شرح كتاب الصلاة 47

الدرس في شرح كتاب الصلاة 47، ألقاها

من يتولى غسل الميت وأحكامه

يستحب أن يتولى غسل الميت من هو أعرف بسنة الغسل وثقة وأمينا، ويقدم في ذلك الأقارب والعصبة. يجب أن يتولى غسل الذكر الرجال والأنثى النساء إلا لضرورة.

تفاصيل أحكام غسل الميت وتغسيل الصبيان

يُشرح أن الصبيان دون السبع يمكن أن يغسلهم الرجال من محارمهم، بينما تغسل النساء الصبيات. كما يجوز للزوجين غسل أحدهما الآخر مستدلاً بحديث عائشة.

أحكام الشهداء والسقط والصلاة عليهم

لا يغسل شهيد المعركة ولا يصلى عليه، بينما تُشرع الصلاة على غير شهيد المعركة والسقط بعد نفخ الروح فيه. كما تُبيّن أحكام الصلاة على الأطفال عند وفاتهم.

  • 26 جمادى الأولى 1438هـ - 22/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -رحمه الله-: المسألة الثانية: من يتولى الغسل؟ الأفضل أن يتولى غسل الميت من هو أعرف بسنة الغسل، من الثقات الأمناء العدول، ولا سيما إذا كان من أهله وأقاربه. وذلك حتى إذا رأى شيئا في الميت مما يفرحه أو مما يحزنه، فيكون قبوله مقبولا إذا كان ثقة، ويصدق. لذلك قد يرى أشياء، قد يرى المغسل في الميت علامات على حسن الخاتمة أو سوء الخاتمة، فقبول خبري في ذلك يحتاج إلى أن يكون ثقة يوما في نقل هذا الخبر أو الإخبار بما رأى. بخلاف لو لم يكن ثقة، فقد يكذب، فقد يكذب فيذكر -يعني- شيئا على خلاف الواقع. فلذلك يختار في التغسيل من كان على هذا الوصف: ثقة، أمين، عدل. وإذا كان من أهله وأقاربه فهو أولى ومقدم. قال: لأن الذين تولوا غسله صلى الله عليه وسلم كانوا من أهله، كعلي رضي الله عنه، وغيره، كما عنده ابن ماجه، وصححه الألباني رحمه الله. قالوا: أولى الناس بغسله وصيه الذي أوصى أن يغسله، إذا أوصى الميت أن يغسله فلان، ولو لم يكن من أقاربه، فهو مقدم على أقاربه، فيتولى غسل الميت. وأنَس ابن مالك رضي الله عنه أوصى أن يغسله محمد بن سيرين، كما عنده من «سير أعلام النبلاء» للذهبي، و«الطبقات» لابن سعد. وجاء عند البيهقي أن الصديق أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله زوجته أسماء. أوصى أن تغسله زوجته أسماء، لكن الأثر فيه ضعف. وورد معناه في مراسيل عن بعض التابعين. وردت مراسيل عن بعض التابعين في ذكر نحو ذلك من وصية وصية أبي بكر رضي الله عنه أن تغسله زوجته أسماء. قال: ثم أبوه، ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم ذو أرحامه. يعني يغسله الأقرب فالأقرب من عصباته: الأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم الأخ، ثم العم، وهكذا الأقرب فالأقرب، ثم ذو أرحامه. إذا لم يكن أحد من العصبة، فذو الأرحام: الخال. قالوا: يجب أن يتولى غسل الذكر الرجال، والأنثى النساء، هذا هو الواجب. يتولى غسل الرجال الرجال، وغسل النساء النساء، إلا لضرورة، كما مر فيما ذكرنا من قبل. إذا ماتت امرأة عند رجال، وليس هناك امرأة تغسلها، وعندها مثلا بعض محارمها من الرجال، فكما قال أهل العلم: يغسلها بالماء من غير مس لجسمها، يصب الماء صبا. إذا كان المحرم غير الزوج، كأخيها مثلا، أو ابن أخيها، أو نحو ذلك، فيصب الماء عليها صبا. وهكذا العكس إذا مات الرجل بين النساء، فإنه