شرح قرة عيون الموحدين 7

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 7، ألقاها

شرح شهادة أن محمدًا رسول الله واتباع سنته

يشرح معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ويبين أهمية اتباع سنته وطاعته. يحذر من مخالفة أمره أو تقديم قول غيره عليه مستشهدًا بآيات القرآن وآثار الأئمة.

الرد على الغلو في الأنبياء وبيان حقيقة عيسى عليه السلام

يناقش أهمية اتباع سنة رسول الله لتحقيق الإمامة في الدين ويرد على الطوائف الغالية في حق النبي محمد وعيسى عليه السلام. يبين حقيقة عيسى وأنه عبد الله ورسوله ويوضح اعتقاد النصارى فيه.

تفسير صفات عيسى عليه السلام وكلام الله تعالى فيه

يشرح معنى قول الله تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ويبين أن عيسى خلق بقول الله كن. يرد على الجهمية الذين ينكرون صفة الكلام لله ويوضح معنى روح منه بأنها من الأرواح التي أخذها الله من صلب آدم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى، أي قول العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله، شارحًا للحديث الماضي، وهو حديث عبادة بن الصامت: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». قوله: «وأن محمدًا عبده ورسوله»، أي: وشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أي: بصدق ويقين، وذلك يقتضي اتباعه وتعظيم أمره ونهيه، ولزوم سنته صلى الله عليه وسلم، وأن لا تعارض بقول أحد؛ لأن غيره صلى الله عليه وسلم يجوز عليه الخطأ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد عصمه الله تعالى، وأمرنا بطاعته والتأسي به. وأمرنا بطاعته والتأسي به، والوعيد على ترك طاعته، بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك». قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: «وقد وقع في التفريط في المتابعة وتركها، وتقديم أقوال من يجوز عليهم الخطأ على قوله صلى الله عليه وسلم، لا سيما من العلماء، كما لا يخفى». قوله رحمه الله تعالى: «وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، أي: وشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ لأنه قال في الحديث: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا...» فالواو هنا عاطفة، وقوله: «أن محمدًا» يكون معطوفًا، يكون بنية ما تكرار الفعل، أي: وشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وكما ذكر الشارح رحمه الله تعالى أن القول أولًا في الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالقول في الشهادة لله رب العالمين جل وعلا، بمعنى أن تكون عن علم ومعرفة وصدق ويقين، إلى غير ذلك من المعاني المذكورة التي مر معنى ذكرها. وقوله رحمه الله تعالى: أي: وشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أي: بصدق ويقين، أي: لا يشك في ذلك ولا يرتاب، بل يقولها وقلبه معتقدًا لها ومطمئن بها، وذلك قوله: «وذلك يقتضي اتباعه وتعظيم أمره ونهيه، ولزوم سنته صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا هو حقيقة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حقيقتها تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأن لا يقدم قول على قوله، ولا رأي على ما جاء به صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لأن ما جاء به الحق، وما عدا قوله صلى الله عليه وسلم فإنه يطرأ عليه الخطأ والزلل، لذا كان واجبًا على كل مؤمن ومؤمنة أن يسلما لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحكمه، فلا يقدم بين حكم الله جل وعلى وحكم رسوله حكم أحد من الناس كائنًا من كان، هذا هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وكما أشار الشارح وذكر ونبه أن الله جل وعلا أمرنا بطاعته، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، والآيات في ذلك كثيرة. وأمرنا كذلك ربنا جل وعلا بالاقتداء والتأسي به صلى الله عليه وسلم، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وحذرنا غاية التحذير من مخالفة أمره أو عدم قبول حكمه صلى الله عليه وسلم، فقال ربنا جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وكما ذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قوله: «عجبتم ممن عرف الإسناد كيف يرجع ويقول بقول سفيان، أن يدع الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأخذ بقول