كلمة الشيخ الفاضل أبو عبدالله محمد باجعالة

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل أبو عبدالله محمد باجعالة، والتي كانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية يوم الجمعة 5 شوال 1443هـ الموافق 6 مايو 2022م ألقاها منوع

مجالس أهل السنة والجماعة وطبيعة الدنيا دار كبد

تتميز مجالس أهل السنة والجماعة بصفاء الظاهر والباطن وحملها للنصح والعلم النافع والتوحيد الخالص، بخلاف اجتماعات أهل البدع. وتعد الدنيا دار كبد ومشقة يسعى فيها الناس جميعاً وراء السعادة لكن تختلف مشاربهم وطرائقهم في تحصيلها.

مفهوم السعادة الحقيقية في الإسلام مقابل التصورات الدنيوية

يظن كثير من الناس أن السعادة في المال أو المناصب أو الشهوات، غير أن هذه سعادة قاصرة قد تعقبها الهموم والآلام. أما السعادة الحقيقية في الإسلام فهي النجاة من النار ودخول الجنة، وطاعة الله ورسوله، مع جواز التمتع بأسباب دنيوية مشروعة كالزوجة الصالحة والبيت الواسع.

السعادة الحقيقية في الإيمان والطاعة وذكر الله

السعادة الحقيقية ليست في المال أو المناصب بل في نعيم الطاعة ولذة العبادة والإيمان بالقضاء والقدر، وذكر الله يجلب الطمأنينة والفرح للقلب. والراحة الكاملة والسلام الدائم إنما يتحققان في الجنة لا في دار الدنيا الفانية.

