الدرس في القواعد والأصول الجامعة 5، ألقاها
يجب على المسلم البحث عن الماء والوسائل الضرورية للعبادة إذا لم تكن متوفرة لديه، وشراؤها إذا كانت بثمن معقول. هذه الوسائل تعتبر واجبة لأنها ضرورية لإتمام الواجب الديني.
تعلم أمور الدين الأساسية مثل التوحيد والصلاة يعتبر فرض عين على كل مسلم، بينما تعلم علوم أخرى مثل المواريث وأحكام البيوع يعتبر فرض كفاية. يسقط الإثم عن الباقين إذا قام به البعض في فرض الكفاية.
تشمل فروض الكفاية الأذان والإمامة والقضاء والجهاد وتجهيز الميت والصناعات الضرورية. إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الآخرين، ولكن تصبح فرض عين إذا لم يوجد من يقوم بها.
يجب على المسلم أن يعمل ويكتسب لينفق على نفسه وعلى من تلزمه نفقتهم. العمل والاكتساب أمران مهمان في الإسلام لضمان الاستقلالية والقدرة على أداء الواجبات الدينية والدنيوية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله في كتابه «القواعد والأصول الجامعة»، في كلامه على القاعدة الثانية: الوسائل لا أحكام المقاصد. قال: من فروع هذا الأصل -أي من مسائله التي تندرج تحته- قول العلماء: إذا دخل الوقت على عادم الماء لزمه طلبه في المواضع التي يرجو حصوله فيها، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ويلزمه أيضا شراءه، وشراء السترة الواجبة بثمن المثل أو زيادة لا تضر. فقول العلماء: إذا دخل الوقت على عادم الماء لزمه طلبه في المواضع التي يرجو حصوله، لأنه لا يسمى عادما للماء وغير واجد إلا إذا بحث عن الماء. والله عز وجل يقول: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، فـ«لم تجدوا ماء» معنى ذلك أن هناك بحثا عن الماء، فإذا لم يجد فحينئذ ينتقل إلى التيمم. إذا كان عادم الماء يلزمه طلب الماء في المواضع التي يرجو أن يتحصل فيها على الماء، سواء كان ذلك في رحله الذي هو فيه أو معه، يبحث فيه في مكان جلوسه الذي هو جالس فيه، أو في خيمته، أو غير ذلك. إن كان في سفره مثلا في الأماكن التي يظن أو يغلب على الظن وجود الماء فيها، فإذا نظر وبحث فلم يجد هنا ينتقل إلى التيمم. وإن كان يعلم يقينا أو يغلب على ظن أن الماء غير موجود في هذا المكان، يعرف ويعلم أن هذا المكان لا ماء فيه، فهنا لا يحتاج أن يبحث إذا كان يعلم عدم وجود الماء. قال: لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهو من هذا الباب، من هذه القاعدة. الصلاة لا بد فيها من الوضوء بالماء، وإذا كان لا يمكن الوضوء بالماء إلا بالبحث عنه، فيكون البحث عنه واجبا، يكون البحث عن الماء واجبا. قال: يلزمه أيضا شراءه، وشراء السترة الواجبة بثمن المثل أو زيادة لا تضر. يعني إذا كان الماء موجودا لكنه يباع، فعليه أن يشتري هذا الماء إذا كان يباع بثمن المثل، يعني مثلا الدبة الماء تباع بمئة ريال، فوجدها بمئة لزمه أن يشتريها حتى يتوضأ، أو زيادة لا تضر، وجدها بمئة وعشرة أو مئة وعشرين فيشتريها. لكن لو وجدها بأكثر من ذلك كضعف الثمن مثلا، فهذه زيادة تضر، فإذا كان الماء يباع بثمن مضاعف ويكون فيه ضرر، فحينئذ يكون في حكم العادم للماء. كذلك السترة، إذا كان يحتاج إلى سترة يستتر بها حتى يصلي، فيلزمه شراءها إن كانت تباع بثمن المثل أو بزيادة