شرح كتاب الصلاة 52

الدرس في شرح كتاب الصلاة 52، ألقاها

سنن الدفن وتجهيز القبر

يستحب تعميق القبر وتوسيعه ولحد الميت ووضع الميت على شقه الأيمن مستقبل القبلة. يسن الدفن من جهة الرجلين وسد فتحة اللحد باللبن والطين ثم رش التراب عليه.

آداب زيارة القبور والمحظورات الشرعية

يُحرم البناء على القبور وتجصيصها والصلاة عندها أو إليها، كما يُحرم الجلوس عليها والمشي عليها بالنعال. يجوز تحديد القبر بحجر وكتابة المعلومات الضرورية عليه.

الأعمال المستحبة بعد الدفن

يستحب بعد الدفن الاستغفار للميت والدعاء له بالثبات. ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يستغفر للميت بعد الدفن ويسأل الله له التثبيت.

  • 26 جمادى الأولى 1438هـ - 22/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- المسألة الثامنة: دفن الميت، وصفة القبر، وما يسن فيه. قالوا: يسن أن يعمق القبر، وأن يوسع، وأن يلحد له فيه. أن يعمق يكون عميقا حتى لا تصيبه الهوام والسباع، لا تصيبه السباع فتنبش قبره، ويوسع حتى لا يكون ضيقا عليه، وأيضا يدفن في القبر من غير تعب ومشقة. وأن يلحد له فيه، وهو أن يحفر في قاع القبر حفرة في جانبه إلى جهة القبلة، يعني تكون اللحد في طرف القبر إلى جهة القبلة. فإن تعذر اللحد فلا بأس بالشق. كيف يتعذر؟ يتعذر إذا كانت الأرض رخوة، إذا كانت رخوة فإنها لا تتماسك، فحينئذ ينتقل إلى الشق. قال: فلا بأس بالشق، وهو أن يحفر للميت في وسط القبر، يعني يحفر القبر، ثم في الوسط يحفر حفرة على قدر الميت، هذا يسمى الشق. قال: لكن اللحد أفضل، لقوله صلى الله عليه وسلم: «اللحد لنا والشق لغيرنا». أخرجه الترمذي، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. والنبي عليه الصلاة والسلام لحد له في قبره. قال: ويوضع الميت في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الكعبة قبلتكم أحياء ومواتا»، فيوضع على شقه الأيمن مستقبل القبلة. ويستحب أن يدخل الميت في قبره من عند رجليه، من جهة رجلي القبر، ثم يدخل رأسه، فيسل سلا هينا. هذا القبر، فيؤتى بالميت ويوضع في هذا الموضع، رأسه عند طرف القبر الأيمن، جهة الأيمن هذا القبر، هذا الجهة اليمنى، يوضع الجنازة في هذا الجانب، فيكون رأسه في طرف القبر الأيمن، ثم يدخل فيكون أين موضع القدمين؟ جهة اليمنى، فيسل من هذه الجهة، يدخل من جهة الرجلين، يعني رجليه في القبر، هذا معنى يسل سلا من جهة رجلي القبر، هذا يعني المستحب. فإن وضع كاملا كما هو، ما يفعله الناس اليوم أو أكثرهم، توطى مثلا هذا القبر، توطى بالجنازة وتوضع على جانب القبر، ثم يخرج الميت ويدخل إلى القبر، هذا جائز، لكن الأفضل أن يدخل من جهة رجلي القبر. ويستحب أن يقال عند إدخاله: «بسم الله وعلى ملة رسول الله»، كما رواه أبو داود والترمذي من حديث ابن عمر. قال: وتسد فتحة اللحد باللبن والطين، ثم يهال عليه التراب. تسد فتحة اللحد، يعني بعد أن يوضع الميت في لحده، يؤتى باللبن، وهي الطوب من الطين، كان هذا يستعمل قديما، أما الآن في الحديث تفعل الصبة، تفعل الطوب من السمنت، فتوضع على اللحد ويغطى بها موضع الميت. في السابق كان يوضع اللبن ثم الطين، يستد بها بخية الفتحات التي تكون بين اللبن، ثم يهال عليه التراب. ويستحب الحث على التراب ثلاثا، يعني يشارك الإنسان في الدفن، وأقل شيء أن يحث ثلاث حثيات، كما ورد عند مسلم، والحديث حسنه الشيخ الألباني رحمه الله بمجموع طرقه. قال: ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنما، أي على هيئة السنام، يعني هكذا على هيئة السنام، فيستحب أن يكون القبر على هذه الهيئة. قال: ثبوت ذلك في صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، كما في البخاري من حديث سفيان التمار، أنه رأى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر مسنما. مع جواز التصطيح، أن يكون مصطحا، يعني مستويا على حالة واحدة من غير تسنيم، لكن المستحب أن يكون مسنما. قال: ليعلم أنه قبر فلا يهان، يعني يكون مسنما حتى يعرف أن هذا قبر فلا يهان، يعني يوطأ بالأقدام أو يجلس عليه. قال: ولا بأس بوضع أحجار أو غيرها على أطرافه لبيان حدوده ومعرفته، توضع أحجار في أطراف القبر حتى يعرف أن هذا قبر فلا يهان. وليس هناك فرق بين الرجل والمرأة، يعني البعض يجعل للرجل مثلا حجرين وللمرأة ثلاثة أحجار أو العكس، هذا ليس عليه دليل. المقصود من هذه الأحجار هو معرفة أن هذا قبر حتى لا يهان، سواء وضعت الأحجار في طرفي القبر أو في حول القبر، المقصود أنه يعرف أن هذا قبر. قال: ويحرم البناء على القبور وتجصيصها والجلوس عليها، كما يكره الكتابة عليها إلا بقدر الحاجة للإعلام، لحديث جابر رضي الله عنه قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه». ورواه مسلم، زاد الترمذي: «وأن يكتب عليها بالجص»، مادة بيضاء غليظة تستعمل في البناء، توضع أو يفعلها البعض في القبور، يرفع القبر ثم يجعل له هذا الجص، هذا لا يجوز. وهكذا البناء على القبر، يبني القبر بالأحجار، هذا لا يجوز، لأن هذا ذريعة إلى الشرك، ذريعة إلى الشرك، فلهذا نهى عنه الشرع. وهكذا يظن، نهى عن القعود عليه، لأن فيه امتهان لصاحب القبر، فلا يجوز القعود على القبر ولا الجلوس ولا المشي فوقها، ولا المشي بينها بالنعال أو فوقها بالنعال، ولا بينها بالنعال، كل ذلك نهى عنه الشرع. قال: ويحرم أيضا إسراج القبور، أي إضاءتها، لما فيه من التشبه بالكفار وإضاءة المال بغير فائدة. وهذه من سنن اليهود والنصارى. قال: وبناء المساجد عليها والصلاة عندها أو إليها، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». بناء المساجد عليها لا يجوز، أن يبنى المسجد على القبر، فلا يجتمع في الإسلام مسجد وقبر، المسجد يكون له موضع خاص بعيدا عن القبور، والقبور لها موضع خاص بها، فلا يجوز بناء المساجد على القبور، كما أنه لا يجوز دفن الموتى في المساجد. وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «لا يجتمع في الإسلام مسجد وقبر»، فإذا وجد مسجد وقبر، فينظر أيهما أقدم، فإن كان المسجد أقدم، نبش القبر وأخرج ودفن في مقابر المسلمين، وإن كان القبر أقدم، هدم المسجد، هدم المسجد لأنه بني على مقبرة. والصلاة عندها أو إليها، أي لا يجوز الصلاة عند القبور أو إلى القبور، لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، ولو كان يصلي لله، لو كان أصلي لله في هذا الموضع، نقول: لا يجوز، لا يجوز الصلاة عند القبور، لأنها ذريعة إلى عبادتها. قال عليه الصلاة: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». والحديث في الصحيحين. الله عز وجل لعن اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. كيف اتخذوها مساجد؟ بالصلاة عندها وعبادة الله سبحانه وتعالى عندها، ليس بمجرد بناء المسجد، لا يشترط أن يبنى المسجد عند القبر أو على القبر حتى يكون اتخذ مسجدا، بل فعل العبادة عندها من اتخاذها مساجد، إذا دعي الله عندها أو صلي عندها، ولو كان ذلك لله، فهذا من اتخاذها مساجد، ولا يجوز، لا يجوز ذلك. وفي حديث أم سلمة وعائشة، لما ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتا بأرض الحبشة وما فيها من تصاوير، قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». ورحم الله الحافظ، حكم رحمه الله إذ يقول: «ومن على القبر سراجا أو قبة أو ابتنى على الضريح مسجدا، فإنه مجدد جهارا لسنن اليهود والنصارى». كم حذر المختار عن ذا ولعن فاعله، كما روى أهل السنن. بل قد نهى عن ارتفاع القبر وأن يزاد فيه فوق الشبر، لا يجوز أن يزاد القبر فوق الشبر، يعني هذا الشبر هو الزائد الذي يأخذه محل الميت، فيزاد فوق القبر ليكون علامة على القبر، أما أن يبنى عليه وأن يجصص وأن يوقد، هذا كله من فعل يهود والنصارى. قال: وتحريم إهانتها بالمشي عليها أو وطيها بالنعال أو الجلوس عليها وغير ذلك، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر». ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن الوطء على القبور، حديث أبي هريرة في مسلم: «لأن يجلس أحدكم على جمرة»، يعني من نار، «فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده»، يعني تحرقه، خير له، يعني أحسن له، من أن يجلس على قبر، يجلس على الجمرة فتحرقه، أحسن له وخير له من أن يجلس على القبر. معنى هذا أن جلوسه على القبر محرم، محرم لا يجوز. وهكذا نهي عليه الصلاة والسلام عن الوطء على القبور، كما في السنن، رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يمشي بين القبور، فقال: «يا صاحب السبتين ألق سبتتك»، فقد آذيت، السبت يعني نوع من النعال السبتية، أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزع نعليه إذا كان المشي بين القبور بالنعال لا يجوز، فكذلك الوطء عليها، وأن يدوسها بقدميه لا يجوز. قال: ويستحب عند الفراغ من الدفن الدعاء للميت، لفعله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل». هذا يقال بعد الفراغ من دفن الميت، يدعى له بالمغفرة ويسأل له الثبات، تسأل الله عز وجل أن يثبته: «اللهم اغفر له وارحمه، اللهم ثبته بالقول الثابت». «ثبتوا الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة». جاء في حديث البراء أن ذلك في سؤال العبد في قبره، فالمسلم يسأل لأخيه الثبات عند فراغه من دفنه. قال: وأما قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن عند القبر، فإنه بدعة منكرة، لأنه لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». قراءة القرآن أو الفاتحة أو شيء من القرآن لا يجوز عند القبر، فهذه بدعة منكرة، لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة، خير الهدي هدي النبي عليه الصلاة والسلام. ورد في ذلك حديث ضعيف لا يصح. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا»، كيف قبور؟ يعني لا يصلى فيها ولا يقرأ فيها القرآن، هذا معنى أن القبر ما يصلى فيه ولا يقرأ فيه قرآن. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل المسلم بيته كالمقبرة، محروما من الصلاة وقراءة القرآن وذكر الله. قراءة القرآن في القبر أو عند القبر بدعة. كذلك أيضا التلقين، تلقين الميت إذا جاءك الملكان يسألانك فقل: قال لك كذا فقل لهم كذا، هذا أيضا بدعة، ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة، هو أيضا من البدعة المنكرة. إنما الثابت بعد الفراغ من الدفن أن يسأل يستغفر له ويسأل له الثبات، هذا هو الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على