شكر المنظمين والدعاء بالتوفيق والختام

يتقدم المتحدث بالشكر لإخوانه القائمين على الاجتماع وعلى رأسهم الأخ أبا حذيفة، داعياً الله أن يوفقهم ويسدد خطاهم. ويختتم المجلس بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً على ما أنعم به علينا من نعم كثيرة وآلاء عظيمة لا نستطيع لها حصراً، فنسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أيها الأحبة في الله، إنه لمن دواعي السرور، ومما يجلب البهجة إلى القلوب، هذه اللقاءات المباركة وهذه الاجتماعات الطيبة التي هي عبارة عن نصائح وتوجهات وكلمات وإرشادات. لا يظن ظان حين يسمع أن لأهل السنة والجماعة اجتماعات أنها كاجتماعات الجماعات البدعية الحزبية التي يتخللها من السريات والمؤامرات وغيرها ما يتخللها. دعوة أهل السنة والجماعة ظاهرها كباطنها، لا تحمل إلا الخير للناس، تحمل النصيحة، وتحمل كذلك العلم النافع، تحمل الإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحمل علماً نافعاً وعملاً صالحاً، تحمل معتقداً صحيحاً وتوحيداً خالصاً واتباعاً صادقاً، وغيرها من المعاني الجميلة والمقاصد الطيبة والنوايا الحسنة التي عُرف بها أهل السنة والجماعة على مر تاريخهم، من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلى يومنا هذا، وإلى أن يريث الله الأرض ومن عليها. ومن سعادة المسلم، وهكذا سعادة الحدث والمبتدئ، أن يوفق لاتباع أهل السنة، وأن يكون مع أهل السنة من أول وهلة، فإنه ينشأ على خير عظيم. أيها الأحبة في الله، الدنيا كما لا يخفى على الجميع مليئة بالمتاعب، ومليئة بالهموم والأحزان، وما يكدر على الإنسان صفوه وراحته، كما قال ربنا عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، أي في مكابدة. وهذه المكابدة تأتي عليه منذ أول اللحظات التي يعيشها في هذه الدنيا، فحين أن يقطع الحبل السري يكابد ويعاني، وهكذا غيرها من صور هذه المكابدة. ولأجل هذا، الكل يسعى سعياً حثيثاً إلى أن ينال أمراً عظيماً، هذا الأمر يقال له: السعادة. الكل يريد أن يعيش سعيداً، يبحث عنها الكبير والصغير، والرجال والنساء، والغني والفقير، الكل يبحث عن السعادة، لكن مشاربهم اختلفت وطرائقهم تعددت في البحث عنها وتحصيلها. فمن الناس من يظن أن السعادة في جمع الأموال وامتلاك العقار، ومنهم من يظنها في الشهوات والملذات ولو كانت محرمة، ومنهم من يظنها في الشهادات العالية والرتب الرفيعة والمناصب العظيمة، وهكذا وهكذا، ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11]. لكن، أيها الأحبة في الله، هذه التي ذكر بعضها قد يكون فيها شيء من معنى السعادة، لكنها سعادة قاصرة وسعادة محدودة، بل كثير منها لربما يعقبها الهموم والأحزان والآلام، كما في قوله عز وجل: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 55]. لاحظ كيف أن أشياء كانوا يشعرون معها بالراحة ويظنون أن فيها السعادة كانت سبباً لعذابهم وسبباً لوقوعهم في غضب الله تبارك وتعالى. أيها الأحبة في الله، السعادة الحقيقية هي في قول الله عز وجل: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. السعادة الحقيقية هي في قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71]. السعادة الحقيقية في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: 73]. السعادة الحقيقية يوم أن ينادى: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون من باب خاص قد أعد لهم، ألا وهو باب الريان، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد غيرهم. السعادة قد تكون في أمور من أمور الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سعد رضي الله تعالى عنه عند ابن حبان وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أربع من السعادة: الزوجة الصالحة، والبيت الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاوة: الزوجة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والبيت الضيق». هذه تعتبر من السعادة التي قد يشعر بها الإنسان في هذه الدنيا. أيها الأحبة في الله، وقد تكلم العلماء في بيان أسباب أو الأسباب التي تجلب السعادة، فذكروا أن من أهمها ومن أعظمها الإيمان بالله عز وجل والعمل الصالح، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الحياة الطيبة هي الحياة السعيدة، الحياة الطيبة هي الحياة السعيدة. انظر كيف يجد المؤمن لذة الطاعة ونعيم العبادة، نعيم العبادة. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». ما هذه الجنة يا إخوان التي يعيشها المؤمنون في هذه الدنيا؟ ليست جنة الأموال، ولا جنة الشهوات المحرمة، وإنما هي نعيم الطاعة ولذة العبادة التي يجدها أهل الإيمان. وقد ذكر بعض السلف رحمهم الله: «إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه، لكان ذلك عيشاً طيباً». يعني: أهل الجنة لو لم يكن من نعيمهم إلا ما نعيشه نحن اليوم من النعيم ومن الراحة، لكان ذلك عيشاً طيباً. وفق الله عز وجل له أهل الجنة. أيها الأحبة في الله، جاء عن الحسن البصري، وهكذا يروى عن غيره من أهل العلم، أنهم يقولون: «لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، أي من الراحة ومن النعيم ومن اللذة، لجالدوا عليه بالسيوف». لكن لا يعلمون ذلك يا إخوان، يظنون أن السعادة في الكراسي، ومع المناصب والوزارات والرتب، فلهذا تجدهم يتقاتلون عليها، أما المساجد ودور العلم ومجالس الحديث وغيرها، فكثير منهم لربما يعدها من باب الدروشة، ولا يرفع بها رأساً. أيها الأحبة في الله، من أسباب السعادة الإيمان بالقضاء والقدر، فمن آمن بالقضاء والقدر كان ذلك سبباً لانشراح صدره ونعيم عيشه وطيب عيشه، ولو كان ذلك المقدر من المكرهات، فهو يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويعلم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» الحديث. وكذلك ما يتعلق بذكر الله عز وجل، ففيه سر عجيب في انشراح الصدور وتزكية النفوس وطمأنينة القلوب، بل فيه سر عجيب في جلب الفرح والسرور وإذهاب الأحزان والغموم والهموم. وصدق الله إذ يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وآخراً، أيها الأحبة في الله، فمما يجعل العبد يشعر بالسعادة أن يعلم أن السعادة الحقيقية ليست في الدنيا، فالدنيا هي دار المصائب ودار الهموم، لكن السعادة الحقيقية هي التي تكون في الجنة، كما قال ربنا عز وجل عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: 34-35]. ولما سئل الإمام أحمد رحمه الله: «متى الراحة؟» يعني: هذا يسأل عنه الكثير اليوم، تعبنا من الغلاء، وتعبنا من الوباء، وتعبنا من الحروب والأزمات، متى نرتاح؟ قيل: متى الراحة يا إمام؟ فقال: «عند أول قدم نضعها في الجنة». أسأل المولى عز وجل أن يجعلني وإياكم جميعاً من أهل الجنة، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى منها، وأن يجعلنا من السعداء في الدنيا وهكذا في الآخرة. وأشكر إخواني القائمين على هذا الاجتماع، وفي مقدمتهم أخانا الموفق الحبيب أبا حذيفة حفظه الله تعالى، ومن معه، فنسأل الله عز وجل أن يكتب لهم التوفيق والسداد والرشاد، وأن يجزيهم خير الجزاء على هذه الجهود المباركة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.