شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 14

الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 14، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

حقيقة الإيمان وزيادته ونقصانه ورد قول المرجئة

يبيّن هذا المحور أن الإيمان عند السلف قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، مستدلاً بأقوال ابن عباس وسفيان بن عيينة. ويرد بذلك على المرجئة الذين يقتصرون الإيمان على القول دون العمل.

تدرج تشريع الفرائض ونزول آية إكمال الدين

يسرد الأثر تدرج تشريع أركان الإسلام كاختبارات لصدق الإيمان، مبيناً حكم تاركها جحوداً أو كسلاً. ثم يوضح نزول آية إكمال الدين يوم عرفة في حجة الوداع حجة على رد المحدثات.

إكمال الدين بأركان الإسلام وحديث جبريل المجمل

يستعرض المحور آية إكمال الدين موضحة أن الدين يتم بالتصديق والإقرار والعمل، مستدلاً بأحاديث أركان الإسلام الخمسة وحديث جبريل الجامع للإسلام والإيمان والإحسان. ويرد بذلك على المرجئة والقدرية في زعم كمال الإيمان بمجرد النطق.

وجوب الرجوع للعلماء والتحذير من بدعة القدرية

يؤكد المحور ضرورة سؤال أهل العلم الراسخين لتجنب الضلال، محذراً من اتباع القدرية الذين ينفون القدر رغم اجتهادهم. ويبين أن العبرة بموافقة الحق لا بمجرد المظهر العبادي في ضوء حديث جبريل.

