المحاضرة بعنوان الدين مسؤولية الجميع، وكانت بمسجد السنة بقرية تبالة ٢٥ صفر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تؤكد المحاضرة أن الدين مسؤولية مشتركة على كل مسلم ذكراً أو أنثى، مستندة إلى آيات قرآنية وحديث «بلغوا عني ولو آية»، وتستعرض تضحيات الصحابة رضوان الله عليهم في الهجرة والجهاد بالبدن والمال، ومشاركة النساء والفتيان، وإنفاق عثمان وأبي بكر رضي الله عنهما، كنموذج عملي لتحمل هذه المسؤولية ونصر الدين.
يبين المقطع أن تحمل مسؤولية الدين واجب على كل مسلم بحسب قدرته، مستشهداً بتضحية أبي بكر بماله، ومفصلاً أدوار العلماء وأصحاب المال والعامة والنساء والمعلمين في الدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع التأكيد على مراتب الإنكار (يد، لسان، قلب) ووجوب المحاسبة الذاتية على التقصير.
يشدد المتحدث على وجوب بذل العلم وتعليمه للناس كزكاة للعلم وسبب لزيادته، محذراً من البخل به أو تعليم ما يخالف الكتاب والسنة وفهم السلف، ومبيناً أن إقامة الدين تتطلب ضوابط شرعية دقيقة، فلا بد أن تكون وسائل العلم والدعوة والجهاد موافقة للشرع لا ابتكارات ولا بدع.
يؤكد المقطع على وجوب تبليغ العلم المستمد من القرآن والسنة فقط، ويستعرض فضل تعلم آية في المسجد على اكتساب النوق الثمينة استدلالاً بحديث «بلغوا عني ولو آية»، كما يحذر من الدعوات المنحرفة التي تتستر بالكتاب والسنة بينما تهدف لأغراض ضالة، مشيراً إلى الشيعة الروافض كمثال على ذلك.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، أيها الآباء والأبناء والإخوان، قد سمعتم عنوان هذه المحاضرة، وأنها بعنوان: "الدين مسؤولية الجميع". والمراد بالدين ما منَّ الله عز وجل به علينا من دين الإسلام. فهذا الدين أنزله ربنا عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشرفه بذلك، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾. فقد جاء في التفسير أن المراد بقوله ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن الذي هو أصل الإسلام، وقوله ﴿ذِكْرٌ لَكَ﴾ أي: شرف لك، شرفك الله عز وجل وشرف قومك بهذا القرآن الذي فيه الهداية للناس أجمعين، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عن هذا القرآن وعن هذا الإسلام. وقولنا: "مسؤولية الجميع"، أي: أن هذا الدين ليس حكرًا، وليس وقفًا على طائفة دون أخرى، أو على أفراد دون آخرين، بل كل مسلم فإنه مسؤول عن هذا الدين: الذكر والأنثى، الشاب والشيخ، الغني والفقير، العالم والعامي، كل مسلم فهو يتحمل شيئًا من مسؤولية هذا الدين. ولذلك أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. أليس المسلم متبعًا؟ أليس المسلم متبعًا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وداعيًا إلى ما دعا إليه عليه الصلاة والسلام؟ فهذا ربنا عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، أي: وكذلك من اتبعني فهو يدعو إلى الله على بصيرة. ففيه هذا المعنى، ألا وهو: تحمل هذا الدين، وكذلك السعي في إظهاره، وفي نصرته، وفي القيام به. وكذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾. ففي هذه الآية ذكر الله عز وجل أن كل مؤمن يوالي إخوانه المؤمنين، وكل مؤمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو تحمل مسؤولية الدين. إن الدين، عباد الله، هو أمر بمعروف أو نهي عن منكر. فهذا الذي أمر الله عز وجل به المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. وهذا جاء في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية». ما