الدرس في شرح كتاب التوحيد 77، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح الشيخ محمد بن عبد الوهاب آية ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ مبيناً أن زعم استحقاق النعم بعد البلاء ينافي التوحيد والأدب مع الرب. ويستدل بقصة قارون وحديث الثلاثة من بني إسرائيل لبيان خطر نسبة الفضل إلى النفس.
يسرد المقطع قصة الأبرص والأقرع والأعمى الذين ابتلوا ثم مُنحوا الصحة والمال، فجحد الأولان النعمة ونسباها لغير الله بينما شكر الثالث فاستحق الرضا. ثم يفسر قوله تعالى ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ بأنها في المشركين لا في الأنبياء، وينبه على معنى الإجماع في اصطلاح العلماء.
يؤكد النص إجماع العلماء على تحريم التسمية بـ "عبد" لغير الله لكونه شركاً في الربوبية والإلهية، مستثنياً "عبد المطلب" لنسبته التاريخية لا التعبدية. ويروي قصة آدم وحواء حيث سميا ابنهما "عبد الحارث" طاعة لإبليس، مبيناً أن هذا شرك أكبر وأن تأويله بمعصية أصغر قول مرجوح.
يبيّن المتحدث أن مجرد الاعتقاد بربوبية الله دون إفراده بالعبادة يُعد في أدنى أحواله شركاً أصغر. ويشير إلى أن المقطع جزء من درس يتناول أقسام الشرك ويجيب عن استفسارات الحضور.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وأجزل له الأجر والمثوبة. قال رحمه الله: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي ﴾. هذا باب آخر، باب آخر عظيم من الأبواب التي تناهي الأدب مع جناب الرب. هذا باب آخر من الأبواب العظيمة التي تناهي الأدب مع جناب الرب جل جلاله، وهو زعم الإنسان استحقاقه ما حصل له من النعم بعد الضراء، وهو زعم الإنسان استحقاقه ما حصل له من النعم بعد ما أصابه من الضراء. هذا ينافي كمال التوحيد، هذا ينافي كمال التوحيد. فمن الناس من إذا آتاه الله خيرا وعافية وغنى من بعد بلاء وشدة وفقر، ظن أن ذلك إنما أوتيه لاستحقاقه ذلك، وينسى فضل الله عليه ورحمته به ونعمته عليه. هذا كبر نعمة، هذا من كبر النعمة؛ لأنه لم ينسب النعمة إلى الله وحده، بل نسيه ونسبها إلى استحقاقه وأهليته ومكانته ومنزلته، ومعرفته بوجوه الكسب وحذقه وذكائه وشطارته كما يقولون، وينسى أن ذلك الفضل إنما ناله من الله سبحانه، لا من كده ولا من ذكائه ولا من حذقه ولا من شطارته ولا من فضله ولا من رفيع منزلته، إنما هو فضل محض من الله سبحانه. قال سبحانه: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾، أي: لا من سواه كائنا من كان. وقال سبحانه: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾. وقال سبحانه: ﴿ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلِذُيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ﴾. هكذا قال الله في هؤلاء، هذا ينافي الأدب، فالواجب سناد النعمة إلى الله وحده لا شريك له. قال مجاهد: «هذا بعمري وأنا محقوق به»، لا يقولن: هذا لي. قال مجاهد: «هذا بعمري وأنا محقوق به». فقال ابن عباس: يريد من عندي، أي: لمزيد ذكائي وحذقي ومهارتي في اكتساب الرزق. وهكذا، وينسى أن ذلك بفضل الله سبحانه. وهذا موجود لكثير من الناس، يخرج في الصباح الباكر، وكما قيل: جيوبه مصفرة تصفق فيها الرياح، فيفتح الله عليه ببيع أو شراء، فيقول: والله هذا من ذكائي، شوف كيف سويت وسويت كذا، وبعت هذا ثم نزلت هذا ثم بعته بكذا، وما جاء الظهر إلا ومعي عشرون ألفا. لا يقولن: هذا لي. هذا منتشر عند كثير من الناس. هذا من فضل الله عليك. وهذه الطيور تخرج من بكورها صباحا جائعة، ثم ترجع وقد امتلأت بطونها، أبذكائها أم بحرصها أم بحزقها، وهي مخلوقات ضعيفة؟ إنما الرزق من الله سبحانه: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾. وقوله: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾، هذا في قول قارون. قال الله: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ﴾. وآتاه الله قوة وأكثر جمعا، ﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾. فخسفنا به وبداره الأرض، وما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين. وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون: ﴿ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾. قال الله: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. مجرد إرادة العلو في الأرض، لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، مجرد الإرادة للفساد أو الإرادة للعلو، هؤلاء الذين يرفعهم الله سبحانه. قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني أهل، أني له أهل. وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرب، أي: منزل. قالوا: عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى». الأبرص: معروف، الذي به مرض جلدي، البرص، علاجه متعسر جدا. والأقرع: معروف، مرض يصيب شعر الرأس، ربما يذهبه وربما أذهب أكثره. والأعمى: الذي فقد النظر بعينين، معروف. قال: «إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم». هذه من سنن الله سبحانه الكونية، البلاء. هذا من سنن الله سبحانه الكونية، قد يبتلي الله الإنسان بالضراء ليمتحنه، كما تقدم معنا في باب سابق، وقد يبتليه بالنعماء. قال سبحانه: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾. وقال سبحانه: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾. قال: فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، أي: على صورة بشر، والملائكة تتصور بما يشرع الله لها، بما يشرع الله لها. قال: فأتَى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، ويذهب عني الذي يقذرني الناس به، أي: كرهوا مخالطتي ونفروا عني بسببه، وإذا رأوني تقذوا برؤيتي. قال: فمسحه، فذهب عنه قدره. قال: فأعطي لون حسن وجلد حسن. قال: فأي المال يحب إليك؟ قال: الإبل، أو البقر، شك إسحاق. قال: علها الإبل. قال: فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها. وهذا من حسن الدعاء، هذا دعاء عظيم، هذا الدعاء عظيم: «بارك الله»، يدعو له بالبركة. ومن حسن الدعاء، من حسن الدعاء: دعاء بالبركة، «بارك الله لك»، «بارك الله فيك»، وهكذا. ومن قال شيخ الإسلام: المتلمس، قال بعض السلف: إذا قال لك أحد: بارك الله فيك، فقل: وفيك بارك الله، هذا أدب السلف. قال: وقال: بارك الله فيك، وقال: بارك الله لك فيها، أي: جعلها مباركة. قال: فأتَى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي يقذر، الذي يقذر للناس به. والبرء متعسر كما تقدم في الأبرص، وفي الأقرع، وفي الأعمى، البرء متعسر، فهذا من كرامة الله لهؤلاء. قال: فمسحه، فذهب عنه، ويعطي شعرا حسنا. فقال: أي المال يحب إليك؟ وهذا فيه جمع للنعم، فأعطي صحة وما يرغب فيه من جمال وحسن، ويعطي مالا، فاجتمع له نعمة البدن ونعمة المال، اجتمعت له نعمة البدن ونعمة المال، فهما نعمتان عظيمتان. قال: فمسحه، فذهب عنه، ويعطي شعرا حسنا. فقال: أي المال يحب إليك؟ قال: البقر، أو الإبل. فأعطي بقرة حاملة. قال: بارك الله لك فيها. قال: فأتَى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري. وهذا كما هو معلوم، تعسر جدا. قال: فأبصر به، فأبصر به الناس. فمسحه، فرد الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ وهذا من تمام النعمة، نعمة الصحة والعافية، ونعمة المال والغنى. قال: الغنم. فأعطي شاة والدة، أي: حاملة. قال: فأنتج هذا، يعني: توالدت إبل هذا، وبقر هذا، وولد هذا، أي: من الشياه والغنم. قال: فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص، أي: بعد مدة، في صورته وهيئته، هذا حتى يمتحنه ويرحمه، ويتذكر ما كان عليه من الحال السابق. قال: ثم أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت به الحبال في سفري، يعني: السفر، لا مال عندي ولا ناقة ولا شيء، وأنا غريب. قال: فلا بلاغ لي، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك. أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري، أتبلغ من البلاغ، يعني: أستكفي به من الكفاية. قال: الحقوق كثيرة. وهذا كاذب في كلامه، إنما أراد أن يصرف المسكين عن بابه، زعم أن الزوجات تطالبه وهو مقصر معهن، وأن الأولاد يطالبون وهو في غاية التقصير معهم، وأن كذا وكذا من الناس يطالبون، فلا يستطيع أن يعطي هذا المسكين بعيرا يصل به في سفره إلى بلده. فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعلمك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرا؟ وهذا استفهام مكان وتوبيخ. فأعطاك الله عز وجل المال. فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، أي: أننا أهل غنى في بيتنا، أبا عن جد، عن أب عن جد، فنحن عائلة غنى معروفون بذلك. وهذا هو الشاهد، هذا جحد نعمة الله، هذا جحد نعمة الله عليه، مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا. قال: فقال: إن كنت كاذبا فصر إلى ما كنت. وأتَى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، فانقطعت به الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك. أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فرد الله علي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، أي: لا أشق عليك في شيء تطلبه لوجه الله تعالى، لا أشق عليه ولا أرد عليك شيئا أخذته في يديك. في صحيح البخاري: «فوالله لا أحمدك»، فوالله لا أحمدك، أي: لا أطلب حمدك. وهذا المعنى في رواية في صحيح البخاري: «فوالله لا أحمدك»، أي: لا أطلب حمدك. وهذا من صفة المخلصين، قد ما شئت بلا شكر ولا ذكر ولا ثناء ولا طلب لمدحة، كما قال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾. قال: ﴿ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾ الآيات. قال: فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم. وهذه من سنة لله سبحانه، يبتلي العباد سواء بنعمة أو بنقمة، بخير أو بشر، ليبتلي المسلم بقدر دينه. قال: فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك. أخرجه البخاري ومسلم. وهذه قصة عجيبة، فيها فوائد، هذه قصة عجيبة فيها كثير من العبر والفوائد لمن تأملها، والشاهد منها للباب: وجوب شكر نعمة الله تعالى، وأن لا يضيفها الإنسان إلى كده أو سعيه أو علمه بوجوه المكاسب أو فضله عند الله أو حقه على الله، بل هذا محض إحسان من الله تعالى، لا منة لأحد على الله، ولا حق لأحد عند الله، فهذا فضل محض إحسان منه تعالى، هذا الذي يجب على المسلم أن يسلكه. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب: قول الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ﴾ الآية. وهذا الباب تتمة للباب قبله، هذا الباب كتتمة، هذا الباب كتتمة للباب قبله. فإن من الناس من ينسب النعمة لكده، ومنهم من ينسبها لكسبه، ومنهم من ينسبها لذكائه، ومنهم من ينسبها لحظه ومنزلته وحقه، ومنهم من ينسبها لغير الله تعالى من الأوثان والأنداد. هذا الشائل، هذا صنف آخر من ناكري النعم، جاحدي النعم، صنف آخر يؤتيهم الله سبحانه النعم فيجعلون لله فيها شركاء. هذا شرك والعياذ بالله، وهذا من سوء الأدب، ينعم الرب ثم يشكر العبد، هذا من سوء الأدب. وهذا شرك أصغر كما سيأتي بيانه، وقد يرتقي للأكبر. هذا شرك أصغر كما سيأتي بيانه، وقد يرتقي للأكبر. قال: بابه، قال: بابه: قول الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا ﴾. والمراد بقوله: ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا ﴾، أي: بعض أبناء آدم المشركين. ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا ﴾ يعني: بعض أبناء آدم وحواء المشركين. الآية في بعض بني آدم وحواء المشركين، على الصحيح المعتمد في تفسير الآية، ولا يلتفت إلى غيره. ثم ذكره بعض أهل العلم رحمة الله عليهم، لا يلتفت إلى غير هذا. ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا ﴾، هذه في بعض بني آدم وحواء، ممن عاهد الله، فقال: لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين. قال الله: ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ الآيات. وغلط من زعم أن الآية في آدم وحواء، غلط من زعم أن الآية في آدم وحواء، بل الآية في بعض بنيهم، فإن آدم وحواء معصومان عن الشرك، فإن آدم والأنبياء والرسل معصومون عن الشرك بإجماع أهل العلم، كل الأنبياء والرسل معصومون عن الشرك بإجماع أهل العلم، فلا يستقيم هذا في حق نبي من أنبياء الله، كريم على الله سبحانه وتعالى، لا يستقيم هذا. ثم في إسنادها نظر، فإنه لا يثبت ما يدل على تفسير الآية بأنها بآدم وحواء، حتى قال ابن حزم: هذا حديث خرافة، إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة،كذا قال أبو محمد رحمه الله، حتى قال ابن حزم: إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة، هكذا قال رحمه الله. وهذه القصة كما سيأتي فيها إنكار من وجود. قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله. اتفقوا، يعني: أجمعوا. وبعض المتأخرين يفرق بين الاتفاق والإجماع، ولا ينبغي الالتفات إلى ذلك، فالعصر في صنيع أهل العلم أن الإجماع هو اتفاق مجتهدي أمة محمد على أمر بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، هذا تعريف الإجماع، فهو اتفاق. ومن ادعى أن الاتفاق إنما هو لمذهب، فقد خالف صنيع المتقدمين، وصنيعه مردود عليه. قال ابن حزم: اتفقوا، يعني: أجمعوا، على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمرو، كعبد عمرة، وعبد الكعبة، ومنه: عبد الحسين، وعبد علي، وعبد الرسول، وعبد النبي، ونحو ذلك من هذه الأسماء. أجمع العلماء على أن هذا التعبيد لغير الله حرام لا يجوز. قال رحمه الله: وما أشبه ذلك، كعبد الحسين، عبد علي، عبد الرسول، عبد النبي، وهكذا، وما أشبه ذلك. حاشى عبد المطلب، هذا مستثنى من عموم الإجماع، هذا مستثنى من عموم الإجماع، هذا مستثنى من عموم الإجماع. والأصل في عبد المطلب أن الإضافة إضافة عبودية الرف، لا إضافة مطلق العبودية. الأصل في إضافة عبد المطلب أنها من إضافة عبودية الرف، لأن هاشمًا من تزوج فيه بعض نساء الأنصار من بني النجار، فأنجبت له شيبة، فكبر عند أخواله، فلما جاء به عمه المطلب، ظن الناس أنه، وكان رديبه، أنه عبد اشتراه، لأن الشمس قد ضربته لطول السفر مع حر تلك البلاد من المدينة إلى مكة. فهذه الإضافة ليست إضافة مطلق العبودية، إنما إضافة عبودية الرف. هذا أمر، والأمر الثالث: أن هذه الإضافة هي من باب الإخبار، لا من باب الإنشاء، فهي على سبيل الحكاية، من باب حفظ النسب، هذا على سبيل الحكاية، من باب حفظ النسب، هذا على سبيل الحكاية والإخبار، من باب حفظ النسب. يقال: بنو عبد شمس، يقال: بنو عبد الدار، يقال: بنو عبد المطلب، وهكذا، هذا من باب الإخبار والحكاية. وهكذا لو أن عائلة من العوائل لها جد بعيد يقال له عبد الحسين، فانتسبوا إليه وصاروا ينفون به، آل عبد الحسين، جاز ذلك من باب الإخبار والحكاية، لا من باب الإنشاء. أما أن يسمي الرجل ابنه عبد الحسين، فهذا لا يجوز. لكن الحفاظ على الأنساب والحكاية بالأنساب جائز. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، من باب الحكاية، لا من باب الإنشاء. فالإنشاء الابتدائي محرم، لكن حكاية الشيء جائز. فيقال: بنو عبد شمس، يجوز، لأن هذا ليس بإنشاء، إنما هو إخبار وحكاية. بنو عبد الدار، جائز، ونحو ذلك. وهل يجوز التسمية اليوم بعبد المطلب؟ فيه قولان لأهل العلم. هل يجوز اليوم التسمية بعبد المطلب ابتداء؟ فيه قولان لأهل العلم، وأكثر أهل العلم على المنع من ذلك، باعتبار الإنشاء. هل يجوز اليوم التسمية بعبد المطلب؟ أكثر أهل العلم على المنع من ذلك، وأنه لا يجوز، لأنه يدخل في التعبيد لغير الله، سواء كان غير الله المعبد له المطلب، أو عمرو، أو الكعبة، أو غير ذلك، فالباب واحد. وإنما استثني المطلب لأنه صار نسبا، كما استثني عبد شمس وعبد الدار، لأنها أسماء تحكى ويخبر عنها. ولو سمى رجل اليوم نفسه عبد شمس، قلنا: لا يجوز هذا. ففرق بين الحكاية والإخبار، وبين الابتداء والإنشاء. ومن أهل العلم من يرى جواز عبد المطلب، بناء على قول ابن حزم: حاشى عبد المطلب، وهو اختيار سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن باز رحمه الله. وهذا فيه نظر، التسمية بعبد المطلب ابتداء فيها نظر. الشيخ ابن باز يرى جوازه، وهذا ليس بصحيح، ليس بصحيح. والصواب أن الابتداء بتعبيد غير الله، إن شاء، سواء كان المعبد له المطلب أو غير المطلب، محرم بإجماع العلماء، هذا محرم بإجماع العلماء، لأنه شرك في الربوبية وفي الإلهية، هذا شرك في الربوبية وفي الإلهية. فإن الخلق كلهم ملك لله، عبيده تحت قهره وتصرفه، فلا يجوز أن يعبدوا لغيره. هذا شرك في الربوبية، وهو أيضا شرك في الإلهية، لأن فيه التفات القلب وتعلقه بمن عبد له. وعن ابن عباس في معنى الآية، قال: لما تغشاها آدم، حاملة، هذا من حسن التكنية، كناية عن الوطء. قال: لما تغشاها آدم، حاملة، فأتاهما إبليس، يعني: آدم وحواء، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة. وهذا أيضا من الأمور المستنكرة، «لتطيعاني أو لأجعلن له قرنين، فيخرج من بطنك فيشقه، أو فيشقه». وهذا فيه نكارة، فإن إبليس لو أتاهما فقال لهما: أنا عدوكما الذي أخرجكما، ما استمعا له، أفَيستمع الإنسان إلى عدوه؟ هذا لا يكون. ثم لو اعتقد أن إبليس يقدر على أن يجعل لهذا الجنين قرنين، ثم يفجر بهما بطن حواء، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد في إبليس أنه يصنع ويفعل ما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا. هذا شرك أكبر، هذا لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، أفهذا يقع فيه نبي أو موحد؟ هذا وجه آخر في النكارة. ثم وجه ثالث: قال: ولا أفعلن، ولا أفعلن، يخوفهما، فإن خافا، فهذا خوف سر، هذا وجه آخر من وجوه الشرك. إن خافا من إبليس أن يجعل لهذا الولد في بطن أمه قرنين أو وعل، واعتقد أنه قادر على ذلك، فخافاه، هذا عين خوف السر، وهو خوف عبادة، وهو شرك أكبر. هذا وجه ثالث من وجه النكارة. قال: سمياه عبد الحارث، يعني: إن سمياه عاشر. قال: فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا. ثم حملت، فأتاهما، فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا. ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث. هذا فيه التعبيد لغير الله، وهذا شرك في الربوبية وبالإلهية. قال: فذلك قوله: ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ﴾. رواه ابن أبي حاتم. وهذا كما تقدم، لا يجوز، كما تقدم لا يجوز في حق الأنبياء عليهم السلام، فهذا كذب وحديث خرافة، منكر من وجوه متعددة، بينها أهل العلم رحمه الله. قال: وله بسند صحيح عن قتادة، قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته. يعني: أن هذا الشرك ليس شرك عبادة، إنما هو شرك في الطاعة. قال بعض أئمة الدعوة ومشايخها: فهذا لا يعد شركا أكبر ولا أصغر، إنما هو من نوع الشرك العام، أو كما قال. هكذا قال، وهذا غلط. صواب أن شرك الطاعة أقل أحواله أن يكون شركا أصغر. صواب أن شرك الطاعة أقل أحواله أن يكون شركا أصغر، كما أفتى بذلك المشايخ، وهو المعتمد في الباب، ولا يلتفت إلى سواه. إنما يحملهم على هذا أن يخرجوا آدم عن أن يقع في الشرك، فأرادوا أن يقولوا: إنه وقع في معصية، والمعاصي الصغائر جائزة أن تقع على الأنبياء والرسل في قول جماهير أهل العلم. هكذا يريدون، وهذا لا شك أنه غلط. هذا شرك، أقل أحواله أن يكون شركا أصغر. قال: وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿ إِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا ﴾، قال: أشفقا ألا يكون إنسانا. وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. وهذا باب عظيم، فيه تحريم التسمية لغير الله سبحانه، تحريم التعبيد لغير الله، وأنه شرك في الإلهية والربوبية. فإن كان يعتقد الربوبية لله تعالى، فهذا أقل أحواله أن يكون شركا أصغر. طيب، نحن إن شاء الله تعالى، فإذا كان لكم شيء... ولكن قبل، صلى الله عليه وسلم.