رواية حديث جبريل تفصيلاً وأركان الإسلام والإيمان

يروي المحور حديث جبريل عليه السلام تفصيلاً حيث سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والساعة، فأجابه بأركانهما الخمسة والستة. ويشير إلى أن هذا الحديث يجمع عقائد أهل السنة والجماعة.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذا الكتاب العظيم الجليل الكبير الذي حوى منهج السلف وعقائدهم ومسالكهم وطريقتهم ومنهجهم، وحوى الرد على كثير من الفرق التي انحرفت عن منهج السلف الصالح، بين أصولها وأسباب ضلالها، ورد عليها بالرد البليغ الوافق، وهو كتاب الشريعة للإمام الكبير والحافظ الجليل الذي قال عنه ابن القيم: إنه إمام عصره في الفقه والحديث، ألا وهو الإمام الكبير أبو بكر محمد بن الحسين الآجري المتوفى سنة ثلاثمائة وستين للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. لازلنا نقرأ في كتابه في هذه المجالس التي هي مجالس أسبوعية، وكنا قرأنا الباب الذي في الجزء الثالث منه، قال: باب تفريع معرفة الإيمان والإسلام وشرائع الدين، وقرأنا مقدمة هذا الباب التي حوت الكلام على ارتباط الإيمان قولاً واعتقاداً وعملاً، وأن العمل لا بد منه في الإيمان وإلا لم يصح. قال رحمه الله تعالى: وهذا رحمكم الله طريق المسلمين، فإن احتج محتج بالأحاديث التي رويت: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة»، قيل له: هذه كانت قبل نزول الفرائض على ما تقدم ذكرنا له، وهذا قول علماء المسلمين، وهذا نقل للإجماع على أن الأحاديث التي فيها: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» مقيدة بما جاء من الأركان والفرائض بعد ذلك، فلا يقال بإطلاقها، وإنما لا بد من أن تقيد، لا بد من أن تقيد. قال: وهذا قول علماء المسلمين ممن نفعهم الله تعالى بالعلم وكانوا أئمة يقتدى بهم. قلنا: هذا نقل للإجماع، إجماع سلف الأمة على أن هذه الأحاديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» ونحوها، هذه الأحاديث الثابتة مقيدة بالإتيان بالفرائض والأركان. قال رحمه الله: وهذا قول علماء المسلمين ممن نفعهم الله تعالى بالعلم وكانوا أئمة يقتدى بهم، سوى المرجئة الذين خرجوا عن جملة ما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقول الأئمة الذين لا يستوحشوا، أي: وهذا أيضا قول الأئمة الذين لا يستوحشوا من ذكرهم في كل بلد، كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي ونحوهم، رحمهم الله تعالى جميعاً، وسنذكر من ذلك ما حضرنا ذكره، والله الموفق لكل رشاد والمعين عليه، ولا قوة إلا بالله. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر عمر بن سعد القراطيسي، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن منصور الرمادي، قال: حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]، قال: إن الله تعالى بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الله الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الله الصيام، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحجة، فلما صدقوا به زادهم الجهادة، ثم أكمل لهم دينهم، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. قال ابن عباس: وكان المشركون والمسلمون يحجون جميعاً، فلما نزلت براءة، أي: سورة براءة، نفي المشركون عن البيت الحرام، وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، وكان ذلك من تمام النعمة، أنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 3]. يقول المعلق في سنده: عبد الله بن صالح وهو ضعيف. نعم، عبد الله بن صالح كاتب الليث ضعيف، لكننا قد قدمنا مراراً أن باب الأحاديث التي هي في الأحكام ونحوها غير باب الآثار، فإن باب الآثار إن كان معناه غير منكر، وكانت موافقة لأصول الأحاديث الصحيحة، فيمشى أمر الضعاف فيها، يمشى أمر الرواة الضعاف كعبد الله بن صالح ونحوه، فمثل هؤلاء يمشون في الآثار، تحسن آثار معاوية بن صالح أيضاً، حسن الحديث، معاوية بن صالح بن حدير حسن الحديث، علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لم يسمع منه، لكن الواسطة معلومة فكأنها مذكورة، ولهذا سلسلة رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إن صح الإسناد إلى علي بن أبي طلحة فهي مقبولة، لأن علي بن أبي طلحة سمع بواسطة وهو ثقة إلى مجاهد، كما قال أبو حاتم في المراسيل، كما قال ابن أبي حاتم في المراسيل. وهذا الأثر عظيم، فيه أن الأمور المطلقة كفضائل لا إله إلا الله والاحتجاج بالشهادتين مقيد بالأعمال التي نزلت بعد. قال رحمه الله تعالى: وحدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الصفار. وهذه القاعدة نبهت على أنها قاعدة جهابذة المحدثين، ك يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، كما نقلها أحمد بن سيار رحمه الله، وهي تمشية أحاديث الآثار التي في أسانيدها بعض الرواة الذين يكون في حفظهم شيء، تقبل في باب الآثار. قال: وحدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الصفار، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك المصيصي أبو عبد الله، قال: كنا عند سفيان بن عيينة في سنة سبعين ومئة. سفيان