الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 25، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يستعرض المؤلف المرتبة الأولى من مراتب القدر وهي العلم السابق، مستدلاً بأحاديث عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما التي تبين أن الله خلق الخلق للجنة والنار في الأزل، وعلم أعمالهم وقدر مقاديرهم قبل خلقهم بخمسين ألف سنة، وأن العمل يجري وفق ما سبق به العلم والقضاء.
يسوق المؤلف أحاديث متعددة عن علي وأبي هريرة وأبي موسى وعبد الله بن عمرو تثبت سبق علم الله وكتابته لأهل الجنة والنار، مع التأكيد على أن العبد مكلف بالعمل والأخذ بالأسباب، فكل ميسر لما خلق له، والأعمال هي طريق الوصول إلى المقدور.
يشرح المقطع حديث «سددوا وقاربوا» بأن الإنسان يبذل الجهد ويصيب أو يخطئ، فيستدرك بالتوبة، وأن الخاتمة تحدد المصير بعلم الله السابق. ويستعرض اعتراض الملائكة على خلق آدم ورد الله ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، مبينًا حكمتين: خروج الأنبياء والصالحين من ذرية آدم، وجعل الدنيا دار ابتلاء بظهور معصية إبليس، مؤكدًا أن القلم جف على علم الله الأزلي.
يتناول المقطع حديث «أول شيء خلقه الله القلم» مع تخريجه وتصحيحه، ويبين مرتبة الكتابة في القضاء والقدر، ثم يناقش مسألة إثبات اليدين لله عز وجل والخلاف في إثبات الشمال، ويختم بذكر خلاف أهل السنة في أول المخلوقات (القلم أم العرش) مع ترجيح أن العرش قبل القلم.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في قراءة كتاب الشريعة للإمام الجليل أبي بكر محمد بن الحسين الآجري المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة، رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه أستعين. قال محمد بن الحسين رحمه الله: هكذا عندي الوقف، ويقال لمن خالف هذا المذهب الذي بيناه في إثبات القدر من كتاب الله تعالى: اعلم يا شقي، أنا لسنا أصحاب كلام، والكلام على غير أصل لا تثبت به حجة، أي على غير أصل هو الكتاب والسنة الثابتة. فإذا كان الكلام على غير الكتاب والسنة الثابتة فإنه ليس بحجة. قال: وحجتنا كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرنا ما حضرنا ذكره من كتاب الله تعالى، وقد قال لنبيه عليه السلام: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. فقد بيّن صلى الله عليه وسلم لأمته ما فرضه الله تعالى عليهم من أداء فرائضه واجتناب محارمه، ولم يدعهم سدًا لا يعلمون، بل بيّن لهم شرائع دينهم. فكان مما بيّنه لهم إثبات القدر على نحو مما تقدَّم ذكرنا له، وهي سنن كثيرة سنذكرها أبوابًا لا تخفى عند العلماء قديمًا ولا حديثًا، ولا يُنكرها عالمٌ. بل إذا نظر فيها العالم زادته إن شاء الله تعالى إيمانًا وتصديقًا. وإذا نظر فيها جاهلٌ بالعلم أو بعض من قد سمع من قدريٍ جاهلٍ بكتاب الله وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنن أصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ وسائر علماء المسلمين، فإن أراد الله به خيرًا فالتوفيق بيد الله سبحانه وتعالى. قد يسمع الحجج والبينات التي لو قُرِئت على جبل لخضع، ولكنه لا ينتفع بشيء، فالتوفيق بيد الله سبحانه وتعالى. قال: فإن أراد الله به خيرًا كان سماعه لها سببًا لرجوعه عن باطله، وإن تكن الأخرى فأبعده الله وأسحقه. قال رحمه الله تعالى: بابٌ ذكر السنن والآثار المُبَيِّنة بأن الله تعالى خلق خلقه من شاء خلقه للجنة ومن شاء خلقه للنار. في علمٍ قد سبق: هذه المرتبة الأولى من مراتب القدر، وهي إثبات العلم السابق، وأن الله علم ما يفعله العباد قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، كل ذلك معلومٌ في كتابٍ عند الله عز وجل. هذه المرتبة الأولى من مراتب القدر: إثبات العلم. والمرتبة الثانية: إثبات المشيئة العامة. والمرتبة الثالثة: إثبات الكتابة، وأن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة. والمرتبة الرابعة: إثبات عموم الخلق، وأن الله خالق كل شيء. قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]. بدأ رحمه الله بالأدلة على المرتبة الأولى. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو بكرٍ جعفر بن محمدٍ الفريابي، وقال: حدثنا قتيبة بن سعيدٍ عن مالك بن أنسٍ عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسارٍ الجهني أن عمر رضي الله عنه سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 172]. فقال عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عنها، فقال: «إن الله تعالى لما خلق آدم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريةً، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره -أي ظهر آدم- فاستخرج منه ذريةً، فقال: هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون». فقام رجل فقال: يا رسول الله، ففيما العمل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل أهل الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل أهل النار فيدخله به النار». وهذا الحديث عظيم في إثبات أن الله خلق الخلق في الأزل، خلقهم وعَلِمَ من يأتون للجنة ومن يأتون للنار، خلق هؤلاء للجنة وخلق هؤلاء للنار، فسبحان الحكيم العليم العظيم، جل جلاله. قال: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، قال: حدثنا أنس بن عياض، قال: حدثنا له زُعَيْر عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، أنعمل في شيء نأتنفه -أي نستقبله دون أن يكون له شيء سابق من علم وغيره- أو في شيء قد فرغ منه، أي قضاء قد قدر؟ قال: «بل في شيء قد فرغ منه». قال: ففيما العمل؟ قال: «يا عمر، لا يدرك ذلك إلا بالعمل». قال: إذن نجتهد يا رسول الله. «من عمل بالصالحات أعانه الله عليها، ومن عمل بالصالحات وأعانه الله عليها وختم له بها فقد فاز، ومن عمل بغير ذلك فقد خسر». عياذا بالله. ولهذا العمل لا بد منه، لا بد من توبة واستغفار وأداء للواجبات وأعمال صالحات كثيرات، لا بد من ذلك. قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة بن سوار، قال: حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه، أمر قد فرغ منه أو في أمر مبتدع أو مبتدئ؟ قال: «بل في أمر قد فرغ منه»، أي في الأزل علم الله مقادير العباد أزلًا، فهو عالم سبحانه وتعالى بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، سبحانه. قال رحمه الله تعالى: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه، أمر قد فرغ منه أو في أمر... أمر قد فرغ منه أو في أمر مبتدع أو مبتدئ؟ قال: «بل في أمر قد فرغ منه». فقال عمر: أفلا نتكل؟ فقال: «اعمل يا ابن الخطاب، فكل ميسر. أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء». ولحديث عمر طرق كثيرة، اكتفينا منها بهذه تهيئةً من حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه في إثبات العلم السابق، وأن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة. قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير يعني بن عبد الحميد عن منصور عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته -يعني عصا يأتي إلى الأرض فيعمل بها هكذا وهو جالس صلى الله عليه وسلم، ومعه مخصرة، ومخصرة فسرها في الحاشية: بما يختصره الإنسان من عصي وعكازه وقضيب يتكئ عليه-. قال رحمه الله تعالى: فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: «ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة». فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: «فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء». فقال: «اعملوا، فكل ميسر. أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 5-10]. سبحان الله! ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن الحارث وأبو بكر بن أبي شيبة. قال محمد: أخبرنا، وقال أبو بكر: حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فلما انتهينا إلى بقيع الغرقد قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدنا حوله، فأخذ عودًا فنكت به الأرض، ثم رفع رأسه فقال: «ما منكم من أحد، من نفس منفوسة، إلا وقد علم مكانها من الجنة والنار، شقية أم سعيدة». فقال رجل من القوم: أفلا ندع العمل يا رسول الله ونقبل على كتابنا؟ فمن كان منا من أهل السعادة صار إلى السعادة، ومن كان منا من أهل الشقوة صار إلى الشقوة. فقال صلى الله عليه وسلم: «اعملوا، فكل ميسر. فمن كان من أهل الشقوة ييسّر لعملها، ومن كان من أهل السعادة ييسّر لعملها». ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. كل هذا فيه دليل على وجوب العمل، وأن الإنسان يعمل بالأسباب: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. عندك اختيار، ثم لا بد من عمل، لا بد من عمل. قال رحمه الله: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن الحارث، قال: حدثنا أبو مسهر، حدثنا ابن مسهر -هكذا عندنا- عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي بن أبي طالب قال: بينا نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث نحوه. ولحديث علي طرق جماعة، اكتفينا منها بما ذكرنا. قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا عمر بن عثمان بن كثير بن دينار الحمصي، قال: حدثنا بقية يعني ابن الوليد، قال: حدثنا الزبيدي، قال: حدثنا راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن قتادة النصري عن عطاء بن حكيم: من أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أتبتدأ الأعمال أم قضي القضاء؟ -علها "أتبتدئ" عندكم، أيش بالتاء؟ "أتبتدئ" هكذا. علها "أتبتدئ الأعمال أم قضي القضاء". عندك "أيش للتاع"؟ لو كانت "أتبتدأ" كانت الهمزة على واو، وهذا هو اللائق. إما "أتبتدأ الأعمال" تكون الهمزة على واو. "أتبتدئ" ليست على ألف، تكون على واو الهمزة لأن همزة متطرفة وآخرها ضمة وقبلها فتح، والضمة أقوى فتأخذ الضمة الهمزة فتكون على واو: "أتبتدأ الأعمال". أم "قضي القضاء"؟ "قضي" أيضًا مغير الصيرة. الأول سيكون "أتبتدأ الأعمال"، لكن عندنا في الكتاب "أتبتدئ الأعمال". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى أخذ ذرية آدم عليه السلام من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفه، فقال: هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار. فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار». ولهذا الحديث طرق. قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن المصفى، قال: حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثنا مبشر بن عبيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله آدم عليه السلام ضرب بيده على شق آدم الأيمن فأخرج منه ذرية كالذر، فقال: يا آدم، هؤلاء ذريتك من أهل الجنة». ثم قال: ثم ضرب بيده على شق آدم الأيسر فأخرج منه ذرية كالحمم، ثم قال: «هؤلاء ذريتك من أهل النار». كل هذا في إثبات علم الله السابق وقضائه وقدره بأخبار وأحوال العباد وأعمالهم قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة. قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا عبد الأعلى بن حمد، قال: حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، قال: سمعت يزيد الرقاشي، قال: سمعت غنيم بن قيس قال: كان أبو موسى يعلمنا القرآن في هذا المسجد وهو قائم على رجليه يعلمنا آية آية. فقال أبو موسى: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يوم خلق آدم عليه السلام قبض من صلبه قبضتين، فرفع كل طيب بيمينه وكل خبيث بشماله، فقال: هؤلاء أصحاب اليمين، ولا أبالي، هؤلاء أصحاب الجنة، وهؤلاء أصحاب الشمال، ولا أبالي، هؤلاء أصحاب النار». قال: ثم أعادهم في صلب آدم عليه السلام، فهم يتناسلون على ذلك إلى الآن. هذا كله في ثبات العلم السابع. والحديث يعلق المعلق ويقول: ضعفه الشيخ الألباني في "ظلال الجنة"، هو ضعيف جدًا، يقول: يغني عنه غيره في الباب مما تقدم: حديث عمر، حديث علي. قال رحمه الله تعالى: حدّثنا الفريابي، وقال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث بن سعد عن أبي قبيل عن شفي بن ماتع عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» قالوا: لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا. فقال: «الذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم». سبحان الله، سبحان الله. قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» فقالوا: لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا. فقال: «الذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم». الله أكبر، سبحان الله. وقال للذي في شماله: «هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا». فقال أصحابه: ففيما العمل يا رسول الله إن كان قد فرغ منه؟ فقال: «سددوا وقاربوا». هذا مثل: معناه أن الرامي بالسهم يقال له: هذا الهدف أمامك، فيذهب ويأخذ السهم ثم ينظر ثم يرمي، مرة يصيب الهدف فيقال: سدد، ومرة يأتي به بجواره إما فوق وإما تحت وإما عن يمين وإما عن يسار فيقال: قارب. قارب، هذا معنى هذا الكلام. فقال أصحابه: ففيما العمل يا رسول الله إن كان قد فرغ منه؟ فقال: «سددوا وقاربوا». قد يحصل للإنسان هفوات، قد يحصل للإنسان نقص، هذا معنى "وقارب"، فيحتاج أن يستدرك ويراجع أمره، هذا معنى. فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل... أي من الأعمال السيئة، قد يعمل صاحب الجنة عملًا سيئًا فينيب إلى الله ويتوب إليه جل جلاله، فيغفر الله له ويبدله مكان السيئة حسنة، كرمًا من أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ورب العالمين، سبحانه. قال رحمه الله: قال صلى الله عليه وسلم: «فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل». أي مهما تظاهر بأعمال الخير وأعمال البر والصدقات أو نحوها، إلا أنه إذا كان من أهل النار فسيختم عليه بعمل من أعمال أهل النار. ثم قال بيده فنبذها، ثم قال: «قد فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير». قال رحمه الله تعالى: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا بكر بن مضر عن أبي قبيل عن شفي عن عبد الله بن عمر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هذا كتاب، كتاب كتبه رب العالمين، فيه تسمية أهل الجنة وتسمية آبائهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص. وهذا كتاب كتبه رب العالمين، فيه تسمية أهل النار وتسمية آبائهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص». قالوا: ففيما العمل يا رسول الله؟ قال: «إن عامل الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن عامل النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل». فرغ الله تعالى من خلقه، ثم قرأ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7]. قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، وقال: حدثنا بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن هاشم، قال: حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر قال: قام سراقة بن جعشم إلى رسول النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، يا رسول الله، أخبرنا عن أعمالنا كأننا خلقنا الساعة، أشيء ثبت به الكتاب وجرت به المقادير أم شيء نستأنفه؟ قال: «لا، بل شيء ثبت به الكتاب وجرت به المقادير». هذه الدنيا توجد فيها أعمال وأحوال ومواقف، كل ذلك قد علمه الله أزلًا وأراده وشاءه وكتبه سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة. سبحان الله! هذا معتقد الصحابة والتابعين والأئمة المهديين وأهل السنة أجمعين. قال رحمه الله تعالى: قال: «لا، بل شيء ثبت به الكتاب وجرت به المقادير». قال: يا رسول الله، ففيما العمل؟ فقال: «اعملوا، فكل ميسر لعمله». قال رحمه الله تعالى: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا إسحاق بن راهويه، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد الرشك، قال: يزيد الرشك عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عمران بن الحسين أن رجلًا قال: يا رسول الله، أَعْلَمُ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: «نعم». قال: ففيما العمل؟ قال: «ففيما يعمل العاملون». فقال: «اعملوا، فكل ميسر لعمل» أو كما قاله. قال: قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى به، ومن أخطأه ظلم». قال: فلذلك أقول: جف القلم بما هو كائن. قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عبد الله بن الديلمي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ظلم». فلذلك أقول: جف القلم على علم الله تعالى. كل هذا إثبات لعلم الله السابق، وأن الله علم أزلًا ما كان وما يكون، سبحانه وتعالى وعز وجل. وقد تقدم قريبًا في دروس اللمعة وغيرها بيان لشيء من الأمثلة في هذا الباب: في علم الله السابق، ذكرنا ما جرى من قول الملائكة لربهم. فماذا قالت الملائكة لربها عز وجل؟ ماذا قالت؟ عندك أحسن فضل؟ لما قال الله جل جلاله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]، كيف تجعل فيها من ينشر الفساد وسفك الدماء؟ فرد الله جل جلاله بجملة عظيمة ثقيلة جدًا، ما هي هذه الجملة؟ ماذا قال الله؟ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]. جواب عظيم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، هذا علم الله السابق. وذكرنا حكمتين ذكرهما العلماء، ذكرهما العلماء في تفسير الآية. عندك يا أخو محفظ، كنت سألتني ولعلك قلت كتبتها، فما هي الحكمتان اللتان ذكرهما العلماء من حكم وأسرار خلق البشر وإسكانهم الأرض مع أنهم سيسفكون الدماء، مع أنهم سيفسدون في الأرض؟ قتادة وعن مجاهد. قتادة يقول: نعم، قال: من حكمة الله ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، من حكمة الله أن الله خلق من ذرية آدم الرسل والأنبياء والبشر الصالحين، وهذا وهؤلاء يعبدون الله ويطيعونه، وهم عند أهل العلم أعظم من الملائكة. وصدق الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. طيب، الحكمة الثانية ذكرها مجاهد: أن الله هيأ الأسباب لظهور معصية إبليس وإغوائه الناس، وأن تكون هذه الدار دار امتحان وابتلاء. وهذه حكمة أخرى من حكم الله جل جلاله. هل أحد يحيط علمًا بحكم الله؟ عندك يا أبا الزبا؟ هل أحد يستطيع أن يحيط علمًا بحكم الله؟ الجواب: لا. قد يفهم موضعًا أو قصة، لكن علم الله واسع: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. هذا فيه إثبات العلم. قال: فلذلك أقول: جف القلم على علم الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري، قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع عن بقية بن الوليد، قال: حدثنا أرطاة بن المنذر عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أول شيء خلقه الله القلم، فأخذه بيده، وكلتا يديه يمين، فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول، بر أو فجور، رطب أو يابس، فأحصاه عنده في الذكر». ثم قال: «اقرؤوا إن شئتم: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29]، فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه؟». صححه الشيخ الألباني. حديث عظيم. قال رحمه الله: وأخبرنا... هذا فيه ثبات الكتابة، وهي المرتبة بعد المشيئة، ثالثة: ثبات الكتابة. قال رحمه الله: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا أبو أنس مالك بن سليمان الألهاني الحمصي، قال: حدثنا بقية بن الوليد عن أرطاة بن المنذر عن مجاهد بن جبر أنه بلغه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم، فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، قال: فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول، بر أو فجور، رطب أو يابس، وأحصاه عنده في الذكر، ثم قال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فهل تكون النسخة إلا من أمر قد فرغ منه؟». حديث صحيح كسابق. لازلنا في أبواب القضاء والقدر التي ذكرها هذا الإمام رحمه الله تعالى وغفر له. فنسأل الله جل جلاله أن ينفعنا ويرحم المصنف رحمه الله تعالى ويجزيه خير الجزاء. لعلنا نقف هنا، وإن شاء الله غدًا نقرأ أيضًا، نكمل بعض الدروس، إن شاء الله تعالى غدًا الخميس، خلاف العادة، غدًا إن شاء الله تعالى. صد الأخصان: هذه المسألة مذكورة عند أهل العلم، واختلف واختلف السلف فيها وأهل السنة: هل نثبت لله إذا نثبت لله اليدين؟ قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64]. بل يداه مبسوطتان، أضاف اليدين إليه بالضمير الذي يدل على الإضافة، وهذه إضافة صفة لله عز وجل، ثم وصف تلك الصفة بالبسط، وهذا لا يكون إلا وفيه إثبات اليدين حقيقة لله عز وجل، ليس كمثله في يديه وفي سائر صفاته شيء، وهو السميع البصير. ثم اختلف أهل السنة: هل نثبت لله الشمال؟ على قولين لأهل السنة في المسألة، ولا تعارض إن شاء الله. «كلتا يدي ربي يمين مباركة»، هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الأحاديث الأخرى إثبات الشمال أيضًا، لكنها مباركة وهي يمين، والله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ولهذا نقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وكلتا يدي ربي يمين مباركة». نقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، لا نتجاوز لفظه صلى الله عليه وسلم، ونثبت ذلك كما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء في الأدلة إثبات الشمال، ولا تعارض إن شاء الله تعالى بين هذين التفسيرين والرأيين. ولهذا نقول: الله سبحانه من صفاته أن له يدين، وليست كالمخلوق، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ليس كمثله شيء في صفاته كلها، وهو السميع البصير، جل جلاله. وهذه المخلوقات كما قدمنا لهم أياد تختلف في حقائقها وكيفياتها وهي مخلوقات: يد البعوض، ويد النمل، ويد الفيل، ويد الأبرص، وغير ذلك مما هو يد تليق بذلك المخلوق مع اختلاف كيفياتها واختلاف حقائقها. هذا في مخلوق ومخلوق ومخلوق ومخلوق، فكيف بالخالق جل جلاله؟ ولله المثل الأعلى، سبحانه وتعالى. هذه الأبواب الله أعلم بها، وأعلم الناس بربه في أسمائه وصفاته هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أعلم الناس بربه سبحانه وتعالى. ولهذا نقول كما قال صلى الله عليه وسلم، ونؤمن بالجميع: آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب، يقول سهل: يقول سمعنا وقرأنا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أول ما خلق الله، أهو القلم أم غيره كالعرش والنور؟ طيب، أوردها ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية"، المجلد الأول. كذب، هذه المسألة أيضًا من المسائل التي اختلف فيها أهل السنة والجماعة: ما أول ما خلق الله من المخلوقات؟ قولان لأهل السنة والجماعة، وأكثر أهل السنة والجماعة أن أول ما خلق الله العرش. هذا قول أكثر أهل السنة والجماعة. وقال بعض أهل السنة والجماعة كأبي العلاء الهمذاني: أول ما خلق الله... نقل ذلك الهمذاني: القلم. والقولان في دائرة أهل السنة والجماعة، لكن أكثر أهل العلم من أهل السنة والجماعة على أن العرش قبل، كما قال ابن القيم. والناس مختلفون في القلم الذي... والناس مختلفون في القلم الذي... قولان عند أبي العلاء الهمذاني، والحق أن العرش قبل لأنه قبل الكتابة كان ذا أركان. الناس مختلفون، قولان عند أبي العلاء الهمذاني، والحق أن العرش قبل لأنه عند الكتابة كان ذا أركان. هذه المسائل الخلاف فيها سائغ لاختلاف أهل السنة فيها قديمًا، ولهذا من ظهر له شيء... الشيخ الألباني رحمه الله يجزم أن القلم أول المخلوقات كما في شرح الطحاوية وتعليقاته عليه، والأمر في هذا سائغ، إلا أن أكثر أهل السنة... كم على ما ذكره ابن القيم: أنه أول ما خلق الله القلم، أول ما خلق الله العرش، أول ما خلق الله العرش. الله تعالى أعلم. فإذا كان لكم شيء... وإلا وقفناها هنا، وغدًا إن شاء الله نستمر بإذن الواحد الأحد. هذا، وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سبحانك الله، شكرًا لكم، شكرًا لكم.