شرح كتاب الصلاة 32

الدرس في شرح كتاب الصلاة 32، ألقاها

مشروعية الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر

يُباح الجمع بين الصلاتين في السفر الذي تُقصر فيه الصلاة، كما يجوز لمقيم مريض يلحقه مشقة بتركه. ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر.

الأعذار المبيحة للجمع بين الصلاتين وتفاصيلها

ذكر الشيخ الأعذار التي تبيح الجمع بين الصلاتين، مثل المرض والمطر الكثير والوحل الشديد والريح الشديدة الباردة. الجمع يكون بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء لمن كان له عذر شرعي.

تفاصيل أحكام الجمع والقصر في الصلاة

الجمع بين الصلوات جائز بسبب المطر والمشقة، ويشمل الظهر والعصر والمغرب والعشاء. القصر لا يكون إلا في السفر، والجمع في الحضر لمرض أو مطر يكون بدون قصر وتؤدى الصلاة كاملة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- ثانيًا: الجمع بين الصلاتين، وفيه مسائل. قال: مسألة الأولى في مشروعية الجمع بين الصلاتين، ومن يُباح له ذلك. قال: يُباح بالسفر الذي تُقصر فيه الصلاة، الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما. يعني: تجمع مثلاً العصر، فتُصليها في وقت الظهر، أو تُؤخر الظهر فتُصليها في وقت العصر، تجمع بين الصلاتين في وقت إحدى الصلاتين. أو تُصلي العشاء في وقت المغرب، أو تُصلي المغرب في وقت العشاء، هذا معنى الجمع بين الصلاتين. قال: لحديث معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زيغ الشمس -قبل زيغ الشمس يعني قبل الزوال ودخول وقت الظهر- أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، يُصليهما جميعًا. وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار. وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء. والحديث رواه أبو داود والترمذي، وصححه إعلام الألباني رحمه الله. فهذا الحديث يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس -قبل أن تزول- أخر الظهر وصلاها في وقت العصر. وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، قدم العصر فصلاها في وقت الظهر، صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سافر، استمر بسفره. وكذلك يفعل في المغرب والعشاء، يعني: إذا دخل عليه وقت المغرب، صلى المغرب وقدم صلاة العشاء، وصلاها في وقت المغرب. وإذا دخل عليه السير وهو قبل دخول وقت المغرب، أخرها إلى وقت العشاء، وصلاها في وقت العشاء مع صلاة العشاء، وقدم صلاة العشاء. قال: وسواء كان سائرًا أم نازلاً؛ لأنها رخصة، لأنها رخصة من رخص السفر، فلم يعتبر فيها وجود السير كسائر رخصه. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حين بقي في تبوك عشرين يومًا، جمع بين الصلاتين وهو نازل، جمع بين الصلاتين وهو نازل، فيدل هذا على الجواز، يعني: ليس الجمع رخصة في حال السير فقط. أنت الآن تسافر مثلاً من هنا إلى عدن، في أثناء السير، لا شك، لا إشكال أن لك أن تجمع مثلاً بين الصلاتين. إذا نزلت في أثناء السير، نزلت مثلاً ترتاح ليلة، هل لك أن تجمع؟ الجواب: نعم، لك أن تجمع، ما زلت أنك مسافر، ولكنت نازلاً، لك أن تجمع بين الصلاتين. وقلنا: هذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام حين كان في تبوك. قال: إلا أن الأفضل للنازل عدم الجمع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع بمنى، وقد كان نازلاً، لم يجمع عليه الصلاة والسلام بمنى، ولهذا الحاج بمنى يقصر الصلاة ولا يجمع بين الصلوات، مع أنه نازل؛ لأن النفس لم يجمع، فيدل هذا على أن الأفضل، الأفضل -لكن مع جواز الجمع بين الصلاتين- هو نازل. قال: ويباح الجمع لمقيم مريض يلحقه بتركه مشقة؛ لقول ابن عباس: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. وفي رواية: من غير خوف ولا سفر. قال: فلم يبق إلا عذر المرض. والحديث لابن عباس هذا في مسلم. جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، ليس هناك خوف من عدو أو نحو