الدرس في شرح كتاب التحف 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع منهج السلف الصالح في إمرار نصوص الصفات على ظاهرها دون تكييف، وتحذيرهم من المبتدعة، ثم يستعرض محنة خلق القرآن في العصر العباسي وموقف الإمام أحمد بن حنبل الثابت في إنكار البدعة وتكفير قائلها، مع رفضه للخروج على الخليفة حرصاً على وحدة المسلمين حتى فرج الله عنه بالمتوكل.
يؤكد المقطع أن أهل السنة هم حماة الدين الذين يثبتون صفات الله كما جاءت بلا تحريف ولا تعطيل، وأن قوتهم تضعف أهل البدع، مع إبراز دورهم في الدعوة إلى التوحيد والعمل الصالح والرحمة بالخلق، والصبر على الأذى والاعتصام بالكتاب والسنة.
يشدد المتحدث على وجوب التمسك بمنهج السلف في إثبات الصفات الإلهية كما جاءت في الكتاب والسنة، وينتقد أهل الكلام لتقديمهم العقل على الوحي وردهم للنصوص الصحيحة بمخالفة أهوائهم، مستشهداً بأقوال أئمة السلف وموصياً بكتاب "القواعد المثلى" لابن عثيمين.
يحث المتحدث علماء الدين وأئمة الإسلام على مواجهة البدع والمحدثات في الدين، ثم يختتم الجلسة معتذراً عن الانصراف لانشغاله وواعداً بالإجابة على الأسئلة لاحقاً، مختتماً بالصلاة على النبي والسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم ومبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، قال الإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله رحمة واسعة: «ولكننا نقتصرها هنا على الكلام في هذه المسألة التي ورد السؤال عنها، وهي مسألة الصفات، وما كان من المتكلمين فيها بغير الحق، المتكلف علم ما لم يأذن الله بأن يعلموه، وبيان أن إمرار أدلة الصفات على ظاهرها هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأن كل من أراد من نزاع المتكلفين وشداد المحدثين والمتأولين أن يظهر ما يخالف المرور على ذلك الظاهر، قاموا عليه وحذروا الناس منه، وبينوا لهم أنه على خلاف ما عليه أهل الإسلام، وسائر المبتدعين في الصفات القائلين بأقوال تخالف ما عليه السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، في خبايا وزوايا لا يتصل بهم إلا مغرور، ولا ينخدع بزخارف أقوالهم إلا مخدوع، وهم مع ذلك على تخوف من أهل الإسلام وترقب لنزول مكروه بهم من حماة الدين من العلماء الهادين». حسبك إلى هنا. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. معه لا يزال المصنف رحمه الله يؤصل لأمرين: الأمر الأول: مسألة الصفات، وكيف كان السلف يقفون من نصوصها، وأنهم يمرونها على ظاهرها ولا يتكلفون ما وراء ذلك. وقد قدمت لكم في اليومين الماضيين أن الذي يمسك عنه السلف هو الخوض في ماذا؟ في الكيفية. الأمر الثاني: موقفهم من من يشذ ويرفع عقيرته بالبدعة، فإنهم يحذرون منه. وثمة أمر ثالث: وهو أنه لا يرتكب إلى هؤلاء المبتدعة إلا المغرورون المخذولون، وسبب غرورهم وخذلانهم يرجع إلى أمرين، إلى واحد من أمرين: إما الجهل بالسنة، وإما الهوى. وأظن أن المصنف رحمه الله يشير بهذا إلى ما عرفه السلف من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الحذر من أهل البدعة، سواء كانت البدعة في الصفات أو في غيرها. قال صلى الله عليه وسلم: «سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم». أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه من حديث أبي هريرة، وأخرجه البغوي الحسين بن مسعود المفسر المعروف في كتابه شرح السنة، وهو حديث صحيح. وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]، فقال: «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم». والنقل عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم بالتحذير من البدع والتحذير من أهل البدع ومفاصلة المبتدعة متواتر، وهذا لأنه متقرر عندهم أن الأصل هو الحذر من البدع وأهلها؛ الحذر من البدع لما تحدثه في الدين من إفساد، والحذر من أهلها لأنهم مدعاة الإفساد في الدين وتغيير دين الله على أهله. وقد فصلت لكم القول شيئاً في ذلك ما بين أمسي وقبله. نعم، قال: «وهم مع ذلك على تخوف من أهل الإسلام وترقب لنزول مكروه بهم من حماة الدين من العلماء الهادين والرؤساء والسلاطين، حتى نجم ناجم المحنة، وبرق بارق الشر من جهة العباسية ومن لهم في الأمر والنهي والإصدار والإيراد أعظم صولة، وذلك في الدولة بسبب قاضيها أحمد بن أبي دؤاد. فعند ذلك أطلع المنكسون في تلك الزوايا رؤوسهم، وانطلق ما كان قد خرس من ألسنتهم، وأعلنوا بمذاهبهم الزائفة وبدعهم المضلة، ودعوا الناس إليها وجادلوا عنها، وناضلوا المخالفين لها، حتى اختلط المعروف بالمنكر، واشتبه على العامة الحق بالباطل، والسنة بالبدعة». ولما كان الله سبحانه... حشاك إلى هنا. بارك الله فيك، يشير الشيخ إلى الفتنة العظيمة والمحنة الجسيمة التي امتحن بها المأمون ابن هارون الرشيد، وجملة من أحفاده من أبنائه وأحفاده، أهل السنة، وأعلوا أهل البدع ورفعوا مقامهم وعظموا شأنهم، وأذلوا أهل السنة وأهانوهم. إخوتي، وتلك المحنة هي فتنة القول بخلق القرآن، وهذه بدأت من المريسي بشر بن غياث المريسي شيخ المعتزلة في زمانه، وأحمد بن أبي دؤاد إما معاون له وإما تلميذ له، وليس كما ذكر الشيخ رحمه الله، فالأمر من قبل. وكان للإمام أحمد رحمه الله حيال فتنة... حيال هذه الفتنة العظيمة موقفان عظيمان لا ينساهما أهل السنة: الموقف الأول: حيال هذه الفتنة وما يجب من القول فيها، فإنه أنكرها وأبان بالدليل بطلانها، وأنها كفر، ودلل على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. الموقف الثاني: موقفه من الخليفة، موقفه من المأمون ومن جاء بعده من أبناء وأحفاد الذين ورثوا هذه المقالة واحتووها وساروا على نهج أبيهم الفاسد الضال عن النهج. فهذه المقالة الكفرية ما حملت الإمام أحمد رحمه الله على الطيش والمجازفة في القول، بل كان يقول: أمير المؤمنين، ويدعو له، ويحرص الناس على أن لا يخرجوا عليه، مع أنه حبس وضرب وأوذي كما أوذي غيره من أئمة السنة في ذلكم الوقت. واليوم التكفير جزافاً بلا هوادة في المجالس الخاصة والعامة، عند أهل الأهواء، في المحافل العامة، في المحاضرات، في الخطب، في الندوات، في المقالات الصحفية وغير ذلك. لماذا؟ هذا هو استحكام الجهل من ناحية، الجهل بالسنة من ناحية، والهوى الذي أشربته قلوب هؤلاء من ناحية أخرى. وهذا يدلنا على أن أهل الإمامة هم هم في الصدع بالسنة والدعوة إليها والمنافحة عنها، وإن كانوا تحت ظلال السيوف، وإن كانوا في ظلمات السجون، وإن كانوا تحت السياط يوجعون ضرباً، لا يخافون في الله لومة لائم، يقولون الحق وإن كان على أنفسهم. هذا الإمام أحمد رحمه الله يأتيه عشرة من الفقهاء يتشكون عنده ما نالهم من ظلم المأمون العباسي، وكيف أنه أذل أهل السنة وأهانهم وشهر بهم تحقيراً، وكيف رفع أهل البدعة وأعلى مقامهم وعظم شأنهم. يقول هؤلاء الفقهاء: يا أبا عبد الله، ألا ترى ما فعل هذا؟ يستشيرونه في الخروج عليه لأنه احتوى الكفر، احتوى مقالة الكفر. فكان ماذا ترون؟ هذه فرصة للإمام أحمد رحمه الله، لو كانت القضية طلب جاه وطلب رئاسة ومنزلة ومنصب، ماذا ترون كان سيقول لهم؟ قال: أمير المؤمنين، أمير المؤمنين، الله الله في دماء المسلمين، اتقوا الله في المسلمين، احقنوا دماء المسلمين. لماذا؟ لأن الإمام أحمد رحمه الله يرى أن هذا الخليفة أوقعته بطانة السوء من الجهمية في شبهة لا يستطيع الخلاص منها. وهذا يدلنا يا طلاب العلم وطالباته على أنه في الأحوال الحالكة المظلمة، النجاة أن يسلك المرء ما عرفه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يدع ما سوى ذلك. فصبر الإمام أحمد رحمه الله ومن معه حتى فرج الله عنهم بالمتوكل العباسي، وهو من أحفاد المأمون أو من أحفاد أبنائه، فرج الله عن أهل السنة، وكانت العاقبة لهم ولله الحمد، وأذل الله أهل البدع. والمقصود أن أهل البدع تقوى شوكتهم حين يضعف أهل السنة، وحين يجدون إلى ولي الأمر سبيلاً لاحتوائه. أما إذا كان أهل السنة حول ولاة أمرهم يسددونهم ويناصحونهم ويذكرونهم ويعاونونهم، فإن أهل البدع يكونون في الزوايا والخبايا. نعم، قال: «ولما كان الله سبحانه قد تكفل بإظهار دينه على الدين كله، وبحفظه عن التحريف والتغيير والتبديل، أوجد من علماء الكتاب والسنة في كل عصر من العصور من يبين للناس دينهم». يشير الشيخ رحمه الله إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وقد تكاثرت الآيات في هذا متضمنة وعد الله سبحانه وتعالى بنصر جنده من المؤمنين الذين ما عرفوا إماماً غير كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]. فاستبشروا خيراً يا أهل السنة. نعم، الباطل له صولة وله طفرة، يستعر أحياناً كما تستعر النار في الهشيم، ثم يخبو بإذن الله تعالى وينطمر وينطمر أهله، وتصبح العاقبة للسنة وأهلها. وهذا ما يستوجب منا أن نجعل إلى ما نحن عليه من التوحيد والسنة بالحكمة وبالموعظة الحسنة، وأن نبين للناس دين الله الذي ارتضاه لهم، وما رضي للعباد ولا البلاد ديناً سواه، ألا وهو الإسلام. والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، والبراء من الشرك وأهله. هكذا، عليكم الصبر والمصابرة والاجتهاد في تحصيل العلم النافع والعمل الصالح، والله سبحانه وتعالى غالب على أمره. يجب علينا أن نحرص، أن نحرص على هداية الناس، هداية الدلالة والإرشاد، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. فإذا عجزنا وغلبنا الأمر، تسلينا بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]. نعم، قال: «أوجد من علماء الكتاب والسنة في كل عصر من العصور من يبين للناس دينهم، وينكر على أهل البدع بدعهم، فكان لهم ولله الحمد المقامات المحمودة والمواقف المشهودة في نصر الدين وأذى المبتدعين». وبهذا الكلام القليل الذي ذكرنا، تعرف أن مذهب السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها من دون تحريف، لا ولا تأويل متعسف لشيء منها، ولا تجسيم ولا تشبيه ولا تعطيل يفضي إليه كثير من التأويل. وهم إذا سأل سائل عن شيء من الصفات، تلوا عليه الدليل وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله كذا، ولا ندري بما سوى ذلك، ولا نتكلف، ولا نتكلم بما لم نعلمه، ولا أذن الله لنا بمجاوزته. ها هنا أمران: الأمر الأول: خلاصة ما قرره وبيناه لكم، بارك الله فيكم، ورزقنا ورزقكم علماً وفقهاً في دينه، وجعل ذلك لنا ولكم نوراً في الدنيا والآخرة. وهذا المؤكد أن أهل السنة هم الذين ينقذ الله بهم الناس ويهديهم إلى ما هو أقوم وأسلم وأنجح في عاجل أمرهم وآجله، وليس في غيرهم هدى أبداً. الأمر الثاني: أعاد الشيخ رحمه الله ما سبق تقريره من أن أهل السنة يمرون آيات الصفات، وأنا أقول: وكذلك أحاديث الصفات، على