غيره، ولو كان ذلك الغير إمامًا جليلًا مثل سفيان أي: الثوري رحمه الله». وهذا يبين لنا أمورًا منها: خطر عدم الأخذ بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخذ بقول غيره كائنًا من كان، ومنه نعلم أيضًا ما وقع فيه كثير من أتباع أئمة المذاهب رحمهم الله تعالى من الغلو، وكذلك التشدد فيه والتعصب في تقديم قول أئمتهم على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا قيل لإنسان منهم: «والواحد منهم قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أو ما شابه ذلك»، قل: «قد قال إمامنا كذا، قد قال إمامنا كذا»، وإمامنا لعله اطلع على هذا الحديث فرأى له ناسخًا، أو رأى له قولًا يجعله مرجوحًا، أو إلى غيرها من الاحتمالات. هل هذا سلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولحكمه وأمره؟ أم أنه عارضهم بقول غيره من الناس ممن يصدق أن يقال: «إنه يصيب ويخطئ»، بل الأئمة رحمهم الله كانوا يحذرون غاية التحذير من تقديم قولهم على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمرون باتباع الأثر والأخذ بالسنة، ويدورون معها حيث دارت، والآثار في ذلك كثيرة مشهورة، من أشهرها الآثار عن الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك ما جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، قال: «إن صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مذهبي»، حتى ذهب بعض العلماء إلى أن مذهب الشافعي لا ينبغي أن يقال: «بأنه مذهب»، ولو في الفروع يخالف قولًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بهذه القاعدة العامة التي ذكرها. بل يقول رحمه الله تعالى: «إذا رأيتم قولي خالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فارموه بقولي خلف الحائط»، ولإمام مالك رحمه الله تعالى صاحب المقالة المشهورة: «إذا رأيتم أو كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر»، وأشار إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلى هذا المعنى: «أن كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم»، الآثار في ذلك كثيرة. ولا إمام رحمهم الله تعالى ما كانوا أئمة في الدين إلا لأنهم كانوا أتبع الناس لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإلا كيف تكون الإمامة مع المخالفة لسنة رسوله، لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا تكون أبدًا، بل ما كانوا أئمة إلا لأنهم كانوا أتبع الناس لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وفي الحديث أيضًا المذكور من الفوائد المذكورة ما نبه عليه بعض العلماء، وهو أن قوله صلى الله عليه وسلم: «وأن محمدًا عبده ورسوله»، فيه رد على طائفتين غاليتين جانحتين في هذا الباب، الأولى: من تزعم أن محمدًا ليس برسول ولا نبي، أو تقول: «بأنه رسول أو نبي، لكنهم يقصرون»، إما باتباعه أو يتركون اتباعه، أي: منهم من يعتقد برسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه رسول، فيقول: «لا أستطيع اتباعه»، وبعضهم يقول: «هو رسول للعرب خاصة»، كما هو قول طائفة من اليهود، وطائفة تكذب هذا الأمر أصلا ورأسًا، ففي قوله صلى الله عليه وسلم: «وأن محمدًا عبده ورسوله»، فيه رد لهذا المعنى، أي: عبد الله ورسول الله، فهو رسول من الله جل وعلا، فإذا كان رسولًا من الله جل وعلا، يجب اتباعه. والأمر الثاني: في قوله: «عبده عبد الله ورسوله»، لذا في هذا المعنى رد على الطائفة الأخرى الغالية في رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن طوائف من هؤلاء رفعوهم إلى منزلة الرب جل وعلا، وإلى منزلة الإلهية، فجعلوه كأنهم إلهًا يستحق العباد مع الله جل وعلا، فيقول أحد: «إذا نزل به الكرب يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستغيث به ويدعوه»، وما شابه ذلك. فأين الله جل وعلا؟ هؤلاء الطائفة غلوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزلوه منزلة هي منزلة الإله الواحد القهار جل جلاله، وهؤلاء أيضًا غلوا في هذا الباب، فقولهم: «وأن محمدًا عبده ورسوله»، فهو عبد فلا يعبد، ورسول فلا يعصى، عبد فلا يعبد، ورسول فلا يعصى، ففيه رد على الغلاة في البابين. قوله: «أن عيسى عبد الله ورسوله»، فيه بيان الحق الذي يجب اعتقاده أي: في عيسى عليه السلام، وأنه كذلك عبد الله ورسوله، فهو عبد فلا يعبد، وهو رسول أرسل إلى قومه من بني إسرائيل، فوجب عليهم طاعته ورسوله. فلذا قال الشارح رحمه الله: «فيه بيان الحق الذي يجب اعتقاده أي: في عيسى عليه السلام»، كما في الآيات المحكمات، وما فيها من الرد على الكفار، ومن الرد على كفار نصارى، وهم ثلاث طوائف: طائفة قالوا: «إن عيسى هو الله»، وطائفة قالوا: «إنه ابن الله»، وطائفة قالوا: «إن الله ثالث ثلاثة»، يعنون عيسى وأمه. وهذا أحد القولين في المسألة، من أن النصارى على ثلاث طوائف، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه العظيم «الجواب الصحيح على من بدل دين المسيح»، نبه رحمه الله تعالى أن الصواب أن الصواب في هذه المسألة أن النصارى قولهم في عيسى هو قول واحد، أن قولهم في عيسى إنما هو قول واحد، ولكن الله جل وعلا تارة يخبر عن بعض قولهم، وثارة عن قول آخر، وثارة عن قول ثالث، وإلا الكل يعتقدون هذه العقيدة، وهي عقيدة التثليث، أي: الأقانيم الثلاثة: الأب والابن والكلمة، كل النصارى: النسطورية واليعقوبية، وغيرها من فرق النصارى يقولون بهذا القول. لذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وظن بعض أهل العلم أن الله جل وعلا لما ذكر الآيات تارة يقول الله جل وعلا: ﴿قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، قالوا: «هؤلاء يقولون بماذا؟ بأن عيسى هو الله»، ولما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، قالوا: «هذه طائفة أخرى من النصارى تقول بأنه ابن الله، ليس هو الله»، ولما قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، قالوا: «هذه طائفة ثالثة»، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وهذا القول ذهب إليه ابن جرير الطبري وطائفة من المفسرين، والحق والصواب في المسألة أنها أقوال يحكيها الله جل وعلا أقوال حكاها الله جل وعلا عن النصارى، وكلها متفقة، لا اختلاف بينها؛ إذ كل النصارى يقولون بالتثليث»، هذا خلاصة القول في هذه المسألة، فليس ثم ثلاث طوائف، وإنما الكل يقولون بالتثليث، لكن تارة يقولون: «عيسى الله؛ لأنه ابن الله»، واضح ما دام هو ابن الله فهو إيش؟ فهو الله، وتارة يقولون: «ابن الله»، وتارة يقولون: «ماذا؟ ثالث ثلاثة»، فالكل أقوال ما أداها أو مرجعها واحد. قال رحمه الله تعالى: «فبين الله تعالى في كتابه الحق وأبطله الباطل، فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، والشاهد منها واضح: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، فهو مخلوق من مخلوقات الله جل وعلا، وهو رسول من الله كغيره من الرسل الذين أرسلهم الله جل وعلا إلى أهل الأرض. قال رحمه الله: «وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وهذا نص واضح صريح من الله رب العالمين أن هذه المقالة كفرية لا شك فيها ولا ارتياب»، قال في مواضع في سورة المائدة. وأخبر تعالى عما قاله المسيح عليه السلام وهو في المهد، فقال تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، وهذه آيات بينات واضحات تبين أن عيسى عليه السلام بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب في هذه الفرية التي افترتها النصارى، فقالوا: «بأنه ابن الله»، تعالى الله جل وعلا عما يقولون علوًا كبيرًا. قال: «فبين تعالى الصراط المستقيم الذي من سلكه نجا، ومن خرج عنه هلك»، وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، فبين تعالى الصراط المستقيم بيانًا شافيًا كافيًا وافيًا، وأقام حججه على توحيده، فأحق الحق وأبطل الباطل ولو كره المشركون، وهذا الكلام واضح بين. وكما ذكر الشارح رحمه الله تعالى أن الله جل وعلا بيّن هذا المعنى بيانًا واضحًا شافيًا كافيًا، لا يجعل لكل ذي لب ولا لكل ذي عينين من شك في هذا الأمر، أن الله جل وعلا إله واحد لم يتخذ ولدًا، وما كان معه من إله، سبحانه وتعالى ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله، والله جل وعلا برأ نفسه ونزه نفسه المقدسة جل وعلا أن تكون له ولد. قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد، وقالوا: «اتخذ الرحمن ولدًا، لقد جئتم شيئًا إدًا، تكاد السماوات ينشقن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدًا، أن دعوا للرحمن ولدًا، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا، إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا، لقد أحصاهم وعدهم عدا»، إلى آخر الآيات في ذلك. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ»، أي: قوله: «كن»، فخلقه بكن فكان، ففيه إثبات صفة الكلام لله تعالى، خلافًا للجهمية أيضًا، أي: قوله صلى الله عليه وسلم: «وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم»، أي: أن عيسى كلمة الله ألقاها إلى مريم، بمعنى أن الله جل وعلا قال له: «كن»، فكان، أن الله جل وعلا قال له: «كن»، فكان، كما قال الله جل وعلا في الآية السابقة الذكر: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، يقول الله جل وعلا: «خلق آدم ماذا؟ من تراب، ثم قال له: كن»، فماذا؟ فكان، كذلك الله جل وعلا خلق عيسى عليه السلام من غير أب، فقالوا: «كن»، فماذا؟ فكان. فما هو العجب أي الأمرين أبعد عن الواقع: «إنسان يوجد من تراب»، أو «إنسان يوجد من أم من غير أب»؟ هيا جماعة الأول لا شك ولا ريب، فإذا كنتم أقررتم بأن الله جل وعلا خلق آدم من تراب، وقال له: «كن»، فكان، فلماذا قلتم في عيسى ما قلتم من هذه المقالة القبيحة: «من أن الله جل وعلا حال في عيسى عليه السلام»، وأن عيسى عليه السلام عبارة عن مجموع الجسد الإنساني والروح الإلهية، وهي التي يعبر عنها النصارى باتحاد اللاهوت بالناسوت، باتحاد اللاهوت الذي هو الجزء الإلهي بالناسوت الذي هو الجزء الإنساني، يقوم حل فيه كما يحل الماء في القارورة، وما شابه ذلك. وبعضهم يأتي بعبارات أخرى، وبعضهم يأتي بعبارات أخرى، ومؤدى إلى هذا المعنى: «من أن الله جل وعلا حال في عيسى عليه السلام»، تعالى الله جل وعلا عن هذه المقالة علوًا كبيرًا، فأشهد من هذا أن قول الله جل وعلا في آدم وفي عيسى عليه السلام جميعًا: «أن الله جل وعلا قال لهما»، يعني: قال في آدم: «كن»، فكان، وقال في عيسى عليه السلام: «كن»، فكان، فخلقهما بكن فكان، كما خلقهما الله جل وعلا، وكما أمر الله جل وعلا. فإذا قوله: «وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ»، لا إشكال فيه، وليس معنى أن الكلمة حلت في عيسى، وأن اللفظ أو أن هذه الكلمة الجزء الإلهي حلت في عيسى، فصار عيسى مجموعًا من أمرين: إلهي وإنساني، هذا قول من لا يعقل، هذا القول من لا يعقل، بل صار أنفسهم محتارون مضطربون اضطرابًا شديدًا كبيرًا في مسألة الأقانيم الثلاثة: ما هي؟ وما أصلها؟ وما مردها؟ وما حقيقتها؟ حتى ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: يعني ما قاله يدل على سفه عقول هؤلاء، فقال: «ولو اجتمع عشرة من هؤلاء النصارى لتقرير هذه المسألة: ما معنى الأقانيم الثلاثة وحقيقتها؟» قال: «لخرجوا بأحد عشر قولًا»، تخيلوا عشرة يجتمعون في مجلس في مسألة واحدة، هي من أعظم مسائل عقيدة عند النصارى: مسألة الأقانيم الثلاثة، ثلاثة، وإذا اجتمع هؤلاء العشرة يقول: «سيخرجون بكم بإحدى عشر قولًا»، يعني: سيخرجون بأكثر مما هم عليه من العدد، وهذا يدلنا على ماذا؟ على اضطرابهم الشديد الكبير العظيم في هذه المسألة. وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، والأمر كذلك هاهنا. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ»، أي: قوله: «كن»، فخلقه بكن فكان، أي: خلقه بأمره جل وعلا، المعنى قوله: «خلقه بكن»، أي: خلقه بأمره؛ لأن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فالله جل وعلا قال له: «كن»، فيكون، فكان كما أمر الله جل وعلا أن يكون، والله جل وعلا يحكم لا معقب لحكمه جل وعلا. قوله رحمه الله تعالى: «ففيه إثبات صفة الكلام لله تعالى، خلافًا للجهمية أيضًا»، وهذه المسألة واضحة جلية من المسائل المعلومة عند أهل السنة والجماعة: من أن الله جل وعلا يتكلم بكلام بصوت وحرف يسمع، وهو كلام حقيقي لا يعلم كيفيته إلا الله جل وعلا، والأدلة على ذلك كثيرة، من هذا الحديث، والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، والآية في ذلك كثيرة. وقول فيه رد على الجهمية، الجهمية أتباع الجهم بن صفوان المشهور الذي هو رأس الفرقة الجهمية، وهي من الفرق المارقة الخارجة عن الحق والصواب الذي كفرها أئمة رحمهم الله تعالى، بل قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «قال: من لم يكفر الجهمية والرافضة فهو كافر؛ لما هم عليه من العقائد الباطلة»، بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن عبد الله بن المبارك الإمام الجليل، وعن عبد الله بن إدريس الإمام الجليل: «أنهم كانوا لا يعدون الجهمية والرافضة من فرق الإسلام الثلاثة والسبعين، كانوا لا يعدون الجهمية والرافضة من فرق الإسلام»، يقول: «هذه ليست من فرق الإسلام، لا تنتمي إلى الإسلام لا من قريب ولا من بعيد». قال رحمه الله تعالى: قوله: «وَرُوحٌ مِنْهُ»، أي: من الأرواح التي استخرجها من صلب آدم عليه السلام، وأخذ عليها العهد على أنه تعالى ربهم وإلههم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، والآيات. قال: «وروح عيسى من تلك الأرواح التي خلقها الله تعالى، والأرواح مخلوقة من مخلوقات الله جل وعلا بإجماع أهل الإسلام، بإجماع أهل الإسلام لا خلاف بين أهل الإسلام: من أن الأرواح من مخلوقات الله جل وعلا التي خلقها الله جل وعلا، أي: الأرواح التي في المخلوقات؛ لأنها مخلوقة في مخلوق. قال: «وذكر ابن جريج عن وهب بن منبه قال: نفخ جبريل في جيب درع مريم حتى وصلت النفخ إلى الرحم فاجتملت»، وذكر المحقق هاهنا أن الأثر حسن أخرجه الطبري في تفسيره، ولكن كما تعلمون أن وهب بن منبه أخباري ممن يروي الإسرائيليات، فالله أعلم بهذا الأمر وما هو مستنده، ولعله أن يكون من الإسرائيليات، فالله أعلم. والقاعدة عندنا في الإسرائيليات: أن إذا لم تخالف شرعنا الأصل أنها ماذا؟ لا نصدقهم ولا نكذبهم، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «حدث عن بني إسرائيل ولا حرج، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم». قال: «وعن السدي أن النفخة دخلت في صدرها فحملت»، وهذا الأثر ذكر المحقق أنه ضعيف أخرجه الطبري، وقال: «وإسناده من أجل أسباط بن نصير الهمداني»، والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة وهو السدي الكبير. وقال ابن جريج، وابن جريج الإمام المعروف عبد الملك بن جريج يقولون: «إنما نفخ في جيب درعها»، انتهى مختصرًا، والله أعلم. وعندنا ظاهر القرآن وهو أن الله جل وعلا أمر جبريل عليه السلام أن ينفخ، فنفخ، فكانت فكان الحمل، وأما كيف النفخ؟ وما شابه ذلك؟ فالله أعلم. قال: «جبريل نفخ، والله خلق بقول: كن فكان»، جبريل نفخ، والله جل وعلا خلق بقوله: «كن»، فكان، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، قال: «فسبحان من لا يخلق غيره، ولا يعبد سواه»، أي: معنى هذا أن الله جل وعلا جعل النفخ من جبريل عليه السلام، والله جل وعلا هو الذي أمر بأن يكون الحمل فكان، بأن يكون الحمل فكان. قال رحمه الله تعالى: «وقد أورد بعض النصارى على بعض علماء المسلمين قول الله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، الآن هذا إشكال، هذا شبه عند النصارى، لماذا قال يعني الله جل وعلا في عيسى عليه السلام قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، إلى مريم «وروح منه»، واضح، فهذه شبهة يقول: «روح منه»، إشارة إلى إيش؟ إلى أن عيسى فيه روح الله جل وعلا، عيسى فيه روح الله جل وعلا، فإذا فيه الجزء الإلهي، هذا وجه الشبهة، فما هو الجواب عنها؟ قال رحمه الله: «وقد أورد بعض النصارى على بعض علماء المسلمين قول الله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، فقال في الجواب: أي: هذا المسلم من العلماء، قال: «هذا ليس بخاص بعيسى عليه السلام، بل المخلوقات كلها كذلك»، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، فإذا كما قال: «خلقًا وإيجادًا»، أي: خلقًا وإيجادًا، وعيسى كذلك خلقه وأوجده كسائر المخلوقات، فهو كغيره عليه السلام من المخلوقات التي خلقهم الله جل وعلا. إلا أن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى نبه على لطيفة في هذا المقام، وهي أن الأرواح على قسمين: أن الأرواح على قسمين: أرواح إضافتها إلى الله جل وعلا إضافة عامة، إضافتها إلى الله جل وعلا إضافة عامة، وهي أرواح كل مخلوق، أرواح كل مخلوق خلقه الله جل وعلا، فكل مخلوق إنما خلقه الله جل وعلا، وقاله: «كن»، فكانت تلك الأرواح في تلك الأجساد التي خلقها الله جل وعلا على أمره، فهذا الخلق أو هذه الأرواح من الأرواح العامة. وهناك أرواح خاصة أضافها الله جل وعلا إليه من باب التشريف والتعظيم، كإضافة البيت إليه، والناقة إليه، وما شابه ذلك، ومنهم إضافة الروح في عيسى إليه، وفي آدم إليه. فإذا قول الله جل وعلا: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، يكون هذا من إضافة التشريف، هذا يكون من باب إضافة ماذا؟ التشريف، إذن نستفيد من هذا أن إضافة عيسى عليه السلام في قول الله جل وعلا: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، تكون من هذا الباب، تكون من هذا الب

شاركنا على