لا تضر، لزمه شراءها. وهذا من هذه القاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال: من فروع هذا الأصل وجوب تعلم الصناعات التي يحتاج الناس إليها في أمر دينهم ودنياهم، صغيرها وكبيرها. فالناس يحتاجون إلى علماء وإلى قضاة وإلى مفتين، هذا في أمور دينهم، لا يستغنون عن ذلك، فيجب تعلم العلم، ووجود من يتأهل لمنصب العلماء، للقضاء والإفتاء وتعليم الناس، فيكون هذا واجبا من وجوب الكفاية الذي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. وهكذا في أمور دنياهم، فهم يحتاجون إلى نجار وإلى حداد وإلى مهندس وإلى طبيب، وغير ذلك من المهن والصناعات الدنيوية، فتعلمها يعتبر فرض كفاية؛ لأنه لا تستقيم معايش الناس وحياتهم ومعاشهم إلا بهذه الأمور، فلابد من وجود من يقوم بها. وإذا ترك الجميع تعلمها أثم جميعا، إذا ترك جميع الناس تعلم هذه الأمور أثم الجميع. قال: ومن فروع هذا الأصل وجوب تعلم العلوم النافعة، وهي قسمان: علوم تعلمها فرض عين، وهي ما يضطر إليه العبد في دينه وعباداته ومعاملاته، كل أحد بحسب حاله. والثاني فرض كفاية. قال: من فروع هذا الأصل وجوب تعلم العلوم النافعة، وهي قسمان: علوم تعلمها فرض عين؛ يعني تجب على الإنسان بعينه أن يتعلمها. قال: وهي ما يضطر إليه العبد في دينه وعباداته ومعاملاته. ما يضطر إليه العبد في دينه، كتوحيد الله جل وعلا، وإفراد الله جل وعلا بالعبادة، ومعرفة التوحيد والحذر من الشرك، ومعرفة الشرك للحذر منه، تعلمه فرض عين على كل مسلم أن يتعلمه. وهكذا أيضا الصلاة، تعلم أحكام الصلاة وشروطها وأركانها وواجباتها ونواقضها، هذا أيضا من فرض العين، يجب على كل مسلم أن يتعلمها حتى يؤدي هذه العبادة على وجه الصحيح. وهكذا الصيام، تعلم أحكام الصيام، وهكذا أيضا الزكاة إذا كان عنده مال تجب فيه الزكاة، يتعلم أحكام الزكاة. وهكذا الحج إذا كان مستطيعا وجب عليه أن يتعلم أحكام الحج. فهذه العبادات لابد أن يتعلمها المسلم. وهكذا أيضا تعلم العلم إذا كان أهلا لذلك أن يتعلم ويتفقه، ولا يوجد غيره يقوم بهذا الأمر، فيكون فرض عين عليه. ولهذا قال هنا: ما يضطر إليه العبد في دينه وعباداته ومعاملاته، كل أحد بحسب حاله. يعني قد يجب على فلان من الناس ما لا يجب على الآخر. فكون هذا الرجل عنده أهلية تحصيل العلم وطلب العلم من الحفظ والذكاء والفهم والحرص إلى آخره، فيكون في حقه فرض عين إذا كان لا يوجد غيره. وهكذا إذا كان عنده مال يبلغ النصاب ويجب فيه الزكاة، وليس عند الآخر مال، فيجب على هذا الزكاة ولا يجب على ذاك، ويجب على هذا أن يتعلم أحكام الزكاة لوجود المال الذي تجب فيه الزكاة، مع أنه لا يجب على فلان الآخر لأنه لا مال عنده. ويجب على هذا الحج، وجب عليه أن يتعلم أحكام الحج، مع أنه لا يجب على فلان الآخر لأنه لا يستطيع الحج. وهكذا أيضا في المعاملات، في باب المعاملات، البيع والشراء، من كان مثلا من أهل البيع والشراء والتجارة، فيتعلم أحكام البيع والشراء، شيء في إطار ما يتعامل به من البيع والشراء. كذلك النكاح إذا أراد أن يتزوج، فيتعلم أحكام النكاح، وغيرها من الأبواب إذا احتاج إليها وجب عليه أن يتعلم، فتكون فرض عين في حقه تعلمها. قال: والثاني فرض كفاية. النوع الثاني من العلوم النافعة