ظاهرها. وإذا استشكل أحد شيئاً، أعطوه الأدلة، أعطوه الأدلة، وأمسكوا عن الخوض فيما سوى ذلك. وقد قدمنا هذا، بارك الله فيكم. استذكروا قول الإمام مالك رحمه الله: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». نعم، قال: «فإن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر، زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه، ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه إلا بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه، وما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظه التابعون عن الصحابة، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين. وكان في هذه القرون الفاضلة الكلمة في الصفات متحدة، والطريقة لهم جميعاً متفقة، وكان اشتغالهم بما أمرهم الله بالاشتغال به وكلفهم القيام بفرائضه من الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وإنفاق الأموال في أنواع البر، وطلب العلم النافع، وإرشاد الناس إلى الخير على اختلاف أنواعه، والمحافظة على موجبات الفوز بالجنة والنجاة من النار، والمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم بحسب الاستطاعة وبما تبلغ إليه القدرة. ولم يشتغلوا بغير ذلك مما لم يكلفهم الله بعلمه، ولا تعبدهم بالوقوف على حقيقته». أقول: أولاً، يذكرنا الشيخ رحمه الله بما قاله الإمام ابن تيمية رحمه الله: «السنة مقرونة بالاجتماع، والبدعة مقرونة بالفرقة والاختلاف». والحاذق البصير يلمس هذا على مر العصور، بدءاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم. تجد السنة توافق السنة هنا، وفي السعودية، وفي جميع أقطار العالم التي فيها مسلمون. وأهل البدع، وإن كانوا متحدين متوافقين متعاونين على حرب أهل السنة، لكنهم مختلفون فيما بينهم، مختلفون فيما بينهم. الأمر الثاني: أن أهل السنة هم دعاة الناس إلى كل خير، إلى كل ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وكل ما تجتمع عليه الكلمة من محبة الله سبحانه وتعالى ومراضاته. فانظروا: يدعون إلى الإيمان بالله، إلى إقام الصلاة، إلى الحج، إلى بر الوالدين، إلى صلة الرحم، إلى إكرام الجار، إكرام الضيف، حسن الجوار، حفظ الأمانة، صدق الوعد. هذه الأمور، وإن شاركهم بعض الطوائف فيها أو في بعضها، لكن أهل السنة لهم الحظ الأوفر. وهذا تنبيه إلى أن أهل السنة هم أعرف الناس بالحق، هم أعرف الناس بالحق، كما أنهم أرحم، أرحم الناس بالخلق. انظروا: دعوة إلى الحق عندهم، الدعوة إلى الحق، وعندهم كذلك الرحمة بالخلق. فهم يدعون الناس إلى مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً». أساس دعوتهم توحيد الله الخالص، ثم فرائض الدين العملية، وسائر الطاعات من واجبات ومندوبات. كما أنه من أساس دعوتهم النهي عن الشرك بالله عز وجل، والنهي عن جميع المعاصي والمحدثات في دين الله. ومع هذا، فإن هذا الأساس لا يشغلهم عما فيه اجتماع الخلق على الحق والعدل والإنصاف. فهم يدعون حتى إلى الرفق بالمملوك، يدعون إليه، يدعون إلى شعب الإيمان التي أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. فالسنة يا طلاب العلم وطالبات العلم، هنا ومن المستمعين والمستمعات من المسلمين، السنة دعوة إلى ما يصلح الحال والمآل. نعم، قال: «فكان الدين إذاك صافياً عن كدر البدع، خالصاً عن شوب قدر التمذهب». فعلى هذا النمط كان الصحابة رضي الله عنهم والتابعون وتابعوهم، وبهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتدوا، وبأفعاله وأقواله اهتدوا. فمن قال إنهم تلبسوا بشيء من هذه المذاهب الناشئة في الصفات أو غيرها، فقد أعظم عليهم الفرية، وليس بمقبول في ذلك. فمن قال إنهم تلبسوا بشيء من هذه المذاهب الناشئة في الصفات أو غيرها، فقد أعظم عليهم الفرية، وليس بمقبول في ذلك. فإن أقوال أئمة المطلعين على أحوالهم، العارفين بها، الآخذين عن طرق الأثبات، ترد عليه وتدفع في وجهه. يعلم ذلك كل من له علم، ويعرفه كل عارف. فاجتهد بذلك على هذا، واعلم أن مذهب خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ودع عنك ما حدث من تلك التمذهبات في الصفات، وأرح نفسك من تلك العبارات التي جاء بها المتكلمون واصطلحوا عليها، وجعلوها أصلاً يرد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ينبهنا الشيخ رحمه الله بأمرين: الأمر الأول: أن أهل السنة لا يرضون المنكر، سواء كان المنكر بدعة أو معصية من المعاصي، بل حتى صغائر الذنوب لا يرضونها ولا يقرونها. الأمر الثاني: لا يزال الشيخ رحمه الله، قبل أن يضرب أمثلة، يقرر ما قرره العمدة قبلها، من أن الصلاح والفلاح والنجاح هو التمسك بهدي السلف الصالح، والسير على ما ساروا عليه، والسير على ما ساروا عليه. وأظن ذكرت لكم في الدروس، أو قبل الدروس في المحاضرة، لا أدري، قول الإمام مالك رحمه الله عن شيخه وهب بن كيسان رحمه الله، قال: والقائل الإمام مالك: «كان وهب، كان وهب، كان وهب بن كيسان يجلس إلينا ولا يقوم حتى يقول: اعلموا أنه لن يصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلح أوله». قال أصبغ بن الفرج لمالك: ماذا يريد؟ قال: يريد بادئ الدين، أو التقوى. وحديث عمران بن حصين، وحديث عبد الله بن مسعود، الذي... الحديث التي جاءت بالشهادة بالخيرية للثلاث القرون المفضلة، هي شاهد على هذا، شاهد على هذه المقولة. ويشهد لها كذلك أحاديث أخر، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها». الحديث. نعم، قال: «أن يرد كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وافقاها فقد وافقا الأصول المتقررة في زعمهم، وإن خالفاها فقد خالفا الأصول المتقررة في زعمهم، ويجعلون الموافقة لها من قسم المقبول والمحكم، والمخالف لها من قسم المردود والمتشابه». وأقول: لا يزال محكّمة العقل والمؤتمنون به، يعني الذين جعلوا العقل متبوعاً، على هذا فهم يزنون النصوص بميزان العقل عندهم. فما وافق العقل قبلوه، وما خالفه قالوا: هذا على خلاف الأصل، هذا على خلاف الأصل، هذا وإن كان قطعي الثبوت فهو ظني الدلالة، وهكذا. وقد قرر الترابي السوداني الهالك هذا، حينما تكلم في أحاديث نزول المسيح ابن مريم صلى الله عليه وسلم، قال: «أنا لا أنكرها لسندها، لكن أنكرها لأنها تخالف العقل». عجيب. ومن قبل، قال الغزالي في حديث ضرب موسى صلى الله عليه وسلم ملك الموت، ففقأ عينه، قال: «هذا ما هو حديث، هذا حطه تحت رجلك». عجيب. هكذا العقل إذا صار إماماً، أضل عن الهدى، وقاد إلى الردى. ترد آية التنزيل الكريم، المحكمات البينات، وترد سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة، من أجل أن يكون العقل قائداً ورائداً. أما أهل السنة فليس كذلك، أهل السنة معولهم على النصوص، لعلمهم أن النصوص معصومة، النصوص معصومة، وأما أقوال البشر فليست بمعصومة. نعم، قال: «ولو جئت بألف آية واضحة الدلالة ظاهرة المعنى، أو ألف حديث مما ثبت في الصحيح، لم يبالوا به، ولا رفعوا إليه رؤوسهم، ولا عدوه شيئاً. ومن كان منكراً لهذا، فعليه بكتب هذه الطوائف المصنفة في علم الكلام، فإنه سيقف على الحقيقة، ويسلم