ذلك، ولا مطر، يعني: أمطرت السماء حتى يجمع بين الصلاتين. وفي رواية: من غير خوف ولا سفر، هو مقيم، ليس من مسافر. فهذا يدل على جواز الجمع في حال الإقامة، فليس الجمع من خصائص السفر، ليس الجمع من خصائص السفر، وإن كان المسافر هو أكثر من يحتاج إلى الجمع بين الصلاتين؛ لأجل مشقة السفر. ومع ذلك فيجوز الجمع بين الصلاتين في حال المرض. فلما ذكر: من غير خوف ولا مطر ولا سفر، بقي المرض، بقي المرض، فالمرض عذر يبيح للإنسان أن يجمع بين الصلاتين. قال: ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة بالجمع بين الصلاتين، والاستحاضة نوع من المرض. نعم؛ لما ورد في بعض الأحاديث في ذلك، أمر المستحاضة بالجمع بين الصلاتين، والاغتسال لكل صلاة من هاتين الصلاتين، على أن في بعض هذه الأحاديث كلام. نعم. وقال: ولقد قيل لابن عباس في الحديث الماضي: لما فعل ذلك -يعني جمع من غير خوف ولا سفر ولا مطر- لماذا فعل ذلك؟ قال: لكي لا يحرج أمته، لكي لا يحرج أمته، يعني: لا يوقع في الحرج والمشقة؛ ولأن هذه الشريعة جاءت للتخفيف ورفع المشقة على الناس. قال: فمتى لحق الإنسان مشقة وحرج بترك الجمع، جاز له الجمع، مريضًا كان أو معذورًا بغير المرض. يعني: لو كان هناك عذر غير المرض، جاز له أن يجمع، إذا كان في ذلك مشقة وحرج، جاز له أن يجمع بين الصلاتين. ولا هذا الجمع يعني جمع حقيقي، أو جمع صوري. بعضهم قال: هذا المراد بالجمع هنا في حال المرض الجمع الصوري. كيف جمع صوري؟ قالوا: يؤخر وقت الصلاة الأولى، فيصليها في آخر وقتها، فما ينتهي إلا ويدخل وقت الصلاة الثانية، فيصليها في أول وقتها، فيكون جمع بين الصلاتين. والصحيح: أنه جمع حقيقي، أنه جمع حقيقي، فالمريض له أن يجمع، فيقدم إحدى الصلاتين في وقت الأخرى، كما يفعل المسافر، هذا الذي يرتفع به الحرج، هذا الذي يرتفع به الحرج، يجمع بين الصلاتين، ماذا فيصليهما في وقت إحداهما، في وقت إحداهما. قال: معذورًا بغير المرض، مقيمًا كان مسافرًا، فمن الأعذار التي تبيح الجمع أيضًا غير السفر والمرض، أولاً: المطر الكثير الذي يبل الثياب، ويلحق المكلف بسببه مشقة. نعم، المطر الكثير الذي يبل الثياب، يعني: تبتل به الثياب، إذا خرج من بيت إلى المسجد، ابتلت الثياب، هذه مشقة، كيف سيصلي؟ يدخل المسجد كلهما مبلل، فلأجل هذا جاز له ماذا في مثل هذه الحالة؟ أن يجمع بين الصلاتين. في البخاري: أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة، جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة. قال: ثانيًا: الوحل الشديد، الوحل والطين، وذلك إذا كان يشق على الناس بسببه المشي. بعض المناطق والبلاد تكون كثيرة الطين، فإذا جاء المطر، ولو كان المطر خفيف، وابتلت الأرض، صارت الأرض كثيرة الانزلاق، فيحصل في ذلك خطر على من خرج، يعني: قد ينزلق، فيسقط، ربما ينكسر فيه عظم، أو يحصل له ضرر. ففي مثل هذه الحالة يجوز أن يجمع بين الصلاتين، يعني: مثلاً جاء المطر، وهم في المسجد في صلاة الظهر، وابتلت الأرض، والأرض ماذا؟ شديدة الوحل والطين، فلهم أن يجمعوا في هذه الحال صلاة العصر إلى الظهر. أو حصل في وقت المغرب، فيجمعون العشاء مع المغرب؛ لأنه سيحصل لهم مشقة في الخروج لصلاة العشاء، مع وجود الظلمة، ووجود الوحل والطين، فلذلك يجمعون بين الصلاتين. قال: ثالثًا: الريح الشديدة الباردة التي تخرج عن العادة، يعني: عن الريح المعتاد في البرودة، هذه زائدة، زائدة عن هذا المعتاد، تكون ريح شديدة البرودة، فهنا لهم كذلك أن يجمعوا بين الصلاتين. قال: وغير ذلك من الأعذار التي يلحق بالمكلف مشقة إذا ترك الجمع معها، إذا لم يجمع بين الصلاتين، حصلت لهم مشقة شديدة، فحينئذ يجوز له أن يجمع بين الصلاتين. قال: المسألة الثانية في حد الجمع المشروع. قال: وحد الجمع المشروع هو الجمع بين صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالنسبة للمسافر، ومن في حكمه، ومن في حكمه يعني في حكم المسافر، كالمريض، فيكون الجمع بين هاتين الصلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. وأما الفجر، فلا تجمع الفجر لا تجمع مع شيء من الصلوات، وإنما الجمع فقط بين الظهرين والعشاء: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال: وكذا الجمع في الحضر بسبب المطر، وما في حكمه، يعني: من الوحل والطين، برودة الشديدة، فهناك ذلك يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فيجوز بين العشاءين والظهرين، فيجوز بين العشاءين والظهرين: الظهرين يعني الظهر والعصر، والعشاء: المغرب والعشاء. لكن هذا من باب التغليب، من باب التغليب، يغلب بأحد الإسمين، كالقمرين: الشمس والقمر، والعمرين مثلاً لأبي بكر وعمر، هذا من باب التغليب. وهذا هو الصحيح، كما ذكر أنه يجوز الجمع بين العشاءين والظهرين. بعض أهل العلم رأى الجمع بين الظهر والعصر فقط، كالإمام مالك رحمه الله، يرى جواز الجمع بين الظهر والعصر في المطر، بين الظهر والعصر في المطر. وعند الحنابلة يجيزون الجمع بين المغرب والعشاء في المطر فقط، أما في الظهرين ما يجيزون ذلك. والصحيح والجواز الصحيح والجواز في الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بسبب المطر، وما كان في معناه. قال: لحديث ابن عباس قبل قليل، يعني: حين جمع النبي صلى الله عليه وسلم من غير خوف ولا سفر، والعلة قال هي المشقة، عدم المشقة، ورفع الحرج. نعم، والقاعدة الشرعية: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فإذا وجدت العلة التي رخص فيها لأجل السفر والمطر، وهي وجود الحرج والمشقة، جاز حينئذ وجود هذا الحكم، وهو الترخص بالجمع. قال: لحديث ابن عباس قبل قليل، وقد فعله أبو بكر، عمر، عثمان رضي الله عنهم، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، من خلفاء الراشدين الذين حث النبي عليه الصلاة والسلام بالتمسك بسنتهم، وقد فعلوا ذلك، وجمعوا بين العشاءين والظهرين. قال: ولأن العلة من الجمع بين العشاءين وجود المشقة، وهي في الظهرين أيضًا. نعم، وجود المشقة كما أنها توجد في العشاءين، كذلك توجد في الظهرين، فمشقة خروج الإنسان لصلاة العصر مثلاً إذا جاء المطر في الظهر، تبتل به الثياب، أو تبتل به الأرض، تكون ذات طين ووحل، فيه مشقة عظيمة. نعم، فليجد ذلك يترخص، يترخص ويجمع بين الصلاتين. وهل يشترط في الجمع بين الصلاتين الموالاة؟ هل يشترط في الجمع بين الصلاتين الموالاة؟ يعني: تكون الثانية بعد الأولى مباشرة، يصل للظهر ثم مباشرة يصل للعصر. أو لو أن يؤخر، يعني: يكون مثلاً بين الأولى والثانية فرق وزمن، لكنها في وقت الأولى، لكنها في وقت الأولى. الصحيح: أنه يجوز، أنه لا يشترط الموالاة، لا يشترط الموالاة، هو رواية عن إمام أحمد، وهو قول عند الشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: لأن القول بالموالاة يسد مقصود الرخصة، القول بالموالاة يسد مقصود الرخصة. والسنة جاءت بأوسع من هذا. مثال ذلك: صلى الناس الظهر، وبعد الصلاة والتسبيح صلوا النافلة، ثم بعدها نزل المطر، مطر شديد، والأرض ذات وحل وطين، هل يقال في مثل هذه الحالة: ما يجوز لهم أن يجمعوا العصر إلى الظهر؛ لأنهم قد حصل فاصل وفرق زمن، يعني: فرق بين وقت الظهر إلى العصر، ولم تكن العصر مباشرة بعد الظهر؟ أو نقول: يجوز، ولا تشترط الموالاة؟ يجوز لهم في هذه الحالة أن يقدموا العصر ويجمعوها مع الظهر، الجواب هو الثاني: أنه يجوز أن يجمعوا العصر، فيقدموها ويصلوها في وقت الظهر؛ لأن في تأخيرها مشقة عليهم، ولا تشترط الموالاة في الجمع، فيجوز لهم في مثل هذه الحالة أن يصلوا العصر، نعم، ويقدموها مع الظهر، هذا هو الصحيح. على أننا ننبه أن الجمع في الحضر لا يجوز فيه القصر، لما تجمع في الحضر تجمع من غير القصر، تصل للظهر أربعًا، تصل للعصر أربعًا، تصل للمغرب ثلاثًا، وتصل العشاء أربعًا، القصر لا يكون إلا في السفر، القصر لا يكون إلا في السفر. أما الجمع في الحضر لمرض أو لمطر ونحوه، فيكون من غير القصر، تصل للصلاة كاملة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على