المحاضرة بعنوان اللهم إني أسألك علما نافعا، وكانت بدار الحديث بمدينة السلام بعتق ١٦ ربيع أول ١٤٣٨هـ ألقاها
يشرح أهمية العلم النافع الذي يقرب إلى الله وطاعته، ويشير إلى أن طلبه نعمة من الله. يُستدل على ذلك من الأقوال النبوية والآيات القرآنية.
يُشدد على طلب العلم لله وليس لغيره، ويُشجع على طلب الرزق الحلال الطيب الذي لا يلهي عن طاعة الله، مع التركيز على أهمية التواضع وقبول الحق.
يؤكد على أهمية الكسب الحلال لصلاح دين طالب العلم وتجنب الفتن، ويحذر من الافتتان بالمال والشرف على حساب الدين.
يتضمن دعاءً بالرزق بالعلم النافع والعمل المتقبل والرزق الطيب، ويطلب من الله عز وجل تحقيق هذه النعم في أمور الدين والدنيا.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، روى الإمام أحمد والنسائي وغيرهما الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام إذا أصبح: «اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا». هذا الدعاء من أدعية نبينا عليه الصلاة والسلام التي كان يقولها إذا أصبح، يسأل الله جل وعلا علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا. فكان يسأل الله جل وعلا علما نافعا، يستفتح هذا الدعاء بهذا الطلب، وهو العلم النافع. فطلب العلم والحرص على تحصيله نعمة عظيمة، ومنة كبيرة أن يختارك الله جل وعلا لطلب العلم لتحصيل العلم. ومن توفيق الله جل وعلا لك أن ييسر لك طلب العلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». من يرد الله به خيرا يفهمه أحكام الشريعة، ويعرف شيئا مما أنزل الله عز وجل على رسوله. هذا من إرادة الله عز وجل لك الخير. فإذا وفقت لذلك، فاحرص على العلم النافع. العلم النافع هو الذي به تعرف ربك جل وعلا، يوصلك إلى معرفة الله بتعظيمه ومحبته وإجلاله وخشيته والقيام بطاعته وعبادته. وكذلك أيضا يوصلك إلى معرفة ما يحب الله عز وجل وما يبغضه سبحانه وتعالى. العلم النافع يوصلك إلى محاب الله التي يحبها ويرضاها، فتكون ملازما لها ومواظبا على فعلها. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فكلما زاد العبد علما ومعرفة بربه، كلما زادت خشيته من الله جل وعلا. هذا هو العلم النافع. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار جهلا». وقال الإمام الشعبي رحمه الله: «إنما العالم من خشي الله». العلم النافع الذي يورث في قلبك التواضع وقبول الحق وعدم الكبر والفخر. قال الإمام مالك بن دينار رحمه الله: «من طلب العلم لله كسره، ومن طلبه لغير الله زاده فخرا». من طلب العلم لله تواضع، وهذا من آثار العلم النافع. أنت تسأل الله عز وجل علما نافعا، وتستعيذ بالله عز وجل من علم لا ينفع. كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». رواه الإمام مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه. العلم الذي لا ينفع قد يكون في نفسه علم نافع، كعلوم الشريعة، لكن لم ينتفع به صاحبه لعدم إخلاصه وعدم صدقه وعدم العمل بهذا العلم. وقد يكون العلم في نفسه غير نافع، كعلم السحر وعلم النجوم. تسأل الله جل وعلا رزقا طيبا، رزقا حلالا. إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. كون الإنسان يكتسب رزقا حلالا طيبا هذا أمر طيب، وكذلك أيضا أمر مطلوب. إذا كان لا يشغله عن طاعة الله وعن عبادة الله وعن العمل للآخرة، فليكن طلبه للرزق وكسبه للحلال أمرا مطلوبا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للرجل الصالح». رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال عليه الصلاة والسلام: «خير كسب الرجل عمل يده». والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله. كان الأنبياء عليهم السلام لهم حرف وأعمال. كان داود عليه السلام حدادا، وزكريا نجارا. وما من نبي إلا ورعى الغنم. وعمل النبي عليه الصلاة والسلام في التجارة. وكان من الصحابة الكثير من يتاجر، كأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. الإمام أيوب السختياني رحمه الله قال: قال لي أبو قلابة عبد الله بن زيد: «يا أيوب، لا تدع السوق، فإنه أنفع لنفسك وأصلح لدينك». تنتفع بنفسك وتسد حاجتك، وأصلح لدينك حتى لا تقع في شيء من المخالفات بسبب حاجتك للمال. فكون طالب العلم يسد حاجته بكسب طيب وكسب حلال هذا أمر طيب. إن لم يوجد من يسد حاجته، فلا عيب عليه أن يعمل ويكتسب بالكسب الحلال، أفضل من أن يتأكل بدينه أو يضيع دينه من أجل عرض من الدنيا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال». رغم ما يتعلق به القلب ويحرص على جمعه وعلى تحصيله، فلا يبالي بما فعل، ولا يترك ما يعلم من الحق. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». حرص المرء على المال أي على جمعه وتحصيله وكسبه من أي وجه ومن أي طريق لا يبالي، وحرصه على الشرف والرفعة هذا يفسد عليه دينه إفسادا عظيما. فإذا حرص على الكسب الطيب والكسب الحلال، فهذا مما يصلح به دينه ويعينه على طاعة الله جل وعلا. ورزقا طيبا وعملا متقبلا، يسأل الله عز وجل عملا متقبلا أن يتقبل الله عز وجل أعمالك. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. أنت تسأل الله عز وجل القبول، وترجو من الله عز وجل أن يقبل منك عملك. لكن كما تدري هل قبل هذا العمل أم لم يقبل؟ تعمل الأعمال وتحرس على الصدق والإخلاص فيها وعلى أدائها على وجهها الصحيح، وتسأل من الله جل وعلا القبول. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا.