باب السواك 8

الدرس في باب السواك 8، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

الرد على شبهة تعليل أمر اللحية بمخالفة اليهود والمجوس وأحكام قص الشارب

يرد الشيخ على شبهة أن أمر إعفاء اللحية كان لمخالفة اليهود والمجوس فقط، مبيناً أن العبرة بمتابعة الحق سواء وافقهم أو خالفهم، وأن غالبهم لا يزالون يحلقون لحاهم. ثم يذكر جواز قص الشارب بنفسه أو بالاستعانة بغيره، ويختم ببيان استحباب حلق العانة بإجماع المذاهب الأربعة.

حكم حلق العانة (الاستحداد) واختلاف العلماء بين الاستحباب والوجوب

اتفق الأئمة الأربعة وجماهير العلماء على أن حلق شعر العانة سنة مستحبة، بينما ذهب ابن العربي والشوكاني إلى وجوبه مستدلين بأن ترك خصال الفطرة يخرج الإنسان عن صورة الآدميين. وذكر أمثلة لمن أهملوا هذه الخصال فطال شعرهم وأظافرهم بشكل مشوه.

أحكام الاستحداد التفصيلية: الوجوب عند النفور، المدد الزمنية، واختلاف المذاهب

يناقش المقطع وجوب الاستحداد على الزوجين عند النفور، ويرجح الشافعية والحنابلة وجوبه، كما يستعرض خلاف العلماء في توقيت حلق العانة؛ فالحنفية والمالكية يحددونه بأسبوع أو جمعة، بينما الشافعية يرون أنه يرجع للحاجة، مع اتفاق على كراهة أو تحريم تأخيره عن أربعين يوماً استناداً لحديث أنس.

ختم باب الاستحداد والتنبيه على مسائل متبقية

أشار المتحدث إلى أن الحكم المذكور مستحب عند الشافعية وكثير من أهل العلم، ونبه إلى بقاء مسائل يسيرة في باب الاستحداد سيكملها لاحقاً، ثم ختم بالصلاة والسلام على النبي ﷺ.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذه المنظومة «صفوة الزبد»، ونحن في قص الشارب وما يتعلق به. من أهم المسائل والتنبيه الذي أريد ذكره هو ما يقوله بعض الناس في هذا الزمان: إن أحاديث الأمر باللحية ونحوها إنما أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم لأجل مخالفة اليهود، ولأجل مخالفة المجوس؛ فقد كانوا في ذلك الزمان يحلقون لحاهم. وأما في زماننا هذا فقد أعفى اليهود لحاهم وكذلك غيرهم، فتعين أن نأمر الناس بحلق اللحى. هكذا يقول بعض الناس. وهذا الكلام لا يصدر من أهل العلم، هذا الكلام ليس بكلام من شموا رائحة العلوم وفهموا شيئا من معاني كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأمر بطلان هذا الكلام ظاهر من وجوه كثيرة لمن تأملها. هذا الكلام استغربت سماعه من مثل عبد الله بن يوسف الجديع، وكان طالب علم له كتابات أشاد بها أهل العلم، ثم هاجر إلى بريطانيا فحصلت الغرائب والعجائب، منها هذه المسألة: ألف مجلداً الانتصار لهذه القضية وهو في حلق اللحى، وألف كتاباً آخر في الغناء وجوازه، في أمور غرائبة وعجائبة عند أهل العلم تخالف ما كان عليه سابقاً. فنسأل الله أن يهديه ويرده إلى الحق مرداً جميلاً. والقصد أن هذه الأحاديث فيها أن حال اليهود وأهل الكتاب، وحال المجوس، كان إعفاء الشارب وحلق اللحى، فجاء الأمر الشرعي بالتميز عنهم، والالتزام بما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم من قص الشارب وترك اللحى، وعدم الأخذ منها إلا في مسألتين سيأتي الكلام عليهما. فهذا الأصل هو الذي يوافق الشريعة: فإذا وافق اليهود والنصارى الحق أخذنا بالحق، وإذا خالفوا الحق أخذنا بالحق وأظهرناه وأظهرنا مخالفتهم له، فكنا في الحالين معظمين للحق فعلاً وتركاً. ولهذا قد يوجد عند مبطل من الناس شيء من الحق، فالواجب أخذه. هذا جواب إجمالي يفهم به تأصيل هذه المسألة. ثم يقال أيضاً: كم الذين أعفوا لحاهم من اليهود وغيرهم؟ وكم الذين يحلقونها؟ النسبة لازالت على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه؛ فأكثر اليهود اليوم لا يعفون لحاهم، وأكثر المجوس اليوم كذلك يحلقون لحاهم. هذا الحال الموجود، وقد يوجد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود من كان يعفي لحيته، وقد يوجد في المجوس كذلك من كان يعفي لحيته، لكن الأمر بالغالب وليس بالقليل ولا بالنادر. الأمر بالغالب: ما هي العادة؟ العادة كذا، وهذه موجودة إلى اليوم. فنسأل الله العافية والسلامة من إثارة مثل هذه الشبهات. عند سماع هذه الأحاديث: «خالفوا اليهود، خالفوا المجوس»، أي: خالفوهم فيما خالفوا فيه الحق، وأظهروا الحق. هذا معناها، وليس معناها أن تترك الحق لأجل فعل يهودي لذلك الحق. هذا لا يفهمه حتى من كان في عقله شيء. يختم باب قص الشارب بمسألة مهمة ذكرها الإمام النووي في المجموع، وهي: جواز أن الإنسان مخير في قص الشارب بين قصه بنفسه، وبين أن يستعين بغيره. فالسنة تحصل بذلك كله: سواء قص شاربه بنفسه، أو ذهب إلى من يقص له شاربه. فالأمر في ذلك جائز: سواء قصه بنفسه حصلت السنة، أو قص له أيضاً تحصل بذلك السنة، ولا حرج في الأمرين، لا حرج في الأمرين. قال رحمه الله تعالى: «وَيَنْتُفُ إِبْطَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ وَالْعَانَةَ يَحْلِقُ». هذه مسألة مهمة وهي حلق العانة، وهي التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: «والاستحداد، الاستحداد، الاستحداد» من الآلة الحادة، والمعنى: إزالة العانة، إزالة شعر العانة. هذا معنى الحلق. «والعانة تحلق» أي: أزل شعرها. وإزالة شعر العانة مستحب عند المذاهب الأربعة: عند الحنفية، وعند المالكية، وعند الشافعية، وعند الحنابلة. وعند جماهير العلماء أن حلق شعر العانة مستحب، وسنة من السنن، سنة من السنن. إذن مذاهب الأئمة الأربعة في حلق العانة أنها سنة من السنن، هذا عند مذاهب الأربعة جميعاً، وعند جماهير العلماء. وذهب الإمام ابن العربي إلى وجوب حلق العانة، واختاره من المتأخرين العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى. ابن العربي له كلام في هذه المسألة وفي غيرها من نظائرها، يقول ابن العربي: «والذي عندي، والذي عندي أن الخصال الخمسة...» ما هي الخصال الخمسة عندك يا أستاذ أحمد؟ تقليم الأظافر، وقص الشارب، ونتف الإبط، والختان، والاستحداد وهو قص حلق شعر العانة، حلق شعر العانة. ابن العربي: نحن من أول الكلام نقول يرى الوجوب، الوجوب في جميع الخصال الخمس كلها، يراها واجبة. ما العلة؟ يقول ابن العربي: «والذي عندي أن الخصال الخمسة المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرأة لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين؟». هل سمعتم بواحد في بعض دول شرق آسيا لم يقلم أظافره؟ ممكن أدري عشرين سنة أو أكثر، صارت أظافره طويلة طويلة، لكن عدوها بالأمتار، بالأمتار. نسأل الله العافية والسلامة. واحد ثاني ما قص شاربه، يقولوا يعلقون عليه ما أدري أمتار وكذا، ويلف الشارب وكذا، مثل ما شاء يحتاج له عجلة يلف فيها الشارب. يعني هل هذا ابن آدم؟ هذا السؤال يعني: أبن قال: هل هذا مسلم؟ هل هذا ابن آدم؟ لو أنه ترك حلق شعر الرأس، ترك حلق شعر الشارب منذ أن يخلقه الله إلى أن يموت، كيف يصير شكله؟ يعني يقول ابن العربي: «والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرأة لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين؟». وهذا كلام له حظ من النظر، لا سيما في من يترك هذه الخصال، لا يحلق شعر عانته منذ أن يبلغ إلى أن يموت، سبحان الله! أو يترك شعر رأسه كيف يصير، ويترك شعر كذا إبطه كيف يصير؟ يعني سبحان الله، هذا موجود اليوم عند بعض الناس يتفاخرون به، فتجد أظافره ويقولون أمتاراً. كيف يأكل مثل هذا؟ كيف يشرب مثل هذا؟ كيف يعيش مثل هذا؟ يعني لا شك أنه يحتاج أن يحرك أصابعه والأظافر هكذا مثل أعواد الشجر الكبيرة، مثل العروق. ماذا هذا؟ سبحان الله! كيف يأكل؟ كيف يشرب؟ كيف لو أراد أن يعطف أصابعه كيف يسوي؟ أنا أستغرب والله كيف لو يريد يقول كذا كيف يسوي؟ مشاء له سبحان الله، أصاب الله العافية. فلا شك يعني هذا له وجه، فذهب ابن العربي إلى أن حلق العانة واجب، أن تركها يخرج الإنسان عن صورة ابن آدم. لا سيما بعض الناس تجد يقولون بعض الناس أنه غزير الشعر، بعض الناس قليل الشعر، هكذا معروف في خلقة الناس. في ناس سبحان الله خاصة في بعض بعض النواحي، لعله للأجواء أو لغيرها، يعني يكونون مشعرين بقوة، شعر فيهم بشكل سبحان الله، ربما يعني سبحان الله. والله نسيت أن أذكر مسألة: إذا ظهر للمرأة شارب، كان مفروض تذكر المسألة. إذا ظهر للمرأة شارب، لعلنا نذكرها أحسن في باب اللحية، وحرموا وخطاب اللحية، الكلام على اللحية والأخذ من جوانبي عنفقة ولحية وحاجبي. قد يوجد هذا في بعض الشاهد أنه سبحان الله حتى النساء عندهم يكون بعضهن فيه لحية، فيه شعر، فيه سبحان الله. فهؤلاء لو أهملوا كيف يكون الحال؟ فابن العربي يذهب للوجوب في جميع الخصال الخمس، ويستدل بمثل هذا، يستدل بمثل هذا. الشوكاني يذهب لهذا، والذي عليه العمل هو مذهب الأئمة الأربعة: أن الاستحداد أو حلق العانة أمر مستحب. الإمام الشافعي أيضاً له كلام في الأم في مجلد الخامس الصفحة ثمانية، قال: «وله يعني الزوجة أن يجبرها يعني الزوجة الذمية على النظافة بالاستحداد». هذه مسألة: هل للزوج أن يجبر زوجته على حلق العانة إذا كانت ذمية لا تحلق عانتها تكره؟ الإمام الشافعي في الأم قال: «وله يعني الزوجة أن يجبرها يعني الزوجة الذمية على النظافة بالاستحداد». يقال كذلك العكس: لو أن مسلمة أمرت زوجها أن يستحد فعليه الاستحداد، عليه الاستحداد. هذه المسألة فيها قولان مشهوران عند الشافعية، يقول النووي: «أصحهم الوجوب»، يعني يجب على المرأة أن تستحد لزوجها، يجب عليه خاصة إذا فحش. قال رحمه الله: «أصحهم الوجوب». وهذا إذا لم يفحش بحيث ينفر التواق، ينفر التواق. التواق هو الرغبة في المرأة، الرغبة في المرأة في نكاحها، هذا هو التواق، لا تتوق نفسه. هذا الراجح عند الشافعية الوجوب، وهذا قول في مذهب الحنابلة، أي جزم به ابن قدامة، جزم به ابن قدامة رحمه الله. قال ابن قدامة في المغني: «وله إجبارها على إزالة شعر العانة إذا خرج عن العادة، رواية واحدة، ذكرها القاضي». هذا قول الحنابلة، هذا قول الحنابلة، ليس قولا في الحنابلة، هذا قول الحنابلة، هذا مذهبهم؛ لأن ابن قدامة يقول: «رواية واحدة»، أي ليس في المسألة عندهم خلاف. وهذا أيضاً الصحيح عند الشافعية، وهذا هو الموافق لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فيجب على الزوج أن يعاشر المرأة بالمعروف، ومن ذلك حسن التبعل وحسن التنظف من الطرفين. فإذا كان هذا يوجب نفرة أحدهما صار متعينا على الأصح، صار متعينا على الأصح. أيضاً من المسائل في قوله رحمه الله: «والعانة تحلق»: متى تحلق العانة؟ فيه نفس الخلاف السابق في تقليم الأظافر ونحوها وإزالة الشعور. فيها قولان لأهل العلم: منهم من يرى أن قص العانة أو أن حلق العانة مستحب في كل جمعة أو في كل أسبوع. منهم من يرى أن حلق العانة مستحب في كل جمعة أو في كل أسبوع مرة. هذا مذهب الحنفية، تقدم الكلام على ذلك، وهذا مذهب المالكية، تقدم الكلام على هذا، وهو رواية عن الإمام أحمد. أما الشافعية فيرون أنه لا وقت محدد، أنه لا وقت محدد لحلق العانة، بل يرجع ذلك إلى الحاجة. فإن احتاج إلى حلق عانته حلقها، هذا يرجع إلى الحاجة. وابن عبد البر يقول: هذا قول أكثر العلماء، أن الأمر أن حلق العانة مرتبط بالحاجة إلى حلقه. سيأتي الكلام على حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه: «فإن ترك الاستحداد وحلق العانة لأكثر من أربعين يوماً». في حديث أنس تقدم الكلام، وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظافر وحلق العانة: أربعون ليلة، وقت أربعون ليلة، أربعون ليلة. المجاوزة: تقدم أن فيها خلافاً بين أهل العلم إذا جاوز الأربعين. فيها قولان للفقهاء: مذهب الشافعية وهو المشهور عند الحنابلة أن هذا مكروه كراهة شديدة. وذهب الحنفية إلى أنه يحرم إهمال العانة إلى ما بعد الأربعين. ذهب الحنفية إلى تحريم إهمال حلق العانة إلى ما بعد الأربعين، واختاره الشوكاني في النيل. قال الشوكاني: «والمختار أنه يضبط بالأربعين التي ضبط بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز تجاوزها» أي بدون أن يحلق عانته، لعموم حديث أنس رضي الله عنه: «وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة هذه الأربع ألا نترك أكثر من أربعين ليلة». رواه مسلم في صحيحه. وأما في باب التزين كما قلنا سابقاً على قصد التزين ليوم الجمعة، فينبغي حلقها في كل أسبوع، يستحب مثلا استحب كما يقول الشافعية، نص على ذلك الشافعي أن هذا مستحب. يحمل هذا على أنه من باب التزين في يوم الجمعة، ويقل أظافره وينتف إبطه ويغتسل ويتنظف ونحو هذا في يوم الجمعة. هذا مستحب عند الشافعية وعند كثير من أهل العلم، رحمهم الله وغفر لهم. لازمنا في هذه المسائل المهمة في هذا الباب، باب الاستحداد، بقيت معنا مسائل يسيرة ونكمل إن شاء الله. فنقف عند هذا الموضع. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.