو تفكر في خلقه لعلم أن هذا السؤال غير وارد أصلا. هذا من بلاغة القرآن: تقديم الرد قبل الشبهة. ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾، هذا الموضوع كاف في إبطال ما ادعاه. هذا من عظيم بلاغة القرآن الكريم ومن الروائع في أسلوب العرض في كتاب الله عز وجل. ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾، هذا كاف وحده في إبطال دعواه. ﴿قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. أليس الله قد أوجدكم من العدم؟ ألستم في أموركم الدنيوية تعلمون أن شخصا من الناس لو صنع دولابا أو بنى دارا أو صنع شيئا وأتقنه إتقانا، أيعجز بعد أن يصنعه أن يعيد مرة أخرى مثله أو أحسن منه؟ أنتم تعلمون أن هذا جائز في الدنيا. ولهذا وجد أن بعض الملوك جاء ببعض البنائين، أحد البنائين البارعين، فبنى له قصرا، وكان من صفته العجب في دخول الهواء ودخول الشمس وغيرها من الأمور البديعة التي يحار فيها العقل، فأعجب هذا الملك بهذا القصر، راية الإعجاب، أعجب هذا الملك. فبعد أن أعجب به قتل هذا البناء. فلماذا يقتل هذا الملك الظالم هذا البناء؟ لماذا قتله؟ إيش السبب؟ إيش جريمته؟ بنى له قصرا من أحسن القصور في دخول الشمس من نوافذه، في هواء الريح، في كذا، في زينته، في شكله الجميل، شيء ربما لم يسمع بمثله، فلماذا يقتله؟ هكذا يجازي عندك يا أخ بلال؟ لماذا يقتله؟ لأنه يخاف أن يأتي هذا الرجل فيصنع قصرا ويبنيه مثله أو أحسن منه. هذا في مخلوق، فكيف بالخالق جل جلاله؟ ولهذا قال الله بعدها مبينا أن هذا الخلق إنما يكون لمن له صفة العلم، العلم التام: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. ثم رب العالمين سبحانه يعلم السر وأخفى. بعض الملاحدة يقول: إن هذا التراب يابس رميم، فكيف ينشأ منه رطب وهو نقيضه؟ رطوبة ودما ولحما، كيف تنشأ الرطوبة والدماء والعروق واللحم اللين من هذا التراب القاسي؟ فرد الله عز وجل هذه الشبهة فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾. أفلا تبصرون؟ شجرا أخضر مليئا بالماء، يخرج الله من هذا الشجر نقيضه وهو النار. فالنار ضد الماء، والشجر ممتلئ بالماء رطب، ومع هذا يخرج الله من هذا الشجر الأخضر إذا احتكت بعض عيدانها ببعض نارا. فسبحان الذي له كل شيء سبحانه وتعالى. فرب العالمين يعلم ما يقوله الملاحدة، فيرد عليهم بأن الله عز وجل على كل شيء قدير، قادرا على أن يخرج من الضد ضده، ومن النقيض نقيضه، ولا يعترض على الله عز وجل بشيء. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. فالله عز وجل أمره بين كاف ونون، فهو القدير سبحانه وتعالى الذي لا يعجزه شيء جل جلاله. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، ما عظموه حق تعظيمه ولا قدروه حق قدره سبحانه وتعالى. هذه بعض الحجج في إبطال شبهة من يشك أو يتردد في أمر البعث بعد الموت. فالبعث بعد الموت حق ثابت لا شبهة فيه ولا شك، ولم تُرَ. ولهذا ثبت أيضا في الصحيحين في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك. فأما تكذيبه إياي فقوله: إني غير قادر على أن أعيده مرة أخرى، وأول الخلق ليس بأهون علي من آخره. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد». حديث الصحيحين. فهذا من تكذيب الله عز وجل سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: والبعث بعد الموت حق، أي ثابت لا شك فيه. ويقاس على هذه المسألة كل من أتى بناقض من نواقض الإسلام فإنه يكفر بذلك. كل من أتى بناقض من نواقض الإسلام يكفر بذلك، ولو شك في ذلك أو ارتاب أو تردد. قدمنا كلام أبي زكريا النووي ببطلان الصلاة خلفه. كذلك أيضا من يفعلون الشركيات والعظائم كعبادة غير الله عز وجل، واعتقاد أن بعض المخلوقات تتصرف في الكون، فإذا علم عن شخص مثل هذا لم تصح الصلاة خلفه. فإذا ابتليت بالصلاة خلفه خرجت من الصلاة، لأن الخلافة في الصلاة في الممتدع لا في الصلاة مع من يحمل الشرك أو الكفر أو يشك في أصول الدين. قال رحمهم الله تعالى: وأهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل، لا نكفر أهل القبلة بذنوبهم، ونكل سرائرهم إلى الله عز وجل. وهذه مسألة عظيمة ضلت فيها الخوارج قديما والخوارج حديثا، فكلهم ضل في مثل هذا الباب ضلالا مبينا. والكلام يطول في أمر الخوارج والكلام عليهم، لأن المصنفين رحمهم الله تعالى أعادوا الكلام من جديد بعد الكلام في الشفاعة مرة أخرى إلى أمر أهل الكبائر. تقدم في الشفاعة أن موضع النزاع في باب الشفاعة بين الخوارج والمعتزلة من جهة، وبين أهل السنة من جهة، هو في الشفاعة لأهل الكبائر والذنوب. أراد المصنفان رحمهم الله أن يعيدا المسألة مرة أخرى تنصيصا وبيانا للحجة والدليل، حتى لا يكون هناك وجه لاشتباه الحق بالباطل. وهذا يحتاج إلى نوع إطالة في الكلام. وهذا نقرأ إن شاء الله تعالى في المجلس القادم بقية الكلام حول مسألة تكفير الخوارج بالذنوب. هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.