يصب الماء عليه صبا. وذكر بعض أهل العلم -كما مر معنا- أنه إذا كان الصبي دون سبع سنين، أو الصبية دون سبع سنين، فيجوز أن يغسل الرجل الصبية، والمرأة الصبي. قال بهذا بعض أهل العلم. وبعض أهل العلم لم ير ذلك. الإمام أحمد رحمه الله، أنه لما سئل عن تغسيل الرجل للصبية دون سبع سنين، قال: لا يجترىء عليه. قال: لا يجترىء عليه إلا أن تكون ابنته. إذا كانت الصبية ابنته، فلا بأس أن يغسلها. وأما إن لم تكن ابنته، فتغسلها النساء. ولعل هذا القول أقرب إلى الصواب، أن يكون تغسيل الصبيان -يعني- من جهة النساء، إذا كان دون سبع سنين، يغسله الرجال أو أحد محارمها من النساء. وكذلك الصبية دون سبع سنين، فيغسلها أبوها إذا كان من الرجال، فأبوها، وإلا تولى غسلها النساء. قال: ويستثنى من ذلك الزوجان، فإنه لكل واحد منهما غسل الآخر، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم غير نسائه. والحديث -يعني- ما غسل إلا أزواجه. وهذا دليل على أنه يجوز أن تغسل المرأة زوجها. لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت -يعني- لو تقدمت في فعل هذا الأمر ما قد ذهب ومضى، لما غسل النبي صلى الله عليه وسلم إلا نحن -إلا أزواجه- يعني لو، لأنه قد مضى ما قد حصل وتقدمت على ذلك، لكنت أنا الذي غسلته أو أزواجه رضي الله تعالى عنه. والنبي عليه الصلاة والسلام قال لعائشة: «لو ميت قبلي لغسلتك وكفنتك». والحديث رواه ابن ماجه، وهو صحيح. قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «لو ميت قبلي لغسلتك وكفنتك». قال: وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنه. روى ذلك الإمام مالك رحمه الله في «الموطأ». ولأن العلاقة بين الزوجين ما تنتهي بالموت، لا تنتهي بالموت على الصحيح. لهذا يجوز له أن يغسلها؛ لأنها زوجته، وهكذا يجوز للزوجة أن تغسل زوجها؛ لأنه ما زال زوجها، كما في هذه الأدلة. أما غيرها -يعني غير الرجال ممن لم يكن زوجا- فلا يجوز للمرأة أن تغسله، كأبيها أو أخيها أو غيرهم من المحارم، فيتولى غسلهم الرجال. وهكذا العكس. قال: ولا يغسل شهيد المعركة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل أحد أن يدفنوا في ثيابهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم. والحديث في صحيح البخاري. قال: وكذلك لا يكفن ولا يصلى عليه، بل يدفن بثيابه، كما في الحديث السابق. يقول: لا يغسل شهيد المعركة الذي يقتل في المعركة، أي لا يجب غسله، لا يجب أن يغسل. ودليل ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بشهداء أحد الذين قتلوا بغزوة أحد أن يدفنوا بدمائهم، أن يدفنوا بدمائهم ولا يغسلوا. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الشهيد إذا قتل فإنه إذا خرج منه الدم فإنه يبعث يوم القيامة اللون الدم والريح ريح المسك. «ما من مكلوم يكلم في سبيل الله -إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي، أي ينزف- اللون الدم والريح ريح المسك». يتبه رائحة المسك في الصحيح، حتى ولو كان جنبا، حتى لو استشهد وهو جنب، فإنه لا يغسل. بدليل أن حمزة عم النبي عليه الصلاة والسلام، وابن أخته عبد الله بن جحش استشهدا وهما جنبان. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الملائكة غسلتهما، لكن لم يغسلهما عليه الصلاة والسلام. ولو كان تغسيلهما واجبا لم يكتفى بتغسيل الملائكة، فدل على أنه لا يجب تغسيله. وهكذا أيضا الصلاة على شهيد المعركة. قال: ولا يصلى عليه. لا يصلى عليه؛ لأنه دفن عليه الصلاة والسلام شهداء أحد من غير أن يصلي عليهم، من غير أن يصلي عليهم. لكن هل يجوز أن يصلي على شهيد المعركة؟ الجواب: نعم يجوز، لكن ليس على سبيل الوجوب. الصلاة على شهيد المعركة ليس بواجب مع الجواز. ودليل ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على حمزة -عمـه- رضي الله تعالى عنه، كما صح ذلك عند أبي داود. وأيضا صلى على أعرابي أسلم ثم قاتل فقتل، فكفنه عليه الصلاة والسلام في جبة له، ثم قدمه فصلى عليه. فهذا يدل على أنه يجوز الصلاة على شهيد المعركة، لكن ليس على سبيل الوجوب، ليس على سبيل الوجوب. هذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله، جمعا بين هذه الأدلة. فيكون حكم الصلاة عليه على جهة التخيير: إن شاء صلى عليه، وإن شاء ترك. أما غير شهيد المعركة، قال هنا: ولا يغسل شهيد المعركة. إذا عندنا هناك شهيد غير شهيد المعركة، وهو من ورد فيهم لفظ الشهادة، كالمطعون والمبطون، وصاحب الهدم، وصاحب الغرق، وصاحب الحرق. هؤلاء شهداء، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم شهداء، لكن ليسوا شهداء معركة. فهؤلاء يغسلون، ويكفنون، ويصلى عليهم. وكذا أيضا من قتل دون دمه أو دون ماله، فكذلك يغسل ويصلى عليه. وذكر أهل العلم أيضا مسألة فيما يتعلق بالشهيد، أنه إذا قتل وبقي حيا، بقي حيا فأكل أو شرب ثم مات، فإنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه. واستدل بصلاة الصحابة رضوان الله عليهم على عمر وعلي رضي الله عنهما، مع أنهما قتلا، إلا أنهما بقيا حيا حيا مستقرة أو حيا عرفا، أكل وشربا، فصل عليهما الصحابة رضوان الله تعالى عليهما. فإذا أصيب الشهيد أو المقاتل في أرض المعركة مثلا، أو ضربا فجرح وبقي أيام ثم مات بعد ذلك، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه. قال: والسقط -وهو الوليد- يسقط من بطن أمه قبل تمامه، ذكرا كان أو أنثى، إذا بلغ أربعة أشهر، غسل وكفن، وصلي عليه؛ لأنه بعد أربعة أشهر يكون إنسانا. السقط: المراد بالسقط المولود الذي يسقط ويخرج من بطن أمه قبل اكتمال خلقه واكتمال بقائه في بطن أمه واكتمال حمله. فهذا فيه تفصيل: إذا خرج قبل أربعة أشهر، فإنه لا يصلى عليه؛ لأنه ليس بإنسان، كما في حديث ابن مسعود: أن نفخ الروح يكون في الجنين في بطن أمه بعد أربعة أشهر. بعد أربعة أشهر، فإذا كان قبل الأربعة أشهر -إذا لم ينفخ فيه الروح- فليس بإنسان، فعلا هذا لا يصلى عليه. وإن كان بعد أربعة أشهر، فيكون ذلك بعد نفخ الروح، فهو إنسان، فيصلى عليه. والصلاة عليه على جهة الاستحباب، على جهة الاستحباب. الصبي الذي لم يبلغ، الصلاة عليه مستحبة وليس بواجبة. واستدل العلماء بأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل على ابنه إبراهيم حين مات، فدل ذلك على أن الصلاة عليه ليس بواجبة، مع كونها مشروعة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على