قال: ليبلغ هذا الدين من حفظه، أو من كان عالمًا بجميع هذا الدين، وإنما: من علم ولو مسألة واحدة من هذا الدين فعليه أن يبلغها، فعليه أن يبلغها، وأن ينشرها، وأن يسعى في نشرها بين المسلمين: «بلغوا عني ولو آية». أيها المسلمون، عباد الله، إن العمل لهذا الدين يحتاج إلى تضحية، يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى تضحية في الوقت، يحتاج إلى تضحية في المال، يحتاج إلى تضحية في الجسد، يحتاج إلى تضحية ربما في النفس التي بين جنبيك. وهذا تجده ظاهرًا جليًا في سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كيف تحملوا هذه المسؤولية فقاموا بها حق قيام، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم أن يبلغوا هذا الدين إلى مشارق الأرض ومغاربها. ففي حجة الوداع، وفي ذلكم الجمع الغفير، يقول عليه الصلاة والسلام: «هل بلغت؟» فيقولون: نعم يا رسول الله، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فليبلغ الشاهد الغائب». هذا هو نبي عليه الصلاة والسلام، ما توفاه ربه إلا وقد بلغ البلاغ المبين، ما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذر الأمة منه، فتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلوات ربي وسلامه عليه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك أصحابه قاموا بهذا الدين في حياته ومعه عليه الصلاة والسلام، وبعد مماته تحملوا هذا الدين، فأفنوا أعمارهم في خدمة دين الله عز وجل: في الجهاد في سبيل الله، في نشر العلم والدين، في كذلك إبلاغ هذا الدين إلى مشارق الأرض ومغاربها. الكبير منهم والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، بل والحر والعبد، بل كذلك ما هو أدنى من ذلك. فكل ذلك يدل، أيها المسلمون، أن كل مسلم مطلوب منه أن يعمل لهذا الدين. نذكر نماذج مما جاء في سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تدلنا دلالة واضحة على تحملهم لهذه المسؤولية العظيمة، مسؤولية الدين. فمن ذلك: ما قام به الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الجهاد في سبيل الله، ومن الهجرة من بلادهم، ومن أحب البلاد إليهم. هاجروا وتركوا أغلى ما يملكون من هذه الدنيا، تركوا أموالهم بما تعنيه هذه الكلمة: من البيوت، ومن كذلك التجارات، ومن الأموال، ومن الإبل، ومن البقر، ومن الغنم. تركوا جميع أموالهم في سبيل الله، نعم، حتى ينالوا فضل الهجرة، وحتى ينصروا دين الله سبحانه وتعالى. فقد أثنى ربنا عليهم بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. خرجوا نصرة لدين الله وتحملًا لهذه المسؤولية العظيمة. هاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة، وهاجروا الهجرة الثانية إلى الحبشة، وتحملوا من الأذى ما تحملوا في سبيل هذا الدين، في سبيل هذا الدين. وكذلك الأنصار نصروا دين الله عز وجل وتحملوا هذه المسؤولية العظيمة، ألا وهي مسؤولية دين الله عز وجل، فبايعوا النبي عليه الصلاة والسلام بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية، بيعة عهد وميثاق أن ينصروه وأن يمنعوه مما يمنعون منه أموالهم وأولادهم ونساءهم. فهاجر إليهم فقاموا بهذا العهد والميثاق حق قيام، رضوان الله عليهم. وكذلك لما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام تحملوا أعباء هذه الدعوة، فجاهدوا في سبيل الله، قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله سبحانه وتعالى تحملًا لهذه المسؤولية العظيمة. نعم، خاضوا معركة بدر ولم يعدوا لها، وكان عددهم قليلاً وعدد عدوهم كثيرًا، فنصرهم الله سبحانه وتعالى. وهكذا غزوة أحد، وهكذا غزوة الخندق، وغيرها من الغزوات، كل ذلك في سبيل الله سبحانه وتعالى. نعم، صبروا على الجوع، صبروا على قلة ذات اليد. جاء في صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو يصف لنا ما كان عليه الصحابة من الجوع وشدة البرد والخوف، لما تكالب عليهم المشركون ومن حالفهم من قبائل العرب، فجمعوا لهم الجموع الغفيرة، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بعد مشورة بحفر الخندق، خندق عظيم، حتى لا يستطيع هؤلاء الأعداء أن يصلوا إلى المدينة. فبينما هم يحفرون والنبي عليه الصلاة والسلام عاصب لبطنه من شدة الجوع، تعترض لهم حجرة كبيرة، فيأتي النبي عليه الصلاة والسلام وهو عاصب لبطنه عليه الصلاة والسلام، فيرى جابر هذا الموقف، فيذهب إلى زوجته سهيلة بنت مسعود الأنصارية رضي الله تعالى عنها، فيقول لها: هل معك طعام؟ فقد رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في حال لا يصبر عليه، شق عليه هذا، شق عليه هذا المنظر وهذا الموقف. فقالت له: عندنا شعير وعناق، عناق صغير، معز صغير. فقال لها رضي الله تعالى عنه: قومي، وعجني شعيرك، وذبح العناق، ووضعته في البرمة، ثم ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: عندي طعام يكفي الثلاثة أو نحو ذلك. فقال: وما عندك؟ قال له: عندي كذا وكذا. فدعا النبي عليه الصلاة والسلام الأنصار والمهاجرين. انظروا إلى تعاونهم، انظروا إلى تحملهم لهذه المسؤولية العظيمة. تحمل المسؤولية لا يكون بالعلم فقط، ولا يكون بالتبليغ فقط، ذاك بالحفر، وذاك بإعداد الطعام، وذاك بماله، وذاك بجهده وجسده، وذاك بمشورته. الإسلام يحتاج إلى كل فرد أن يعمل له وأن يشارك في نصرة هذا الدين. فلما دعا النبي عليه الصلاة والسلام الأنصار والمهاجرين، عدد كبير، ماذا سيقع ذلكم الطعام القليل في هؤلاء؟ فذهب جابر رضي الله عنه إلى زوجته وأخبرها الخبر، قال لها: النبي عليه الصلاة والسلام دعا القوم جميعًا. فقالت له وأخبرته ما عندنا. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تفتح البرمة حتى آتيك». فأتى النبي عليه الصلاة والسلام وفتح البرمة، وأخذ شيئًا من ذلكم الخبز، فكان يطعم الصحابة حتى شبعوا جميعًا، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. نعم، بارك الله عز وجل في هذا الطعام القليل، فكفى الجمع الكثير. وأشاهد من هذا الحديث: انظروا كيف عانى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في جوع شديد، في برد شديد، فذاك يتعاون بماله بطعامه، بل حتى زوجته شاركت في هذا الأمر، فطبخت وجهزت ذلكم الطعام. نعم، لتعلم أخي المسلم أن تحمل مسؤولية الدين لا يقتصر على الرجال فحسب، لا يقتصر على الرجال فحسب، بل حتى على النساء. ولا يخفاكم قصة الهجرة، لما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يهاجر إلى المدينة، واختار أبا بكر رفيقًا، فلما جاء الموعد وجاء النبي عليه الصلاة والسلام في الظهيرة، كل أفراد عائلة أبي بكر الصديق كانوا عونًا لتحمل هذه المسؤولية، فجهزوا الراحلتين. نعم، فأسماء تجهز الراحلة، أسماء بنت أبي بكر تحملت هذا الدين، جهزت راحلتين: أبيها ونبيها محمد عليه الصلاة والسلام، حتى ما وجدت ما تربط به ما على الراحلة، فشقت نطاقها، فسميت بذات النطاقين، سميت بذات، أو لقبت بذات النطاقين. ضحت بشيء من لباسها، رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وكذلك عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، كان يذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وإلى