بن عيينة عالم الحرم وإمام أهل مكة، وقد رزقه الله علو الإسناد والرواية، فهو يروي عن عمر بن دينار، ويروي عن عمر بن دينار عن جابر بن عبد الله، فبينه وبين الصحابة واسطتان، وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم واسطتان، وهذا سند عال، ولهذا كانت الرحلة إلى مكة، ربما يحج طلاب لا يريدون الحج في أول قصدهم، ولكنهم يقصدون لقاء سفيان بن عيينة لعلو سنده وإمامته في السنة. قال: كنا عند سفيان بن عيينة في سنة سبعين ومئة، أي: للهجرة، فسأله رجل عن الإيمان، فقال: قول وعمل، يزيد وينقص، قال: يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى شيء منه، مثل هذه، وأشار سفيان بيده. هذا ما عليه إجماع أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج وخلافاً للمرجئة، فالإيمان عند أهل السنة يتبعض ويتجزأ ويزيد وينقص، والإيمان عند الخوارج والمرجئة جزء واحد، إما أن يبقى كله وإما أن يذهب كله، هكذا قالت الخوارج والمرجئة في هذا الأصل، كما قدمنا شرحه في غير هذا الكتاب. قال رحمه الله: قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ هؤلاء المرجئة، نسأل الله العافية، أرجعوا العمل عن الإيمان، أي: أخروا العمل عن الإيمان، فيقولون: هو مؤمن كامل الإيمان بمجرد أن يقول، ولو لم يعمل خيراً قط. قال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده، ثم إن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الناس كافة أن يقولوا لا إله إلا الله وأنه رسول الله، فإذا قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة، هذا بعد الإيمان بالله عز وجل، هذا بعد الإيمان بالله عز وجل وأداء شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمد رسول الله على وجهها المطلوب. قال: فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول: لا إله إلا الله. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالرجوع إلى مكة فيقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم ويصلوا صلاتهم ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتى، حتى أتى أحدهم برأس أبيه، فقال: يا رسول الله هذا رأس الشيخ الكافر، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرتهم ولا قتالهم. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبداً وأن يحلقوا رؤوسهم تذللاً، ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرتهم ولا قتلهم آباءهم. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتوا بها قليلها وكثيرها، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرتهم ولا قتلهم آباءهم ولا طوافهم. فلما علم الله الصدق في قلوبهم فيما تتابع عليهم، فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده، قال الله له: قل لهم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. قال سفيان: فمن ترك خلة من خلال الإيمان جاحداً كان بها عندنا كافر، ومن تركها كسلاً أو تهاوناً أدبناه، وكان بها عندنا ناقصاً. هكذا السنة، أبلغها عني من سألك من الناس. هذا الأثر أثر عظيم وأثر جليل، فيه بيان أن الإيمان لا يتم إلا بالإتيان بالأعمال، فمن الأعمال ما إذا لم توجد ذهب الإيمان جملة واحدة، وهي الأعمال التي تعتبر من الكفريات عند أهل العلم، أو عند طائفة من أهل العلم كترك الصلاة على قول الحنابلة فيما في الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، وهناك روايات أخر تخالفها، أو ترك المباني، ترك المباني قال بعض أهل العلم بالتكفير به، فمثل هذه الأعمال إذا لم يأت بها وكان قادراً عليها فإن تركها عند طائفة من أهل العلم يعتبر نقضاً لكلمة التوحيد، وهناك من الأعمال ما تركها ينقص الإيمان ويضعفه ولكنه لا يزيله، فيصير عاصياً مذنباً مقصراً، ولكنه لا يحكم عليه بالكفر، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في تارك العمل، فإن ترك عملاً تركه كفر فهو كافر بالله العظيم، وإن ترك أعمالاً تركها كفر فهو كافر بالله العظيم، أما إن تركها جحوداً فهذا من باب أولى، وإنما نتكلم على الترك المجرد، نتكلم على الترك المجرد الفعلي، فأما إذا ترك اعتقادها فهذا كافر اعتقاداً قبل أن يكون كافراً عملاً، قبل أن يكون من الكافرين عملاً. يقول سفيان رحمه الله: فمن ترك خلة من خلال الإيمان جاحداً كان بها عندنا كافراً، وهذا عليه إجماع أهل العلم وإجماع السلف، لا يختلفون أن ترك عمل جحوداً فيعتبر كفراً، ومن تركها كسلاً أو تهاوناً أدبناه، أدبناه، إن كان العمل يحتمل أن يكون العمل مخرجاً عن الملة عند طائفة كترك الصلاة، ترك الصلاة عند طائفة يعتبر ناقضاً وكفراً أكبر، وعند الجماهير لا يعتبر كذلك، يعتبر كفراً أصغر، على قول من يرى أنه كفر أكبر يكون ناقضاً من نواقض التوحيد والإيمان، أما من يرى أنها ليست بكفر أكبر يقول رحمه الله: أدبناه وكان بها عندنا ناقص. هكذا السنة، أبلغها عني من سألك من الناس، المرجئة تقول: تارك العمل مؤمن كامل الإيمان، هذا قولهم، عياذاً بالله. قال: باب معرفة أي يوم نزل، معرفة أي يوم نزلت هذه الآية، قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. هذه الآية أصل عظيم في رد محدثات الأمور، عقيدة كانت المحدثة ورأياً وفكراً، أو كانت عملاً، أو كانت قولاً، فمحدثات الأمور منها ما هو من العقائد، ومحدثات الأمور منها ما هو من الأقوال، ومحدثات الأمور منها ما هو من العقائد، ومنها ما يكون عقيدة وقولاً وعملاً، ومنها ما يكون قولاً وعملاً، ومنها ما يكون عملاً، ومنها ما يكون قولاً، فكل ما أتي به ونسب إلى الدين وليس منه، فإن هذه الآية قاصمة له. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا عبد الجبار بن العلاء العطار، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر وغيره عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، أن رجلاً من اليهود قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم: لو علينا أنزلت هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، لاتخذناها عيداً. هذه عادة اليهود، جعلوا كثيراً من المواسم أعياداً، وهذا نوع من الابتداع في الدين، فليس العيد، أي: ما يجتمع الناس فيه ويعتادون عليه ويكون فيه شيء من الشعائر والعبادات، هذا أمر توقيفي، ولهذا ليس للمسلمين إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى، عوض الله المسلمين بهذين العيدين توقيفاً وعبادة وتعبداً من الله عز وجل. فأما اليوم فقد تشبه المسلمون بالكفار، فصار هناك عيد للأرض، وعيد الاستقلال، وعيد الأم، وعيد كذا، وعيد كذا، وأعياد، وعيد رأس السنة، وعيد للفجور، وعيد لكذا، كل هذا من محدثات الأمور، ومن متابعة اليهود والنصارى، عياذاً بالله، هذا كله من الأمور الخطيرة والبدع التي يخشى على الأمة إذا استمرت فيها أن تجرها إلى أمور أكبر منها، عياذاً بالله، ونسأل الله أن يثبت على الناس دينهم، فإن التشبه بالكفار أصل كل بلية، التشبه بالكفار واتباعهم أصل كل بلية، بدءاً بالكفر إلى ما دونه، نسأل الله السلامة والعافية. قال رحمه الله تعالى وغفر له: لو علينا، قال لعمر، والخطاب هذا اليهود: لو علينا أنزلت هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، لاتخذناها عيداً. فقال عمر رضي الله عنه: أنا أعلم أي يوم أنزلت، أنزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة، في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، صادف يوم عرفة يوم التاسع، يوم الجمعة. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح للبخاري، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وأحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن قيس عن طارق بن شهاب، قال: قال يهودي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو أنا نعلم أي يوم نزلت هذه الآية لاتخذناها، ولاتخذناه عيداً: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، أنزلت ونحن وقوف بعرفات مع رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم. قال: أخبرنا إبراهيم بن موسى الجوزي، قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عمار مولى بني هاشم، قال: قرأ ابن عباس: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، وعنده رجل من أهل الكتاب، فقال: لو علمنا في أي يوم أنزلت هذه الآية جعلناه عيداً، فقال: لقد أنزلت في يوم عرفة، يوم الجمعة. قال محمد بن الحسين: هذا بيان لمن عقل، يعلم أنه لا يصح الدين إلا بالتصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وما أشبه ذلك، لأن هذه الآية دلت على أن هذا الدين يجب أخذه كاملاً، فمن ادعى أخذ بعضه فهو على خطر، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]، فمن قال إنه يحصل كمال الدين بمجرد قول اللسان فقد كذب بهذه الآية، من قال إنه يحصل كمال الدين بمجرد أن يتلفظ بلسانه بالشهادتين فيكون بعد تلفظه بهما مؤمناً كامل الإيمان فقد كذب، لأن الله بين أنه نزلت شرائع يتبع بعضها بعضاً بها أكمل الدين، وهذا رد بليغ على المرجئة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، فرحم الله هذا الإمام، ما أبدع استنباطه وما أقوى حجته. قال رحمه الله تعالى: باب على كم بني الإسلام. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف بن زياد، حدثنا ابن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان بن عيينة عن سعير بن الخمس عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت». وبه قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا وكيع بن الجراح، قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان الجماحي، قال: عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». كل هذا بيان لأركان الإسلام التي لا يتم الإسلام إلا بالإتيان بها، فزعم المرجئة أن الإسلام يتم بمجرد قول اللسان كذب وتكذيب بمثل هذه الأحاديث العظام. قال: أخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي، قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا شبابة بن سوار، قال: حدثنا عاصم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». قال: وحدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين الأشناني الكوفي، قال: حدثنا محمد بن علي الشقيقي، قال: سمعت أبي، قال: حدثنا أبو حمزة عن جابر عن جابر عن