هذه الجملة، ولا يتردد فيها». وهكذا شهدت على نفسها أبداً. من نازعكم في قول أن طائفة لم تقله، فاحتجوا عليه من كتب تلك الطائفة. طوائف الظلام، كل طائفة ضالة، يرجع إلى كتبها، فإنها حجة على من ينكر، من ينكر هذا. أهل السنة ولله الحمد أهل عدل، يقولون ما لهم وما عليهم. أهل الضلال، أهل الهوى، أهل الحيف والجور، يأخذون ما لهم، ويدعون ما عليهم. فلو جئت تحاج فرداً ينتمي لطائفة ضالة بما نقله أهل السنة، لا يصدق أبداً. لكن حينما تأتيه بأقوال القوم من كتبهم، هنا يبهت. نعم، قال: «ومن العجب العجيب والنبأ الغريب، أن تلك العبارات الصادرة عن جماعة من أهل الكلام، التي جعلها من بعدهم أصولاً، لا مستند لها إلا مجرد الدعوى على العقل، والفرية على الفقرة. وكل فرد من أفرادها قد تنازعت فيه عقولهم، وتخالفت عنده إدراكاتهم. فهذا يقول: حكم العقل في هذا الكلام كذا، وهذا يقول: حكم العقل في هذا الكلام كذا. ثم يأتي بعدهم من يجعل ذلك الذي يعقله، من يقلده ويقتدي به، أصلاً يرجع إليه، ومعياراً لكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، يقبل منهما ما وافقه، ويرد ما خالفه. فيا لله وللمسلمين، ويا لعلماء الدين، من هذه الفواقر الموحشة التي لم يصب الإسلام وأهله بمثلها. وأغرب من هذا وأعجب وأشنع وأفضع، أنهم بعد أن جعلوا هذه التعقلات التي تعقلوها، على اختلافهم فيها، وتناقضهم أو تناقصهم في معقولاتها، أصولاً ترد إليها أدلة الكتاب والسنة، جعلوها معياراً للصفات الرب تعالى. فما تعقله... فما تعقله هذه... فما تعقله تعقله... فما تعقله هذا من صفات الله قال به جزماً، وما تعقله خصمه منها قطع به، فأثبت... قطع به فأثبت لله تعالى الشيء ونقيضه، استدلالاً بما حكمت به عقولهم الفاسدة، وتناقضت في شأنه، ولم يرتقبوا إلى ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. بل إن وجدوا ذلك موافقاً لما تعقله، جعلوه مؤيداً، مؤيداً له ومقوياً، وقالوا: قد ورد دليل السمع مطابقاً لدليل العقل. وإن وجدوه مخالفاً لما تعقله، جعلوه وارداً على خلاف الأصل، ومتشابهاً، وغير معقول المعنى، ولا ظاهر الدلالة». أقول هنا أمراً: الأمر الأول: أهل الهوى والبدع، سواء في صفات الرب جل وعلا، أو في غيرها من الأصول التي خالفوا فيها أهل السنة، وإن كانوا متفقين على أن العقل هو الميزان عندهم، يرد ما خالفه من النصوص، فهم مختلفون فيما بينهم، مختلفون فيما بينهم. وعلى سبيل المثال: تخاصمت المعتزلة والأشاعرة، فقالت المعتزلة: أنتم لماذا تقرون سبعاً من الصفات؟ كيف تقرون سبعاً تخالفوننا في هذا؟ فإن كانت عقولكم صائبة، فهل عقولنا خاطئة؟ تبيحون لأنفسكم ما تحرمونه علينا. وأنا أوصي طلاب العلم وطالباته إلى أن يراجعوا في هذه المسائل، مسائل الصفات، الكتاب النفيس الذي لا أعلم أنه ألف مثله في هذا العصر، وهو كتاب «القواعد المثلى» للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله، فهو في الحقيقة خلاصة، خلاصة لما قرره الأئمة في هذا الباب. هذا... هذا هو الخلاصة التي ندركها من مذهب هؤلاء، أنهم يتطاحنون فيما بينهم، يتطاحنون فيما بينهم. ثم خلص المصنف رحمه الله إلى أنه... إلى أنه دعا علماء الدين، أئمة الإسلام، إلى أن يقفوا في وجه ما يفد إليهم من البدع والمحدثات في دين الله عز وجل. وفق الله الجميع لما فيه مرضاته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وأستميحكم عذراً، الآن لدي شغل يشغلني، ونجيب على أسئلتكم إن شاء الله في أوقات لاحقة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.