أبي بكر وهما في غار ثور، مكثا ثلاثة أيام، وهو يذهب خفية ليلًا، فيأتي لهم بخبر القوم، ويأتي لهم بما يحتاجونهم من الطعام. فانظروا إلى مدى تعاونهم، وإلى مدى عملهم لنصرة دين الله سبحانه وتعالى. وكذلك لا يقتصر العمل لهذا الدين على الكبار فحسب، بل حتى على الفتيان، حتى على الفتيان، كما جاء في صحيح البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، أنه قال: بينما كنت في الصف في غزوة بدر، التفت ذات اليمين، والتفت ذات اليسار، فإذا فتيان شابان، فأسر إلي أحدهما: يا عم، أين أبو جهل؟ فقال له: ماذا تريد منه؟ قال: أريد أن أقتله، لا يفارق سواده سوادي. ثم غمزه الآخر وقال له: يا عم، أين أبو جهل؟ فانطلقا كالسهم حتى ضرباه ضربة رجل واحد، فألقيا صريعًا، يعني أبا جهل، وهما ابن عفراء، وهما ابن عفراء. فانظروا إلى تحمس الصغار لنصرة دين الله سبحانه وتعالى، لما يسمعون من عداوة أبي جهل للإسلام والمسلمين، فأرادا أن يتشرفا بقتله فقتلاه، وهذا أمر قل ما تجده في من كان في سنهما. وكذلك عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يريد أن يجاهد في سبيل الله، فعرض نفسه في غزوة أحد، فرده النبي عليه الصلاة والسلام لأنه كان يبلغ من العمر أربعة عشر سنة، وإنما الجهاد على من بلغ، وهذا السن دون البلوغ، فرده النبي عليه الصلاة والسلام. ثم لما كان في السنة التي تليها كانت غزوة الخندق، فعرض نفسه، فأجازه النبي عليه الصلاة والسلام. فتيان، شباب، صغار، ينصرون دين الله ويتحملون هذه المسؤولية العظيمة، مسؤولية تبليغ أو نصرة دين الله سبحانه وتعالى. وكم سنحكي من هذه المواقف، ومن هذه كذلك القصص التي جاءت في سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا في الجهاد في سبيل الله. وأما تحمل المسؤولية في الإنفاق فحدث ولا حرج. فذاك يجهز جيشًا كاملًا، جيشًا كاملًا يجهزه من ماله الخاص، من حر ماله، وهو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، كما جهز جيش العسرة، وحفر بئر رومة، لأن المسلمين كانوا في أمس الحاجة إليه، ووسع المسجد النبوي، وغير ذلك من الأعمال العظيمة التي بها معنى تحمل دين الله سبحانه وتعالى. وكذلك أبو بكر الصديق يضحي بماله كله من أجل دين الله سبحانه وتعالى، كما جاء عند أبي داود وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام حث ذات مرة على الصدقة، حث المسلمين على الصدقة، وهذا ليس من التسول كما يفهمه البعض، وإنما هذا من الدلالة على طرق الخير، ومن كذلك الحث على سد حاجات المسلمين. فحث النبي عليه الصلاة والسلام ذات مرة على الصدقة، فوافق هذا الحث ما لم يكن لعمر بن الخطاب، فقال: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يومًا، طالما أن عندي مال، اليوم سأتصدق، فرصة. فذهب وأتى بنصف ماله، وأتى به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ماذا تركت لأهلك؟» قال: تركت لهم شطرًا، يعني النصف. ثم أتى أبو بكر بجميع ماله، بجميع ماله، وأتى به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ماذا تركت لأهلك؟» قال: تركت لهم الله ورسوله، تركت لهم الله ورسوله. انظروا إلى قوة يقين أبي بكر، وقوة توكله على الله سبحانه وتعالى، غاية في النصرة، وغاية في تحمل المسؤولية، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. أين نحن من مثل هذه الأعمال؟ لا أقول لك: تصدق بجميع مالك، ولا بنصف مالك، بل ربما ولا بربع مالك، وإنما بما يتيسر، فيما يحتاجه المسلمون، سواء كان في أمر الجهاد في سبيل الله، أو في أمر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، أو في أمر طلب العلم، أو في غيرها من النوائب والحاجات التي تعترض للمسلمين. فينبغي علينا، أيها المسلمون، أن نتحمل المسؤولية، كل على قدر استطاعته، كل على قدر استطاعته. تحمل هذا الدين، كما تقدم، ليس حكرًا على أناس معينين، ولا وقفًا على طوائف أو طائفة دون أخرى، إنما كل مسلم مطالب أن يعمل لدين الله. صاحب العلم بعلمه، بدعوته، بخطبه، بمحاضراته، بدروسه، بنصحه، بإرشاده، بأمره بالمعروف، بنهيه عن المنكر. وهكذا صاحب المال بماله، في شراء الكتب، في كذلك إعانة الدعاة إلى الله عز وجل، في تجهيز الدعاة للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا في الجهاد في سبيل الله، وفي غير ذلك من النوازل والنوائب التي تنزل بالمسلمين. وهكذا العامي كذلك، لا يقول: أنا عامي، لا أتحمل شيئًا من دين الله. ما تستطيع أن توزع شريطًا؟ ما تستطيع أن تناصر إخوانك الدعاة إلى الله عز وجل بتكثير سوادهم؟ ما تستطيع أن تأخذهم بسيارتك، أو أن تستضيف ضيوفهم في بيتك؟ كل ذلك من نصرة دين الله عز وجل، ومن التعاون على البر والتقوى. وهكذا المرأة، لا تقول: إني امرأة، لا علي شيء، إنما تحمل المسؤولية على الرجال. أبدا، سمعت شيئًا مما كان عليه الصحابيات رضي الله تعالى عنهم؟ فأنت في بيتك مسؤولة عن أولادك، عن تربيتهم، عن توجيههم، عن تعليمهم، هذا من تحمل المسؤولية، هذا من تحمل المسؤولية. بل كذلك الدعوة إلى الله، كم من امرأة جاهلة، ربما ما تستطيع أو ما تجيد قراءة الفاتحة أو حفظ قصار السور، فمن سيحفظها إلا امرأة مثلها؟ فتحمل هذه المسؤولية وتقوم بها. وهكذا في الدعوة إلى الله، وفي غير ذلك مما فيه نصرة وتحمل لشيء من المسؤولية التي ألقيت على عواتق المسلمين. وهكذا المدرس في مدرسته يتحمل مسؤولية هذا الدين بنشر التوحيد بين أبناء المسلمين، بنشر الأخلاق الفاضلة، بالقدوة الصالحة. ربما تكون بأخلاقك الفاضلة داعيًا إلى الله، إذا علم الناس صدقك، وعلموا سكينتك، وعلموا كذلك احترامك، تأثروا بهذه الأخلاق، فكن قدوة صالحة لطلابك، لمجتمعك، فهذا من تحمل المسؤولية. وهكذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن هذه المسؤولية ليست لأناس دون آخرين، بل كل من كان مستطيعًا بأي مرتبة من مراتب الإنكار وجب عليه أن يتحمل مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فالإنكار يكون على قدر، على حسب الاستطاعة. «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده». إن استطعت أن تغير بيدك، فأن تكون ذا ولاية: أب لأولادك، رأيت ولدك ينظر إلى الصور الخليعة، أو يسمع إلى الأغاني الماجنة، تنكر هذا المنكر بيدك، تأخذ منه هذا الجوال أو ذاك المسجل. إذا رأيت ابنتك خالفت في زينتها، فاشترت حجابًا سافرًا ضيقًا، خذ هذا الحجاب، لا تمكنها منه. هذا من التغيير باليد. لا تظن أن التغيير باليد مقصور على الحاكم، أو على الوزير، أو على الأمير. لا، كل من كان مستطيعًا أن يغير بيده فليفعل. الأب عند أولاده وزوجته، المدير في مدرسته، المدير في مؤسسته أو في إدارته، وهكذا الإمام في مسجده، إن رأى منكرًا في المسجد غيره بيده. جاء بعض الناس وعلق صورًا في المسجد، ينزع هذه الصور، لا يتركها. قام إنسان ودعا إلى شرك، أو إلى بدع، أو إلى خطأ يمس بهذا الدين، يغير هذا المنكر بلسانه، وإن استطاع بيده، أبى، نصح المتكلم، أن يمنعه. كل هذا من الاستطاعة في إنكار المنكر باليد. فإن لم تستطع فبلسانك، تنصح وتبين: هذا يجوز، هذا لا يجوز، هذا خطأ، هذا صواب، هذه طاعة، هذه معصية، هذا توحيد، هذا