عامر عن جرير بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». قال: باب ذكر سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم. الشاهد من الباب السابق معلوم، وهو أن هذه أركان الإسلام، فمن ادعى أن من قال بلسانه لا إله إلا الله فقد أتى بالإسلام كله وبكماله وصار مؤمناً كامل الإيمان فقد كذب بهذه الأحاديث الظاهرة، وهذا رد بليغ على المرجئة. قال: باب ذكر سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ما هو، وعن الإيمان ما هو. قال: حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، قال: حدثنا إسحاق بن راهويه، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال: حدثنا كهمس بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر، قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: بينا نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد منا، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخديه، ثم قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، وما الإسلام، وما هو الإسلام؟ قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». قال: صدقت. فعجبنا له، فعجبنا أنه يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره». قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال: فأخبرني عن الساعة. قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». قال عمر: فلبثت ملياً، ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، هل تدري من السائل؟». فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم أمر دينكم». قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، قال: حدثنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني. هؤلاء القدرية الأوائل، وهم الذين قالوا: إن الأمر أنف، ونفوا العلم، وهم كفار، وهم غلاة القدرية، ويذكر بعض العلماء كالقرطبي أن هؤلاء انقرضوا، هؤلاء انقرضوا، هكذا يذكر بعض العلماء كالإمام القرطبي رحمه الله، لكن مقالتهم لا تزال تذكر، ومنها يحذر. قال رحمه الله تعالى: كان أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا، يقول يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرحمن، فلقينا عبد الله بن عمر، صحابي جليل، فيه لقاء العلماء وسؤاله عما أشكل، فمن لا يسأل العلماء فقد خالف أمر الله عز وجل، الله عز وجل يأمر الناس بالرجوع إلى العلماء وسؤالهم عما أشكل، وعن حكم الله عز وجل، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: 44]، أي: أهل الذكر بالبينات والزبر، اسألوهم عما يرد عليكم فيه السؤال للعلماء. فإذا كان الناس لا يسألون العلماء عما أشكل، ويسألون جهالاً أو أشباه طلاب علم أو طلاب علم قاصرين، حصل الضلال المبين، كما في حديث عبد الله بن عمر: «حتى إذا لم يبقَ عالم، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا»، هذه المصيبة، هذه هي المصيبة أن يترك العلماء، ويتكأ في الجواب على قوم ليسوا من العلماء، ليسوا من العلماء، نسأل الله العافية والسلامة. فنهج السلف الرجوع إلى أهل العلم، ﴿فَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]. اليوم كم من الناس من لا يرضى بكلام العلماء، بل ولا يسلمون من ألسنتهم طعناً وقدحاً وتجريحاً وتبديعاً، لمجرد أنهم خالفوا الهوى الذي يهواه، أو خالفوا الرأي الذي رآه، فهذا خطر عظيم، نسأل الله العافية، ونسأل الله أن يوفقنا، فإن من الأمان للأمة أن تسأل علماءها. كان شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي رحمه الله يقول: إذا ترك الناس العلماء ضلوا السبيل، أو بهذا المعنى، رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: فلقينا عبد الله بن عمر، فقلنا: إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن ويبتغون العلم، إذن من صفتهم الاهتمام بالقرآن، قد تجد المخالف من أهل البدع عنده اهتمام بالقرآن، أو عنده اهتمام بشيء من العلم، وليست العبرة بعبادته أو بقراءته أو بطلبه للعلم، لكن العبرة بموافقته للحق أو بعده عنه، هذا هو الميزان الصحيح. هؤلاء قدرية، نسأل الله العافية، من نفاة العلم، كفرهم العلماء، ومع هذا يقرؤون القرآن، يجتهدون، يجتهدون في قراءة القرآن، في حفظه، ويبتغون العلم، كما يقول الراوي عنه. فلقينا عبد الله بن عمر، فقال: إنه، فظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن ويبتغون العلم، يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء، وهم مني براء، والذي يحلف به ابن عمر: لو أن لأحدهم أحداً ذهب فأنفقه، ما قبله الله تعالى منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: حدثني أبي، عمر رضي الله عنه، قال: بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتي، وهذا من أدب الجلوس عند مجالس أهل العلم، فينبغي لطالب العلم أن يحرص على أدب الجلوس، فجبريل جاء معلماً للصحابة، معلماً في سؤاله ومعلماً في فعاله أيضاً عليه السلام، جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي: جلسة السائل الطالب، مواجهاً له، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، أي: قابله، فوضع كفيه على فخديه، اختلفوا: هل وضع كفيه على فخذي نفسه وهذا هو الأظهر، أم على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فيه حسن السؤال، إذا لقي الإنسان أهل العلم فيكون سؤاله سؤالاً ينتفع. قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتعج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، حج البيت مقيد بالاستطاعة كما في الآية، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]، ومن كفر، فإن الله غني عن العالمين، أي: ومن كفر من المستطيعين، قيل: الآية نزلت في اليهود، احتجوا بهذا الموضوع. قال: وتحج البيت، قال صلى الله عليه وسلم: «وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». قال: صدقت. قال: فعجبنا له أنه يسأله ويصدقه، لأن الأصل في السائل أنه لا يعلم، فكيف يسأل عما يعلم؟ فقوله: صدقت، كأنه يقول: أنا أعلم بهذا الجواب، فلما يسأل إذن؟ هذا مما لفت انتباههم، فعجبنا له أنه يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال: فأخبرني عن الساعة. قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». وهذا فيه إشارة إلى مكانة السائل، والمسؤول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة من علم الغيب لا يعلمها إلا الله، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، فعلم الساعة من علم الغيب، ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65]. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة، رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان». قال: ثم انطلق، فلبثت ملياً، ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم أمر دينكم». فيه أن الملائكة قد تتشكل في صور بني آدم، حتى يظنها بنو آدم من بني آدم، وهذا مما أقدرها الله عز وجل عليه. قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، قال: حدثنا عبد العزيز بن داود الحراني، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يحيى بن يعمر، قال: قلت لابن عمر: إن عندنا بالعراق رجالاً يقولون: إن شاءوا عملوا، وإن شاءوا لم يعملوا، وإن شاءوا دخلوا، وإن شاءوا دخلوا الجنة، وإن شاءوا دخلوا النار، ويصنعون ما شاءوا. فقال ابن عمر: أخبرهم أني منهم بريء، وهم مني براء. ثم قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد. قال: لبيك. قال: ما الإسلام؟ قال: «أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت». قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: فما الإحسان؟ قال: «أن تخشى الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال: فإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: فما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، والقدر كله». قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم. قال: صدقت. والحديث صححه محدث العصر رحمه الله. قال: أخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب بن القاضي، قال: حدثنا حسن الزعفراني، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا العوام بن حوشب عن محارب، عن محارب بن دثار عن ابن عمر، قال: بين رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرف، عادة الناس أن الرجل الغريب، نظراً لأنهم أهل تنقل في البوادي والصحارى، يكون فيه أثر في وجهه، في شعره، في ثيابه، دال على سفره، وعلى غربته، بخلاف المقيم في وطنه. إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرف، فأتى، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس بين يديه، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، فقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتأتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، وتغتسل من الجنابة». هذه زيادة في الغسل من الجنابة، والأحاديث السابقة ليس بها الأمر بالغسل من الجنابة، وهي المحفوظة، وهي الأسانيد المعروفة. قال: صدقت. فعجبوا منه أنه يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والجنة والنار، والبعث والحساب، وبالقدر خيره وشره، حلوها ومرها». قال: صدقت. فعجبوا منه أنه يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: «ما المسؤول عنها بأعلى من السائل». قال: صدقت. ثم ذهب. فلما كان بعد، فلما كان بعد ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «يا عمر، تدري من الرجل؟». قال: الله ورسوله أعلم، الله ورسوله أعلم، في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته يقال: الله أعلم، قال: الله ورسوله أعلم. قال: «ذاك جبريل، أتاكم وعلمكم أمر دينكم». وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها، إلا في صورته هذه. ساق المصنف رحمه الله طرق حديث جبريل المشهور، الذي فيه وعليه بيان عقائد أهل السنة والجماعة، فإن فيه أركان الإسلام التي لا يكون مسلماً إلا بالإتيان بها، وفيه أركان الإيمان التي لا يكون مؤمناً إلا بالإتيان بها، والعقيدة لا تخرج عن ذلك، لا تخرج أمور الاعتقاد عن هذا، عن الإيمان وعن الإسلام. وهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.