شر. تبلغ دين الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة. فإن لم تستطع لقوة أهل الشر، فتخشى من الضرب، أو من السجن، أو من القتل، أو نحو ذلك، فتغير هذا المنكر بالقلب، فلا تحضر هذه المنكرات، ولا تحبها، ولا ترضى عنها، ولا عن أهلها. فهذا هو مسؤولية كل مسلم. فالدين مسؤولية الجميع. نعم، قد يكون البعض أعظم مسؤولية، أعظم مسؤولية، فمسؤولية العلماء ليست كمسؤولية طالب العلم، أو من هو دونهم من العامة، ومسؤولية طالب العلم ليست كمسؤولية العامة، وهكذا، لكن الكل يتحمل شيئًا من المسؤولية بحسب استطاعته. فهذا الدين مسؤولية الجميع. لا تقل: أنا ما لي دخل، أنا ما يهمني هذا الأمر، أي أمر من دين الله عز وجل. إن كنت مسلمًا حقًا فإنه يهمك، فإنه يهمك. أي منكر فأنت مأمور بإنكاره، كما سمعت: «من رأى منكم منكرًا فليغيره». فأنت عليك التغيير، عليك البيان. وليس معنى ذلك أن تغير المنكر بإزالته وإن لم تستطع ذلك، أو سيحصل من وراء ذلك مفسدة عظمى، لا، وإنما تغير قدر الاستطاعة. وهذا من رحمة الله عز وجل بنا، لم يكلفنا ما لم نستطع، وإنما كلفنا بما نستطيع، بما نستطيع. فهذا الدين مسؤولية الجميع، كل بحسب استطاعته. قد تدعى إلى أن تعلم إخوانك، تقرئ إخوانك القرآن، هذا من تحمل المسؤولية. إذا تخليت أنا، وتخليت أنت، وفلان وفلان، من يعلم المسلمين؟ من يعلم المسلمين؟ من يزيل عنهم الجهل؟ فإذا لا بد أن نتحمل هذه المسؤولية، وأن نقدم لدين الله سبحانه وتعالى. فلقد كان العلماء يتندمون، وهم قد قدموا الشيء الكثير لهذا الدين، ومع هذا يتندمون. الشيخ مقبل مرة رحمه الله، أول ما ظهر فيه الشيب، أخذ شعرة بيضاء، وقال: قد ظهر عليك الشيب يا مقبل، ماذا قدمت للإسلام؟ ماذا قدمت للإسلام؟ وهو قدم شيئًا عظيمًا، ما هذه الدعوة المباركة، دعوة أهل السنة في اليمن، إلا ثمرة من ثمار مركزه المبارك، رحمه الله تعالى، ومع هذا يقول: ماذا قدمت للإسلام؟ فماذا نقول نحن، أيها المسلمون؟ ماذا قدمنا لهذا الدين؟ ماذا قدمنا لهذا الدين؟ ينبغي علينا أن نجتهد، أيها الإخوة، لا سيما من منَّ الله بالعلم، الدعاة إلى الله عز وجل، من منَّ عليه ولو بالقراءة والكتابة، وبالنطق الصحيح للقرآن، أو لبعض أحاديث خير الأنام عليه الصلاة والسلام، أن لا يبخل على إخوانه، أن لا يبخل على إخوانه بالتعليم، وهذا من زكاة العلم، ومما رزقناهم ينفقون. نعم، فمن زكاة العلم، ومن أسباب زيادة العلم، أن تنفقه، وأن تعلم غيرك، وأن لا تبخل به على غيرك. فإذا ينبغي علينا، أيها الإخوة، أن نتحمل هذه المسؤولية، أن ننصر دين الله، وأن نتعاون على القيام بهذا الدين، سواء كان عن طريق المحاضرات، أو الدروس العلمية، أو كذلك الزيارات، أو كذلك التعليم والدعوة إلى الله عز وجل، أو إلى غير ذلك. لا نكون سلبيين، أيها الإخوة، كل واحد: نفسي، نفسي، ولا ينظر إلى مجتمعه، ولا ينظر إلى إخوانه، ماذا يحتاجون؟ ماذا يقدم لهم من خير؟ ماذا يقدم لهم من نفع؟ فينبغي علينا أن نتحمل هذه المسؤولية، وأن نقدم لديننا ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. أكتفي بما ذكرت، وكما سمعتم سيشاركنا في هذه المحاضرة أخونا الفاضل أبو همام عبد الله سعد، حفظه الله، فليتفضل مأجورًا مشكورًا، وجزاكم الله خيرًا. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد سمعنا من أخينا الفاضل أبي معاذ، حفظه الله، أشياء كثيرة في هذا الموضوع، وأيضًا كذلك أتحفنا، جزاه الله خيرًا، بفوائد وبنصوص تؤيد هذا الأمر، وهو دين الله جل وعلا، وأنه كل واحد منا مسؤول عنه، لأن الله عز وجل حملنا إياه، حملنا إياه. ولهذا هذا الدين وهو الأمر والنهي والطاعة، والمراد به بالأمانة كذلك: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. هذه الأمانة العظيمة الذي حملنا الله عز وجل إياها، وحملها الإنسان، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. ولهذا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن مخالفة هذا الدين، أو ترك شيء من هذا الإسلام العظيم، إنما إما أن يكون بظلم أو بجهل. أن ما يخالف الإنسان هذا الدين إلا وهو ظالم أو جاهل، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. وبالعلم والعدل يقام هذا الدين، بالعلم والعدل يقام هذا الدين. فلذلك تجد أن أمور إقامة هذا الدين كثيرة، لأن هذا الدين أنزله الله عز وجل إصلاحًا للبشر، وفيه أيضًا مصالحهم. ولهذا تجد أن الله عز وجل ما أمر بأمر إلا وفيه مصلحة، إما مصلحته خالصة، أو مصلحته غالبة، إما أن تكون خالصة، أو أنها غالبة في هذا الأمر، أي: أكثر المصلحة أكثر من المفسدة. فلذلك كان هذا الدين عظيمًا، فحملنا الله عز وجل هذا الدين العظيم، فيجب أن المسلم الذي اعتنق هذا الدين أن يقوم به، أن يقوم به، كما تقدم معنا. لكن هذا القيام لا بد أن يضبط بضوابط، أنا في كل شيء في هذا الدين تجد أن هناك ضوابط، هذه الضوابط ضوابط شرعية يضبط بها القيام بهذا الأمر العظيم. فمثلا على سبيل المثال: العلم. العلم كثير كبير، لكن المراد بالعلم هو علم الكتاب والسنة، علم الكتاب والسنة، وأيضًا كذلك علم الكتاب والسنة على ما عرفه السلف وفهمه السلف من الكتاب والسنة. فإذا أراد أن يعلم علم العقيدة الصحيحة، قام يعلم الناس عقيدة أهل السنة، العقيدة الصحيحة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يعلم الناس طريقة غير صحيحة في الاعتقاد، يعلقهم بغير الله جل وعلا، يعلق الناس بالأموات، أو بالصالحين، أو بالقبور، أو بغيرها من هذه الأمور التي لا ينبغي للمسلم أن يتعلق بها، بل يتعلق بالله جل وعلا. وكما تعلمون أن نبينا الكريم صلوات الله وسلام عليه كان يعلق الناس بالله جل وعلا، يعلق الناس بالله سبحانه وتعالى، حتى الأطفال الصغار، حتى الأطفال الصغار يعلقهم بالله جل وعلا، لا يعلقهم بغيره. ولهذا تعلمون ما جاء في سنن الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم كان ردفه، فقال له: «يا غلام، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم علق هذا الطفل الصغير، وأعطاه العقيدة الصحيحة، أنه يعلق نفسه بالله جل وعلا، لأنه ما من خير إلا من الله، وما من شر أراد أن يجتنبه إلا وفقه الله عز وجل له، فلذلك أعانه الله عز وجل على الابتعاد عنه. فلذلك حتى في الأمور الدنيوية وهو يسأل الله جل وعلا على ذلك، يتعلق بالله سبحانه وتعالى، ويعلم أنه لا خير إلا من الله، ولا دفع شر إلا من الله جل وعلا. فبهذا يكون هذا التعليم على تعليم صحيح واعتقاد صحيح. وإن شاء الله نكمل بعد الأذان، ننزل الله. قلنا: أن هذه الأمور التي يقام بها دين الله جل وعلا فلها ضوابط شرعية. وكما علمتم أن هناك أشياء كثيرة يستطيع الإنسان أن يبذل بها، بل هناك أشياء واجب عليه أن يبذل فيها حتى يقيم دينه ويقيم هذا الدين العظيم. فببذله وبجهده وبسعيه يكون هذا قيام الدين. ولهذا جاء في حديث تميم بن أوس الداري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة». أي: إقامة هذا الدين بالنصيحة. فجعل أيضًا كذلك تجد أن هناك أبوابًا تدخل في هذا الباب: العلم والتعليم كما قد ذكر، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك النصيحة، وكذلك غيرها من هذه الأمور التي تقيم، والجهاد في سبيل الله، وغيرها من الوسائل والمقاصد التي في شرع الله جل وعلا إنما لإقامة هذا الدين، لإقامة هذا الدين. فهناك معناه: أهل هذا الدين وأهل الإسلام، كل يعمل بقدر ما يستطيع، كما تقدم، بقدر ما يستطيعه وما يبدله، وعلى حسب وسعه. لكن كما قلنا: ليس هذا الأمر بإطلاقه، ليس هذا الأمر على إطلاقه، وإنما يضبط بضوابط. فكما ذكرنا: العلم، يعلم الناس، أولا لا بد أن يكون يعلم الناس ما جاء في الكتاب والسنة من العقائد الصحيحة، وكذلك ألف الحديث الصحيحة، وغيرها مما يكون هو في شرع الله جل وعلا، لا يعلمهم أشياء مشتبهة لم يكن يعرفها السلف، لم يكن يعرفها العلماء، علماء أهل السنة، علماء الدين، وإنما هي مخترعة، اخترعها بعض الناس، فيأتي ويعلم بها الناس، ويعلم بها الصغار، أو يتعلمها كذلك، فإن هذا لا ينبغي، وليس هذا نصرًا لدين الله عز وجل، ولا لإقامة هذا الدين، بل هذا خدش في دين الله جل وعلا. كذلك أيضًا إذا أراد أن يعلم الناس لا بد أن يكون يعلمهم بما يعرف من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم. ولهذا كما تقدم في حديث عبد الله بن عمر، قال النبي صلى الله عليه وعليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية». «بلغوا عني ولو آية». لكن هذه الآية يعرفها الإنسان، ما يبلغ من دين الله عز وجل شيء لا يعرفه، أو أنه شيء يشك فيه: هل هو من الدين أو ليس من الدين، أو هل هو صحيح أو ليس بصحيح؟ فلذلك يبلغ الناس ما يعرفه من دين الله جل وعلا، ولو كان معه آية من كتاب الله جل وعلا يعرف معناها أو يعرف قراءتها، يقرئها غيره، فهذا خير عظيم. كذلك حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم يعلمه غيره، فهذا أيضًا خير عظيم، وهو يعرف هذا الحديث، وإن كان أيضًا يعرف معناه فسره، فهذا أيضًا خير عظيم. لأن الإنسان يجيء لأجل التعلم في مسجد من مساجد أهل السنة، فإن له الأجر العظيم الذي رتبه الله عز وجل، وذكره نبينا صلى الله عليه وعليه وعليه وسلم في أحاديث كثيرة، حتى أنه شبه النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة: «ألا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم آية من كتاب الله، خير له من ناقة...» حديث عقبة بن عامر: شبه أخذ أو تعلم الآيات، جعله أفضل من أن يأخذ الرجل ويتحصل الرجل على ناقة عظيمة، ناقة عظيمة، كان العرب عندهم النوق من أنفس الأموال وأفضل الأموال. فقال النبي صلى الله عليه وعليه وسلم: «ألا يحب أحدكم أن يذهب إلى بطحان أو العقيق فيتعلم، فيتحصل على ناقة لهم، ناقة أو ناقتين، كوما، وين ذهرا، وين من غير إثم ولا قطيعة رحم؟» قالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله، أن يذهب إلى تلك الأودية، إلى بطحان أو العقيق، وهي أودية في المدينة، فيأتي له بناقة أو ناقتين من أعظم النوق وأسمنها، يتحصل عليها باليد. وقالوا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك. قال: «فإذا جاء الرجل إلى المسجد فتعلم له آية من كتاب الله، خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وبمثل عددهن من الإبل». فهذا الخير العظيم أن الإنسان يأتي إلى المسجد ويتعلم العلم الصحيح. لأن الآن كما تعلمون، العلم قد غُش، قد دخله الدخيل، وتجد أن ناسًا يدعون الناس إلى العلم، ويدعون أنهم يدعون الناس من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم أرادوا أمرًا معينًا وقصدًا معينًا. الآن مثل الذي أعرف: هؤلاء الروافض الشيعة، تجد أنهم مثلا في مواقعهم، عبر هذه التي مثلا عبر ما يتواصل به، سواء كان