ما كان فرض كفاية، فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركوه جميعا أثموا جميعا. قال: وهو ما زاد على ذلك؛ يعني ما زاد على ما يجب على الإنسان المسلم أن يتعلمه من أمور دينه. فما زاد على ذلك فهو فرض كفاية، ففي باب العلم والدين مثلا، قلنا يجب على كل مسلم أن يتعلم التوحيد والصلاة والصيام والزكاة والحج. ما زاد على ذلك كدراسة المواريث وأحكام الجنايات وأحكام البيوع لمن ليس من أهل البيع والشراء، وأحكام النكاح إلى آخره من الأبواب، فهذا تعلمه فرض كفاية. كذلك دراسة علم اللغة وفروعها، علم المصطلح، علم الأصول مثلا، هذه كلها تعلمها فرض كفاية. قال: وهو ما زاد على ذلك بحيث يحتاجه العموم؛ يعني عموم الناس يحتاجون إلى هذه العلوم، يحتاجون إلى دراسة هذه الأبواب من أبواب الفقه، وهكذا بقية العلوم، علم النحو، علم الأصول، وعلم المصطلح إلى آخره، فهذا مما يحتاج له عموم الناس، فلابد من وجود من يدرسها ومن يعلمها. قال: وهو فرض الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن غيره؛ يعني سقط الإثم عن غيره. وإذا لم يقم به أحد أثم كل قادر عليه؛ يعني إذا حصل تفريط من الجميع، فكل من كان قادرا على تحصيل هذا الفرض الكفائي ولم يقم به فهو آثم. قال: ومن فروع هذه القاعدة جميع فروض الكفايات، من أذان وإقامة وإمامة صغرى وكبرى، وولاية قضاء وجميع الولايات، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجهاد لم يتعين، وتجهيز الميت بالتغسيل والتكفين والصلاة والحمل والدفن وتوابع ذلك. يقول: جميع فروض الكفايات تدخل في هذه القاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فتحصيل الأذان واجب، وجود الأذان للصلاة واجب، وإذا لم يقم به أحد فإنه يأثم كل من كان قادرا على ذلك. فإذا كان لا يتم تحصيل الأذان إلا بوجود من يقوم به، فيجب إيجاد من يقوم بالأذان، وإذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. وهكذا الإقامة، والإمامة الصغرى والكبرى، الصغرى إمامة الصلاة، وجود الإمام الذي يصلي بالناس هذا فرض كفائي. والكبرى أي الإمامة العظمى التي هي الولاية والحكم والرئاسة، هذا أيضا من فروض الكفايات. وإذا لم يوجد -يعني من يكون أهلا لذلك- إلا شخص واحد مثلا، فيكون فرض عين في حقه؛ يعني مثلا الإمامة إذا لم يكن هناك من يحسن القراءة والصلاة إلا شخص واحد، فيكون فرض عين في حقه لعدم وجود من يقوم مقامه، لكن إذا وجد غيره فيكون فرض كفاية. وهكذا ولاية القضاء، وجود القاضي الذي يقضي بين الناس بالعدل، فهذا أيضا من فروض الكفاية. وأما ذم العلماء لمن تولى القضاء والتشديد في ذلك، كإنكار الإمام عبد الله بن المبارك على ابن علية توليته القضاء، وهروب كثير من السلف عن القضاء، السبب في ذلك أحد أمرين: إما أنه يوجد من يقوم بهذا الواجب، أنه يوجد من يقوم بهذا الواجب فيتركوا ذلك. والأمر الثاني أنه ربما لا يوجد من يعينهم على القيام بهذا الواجب، فقد يكون الوالي والأمير ظالما، فإذا قضى القاضي بالحق يأتيه الأمر من فوقه بنصرة هذا الظالم، إذن وجوده كعدمه. وفي هذه الحالة إما أن يوافق الأمير والحاكم فيقع في الظلم، وإما أن يعارض فيعزل، وحينئذ لا حاجة من وجوده، ولا فائدة من وجوده، مع أيضا خشية الافتتان بالدنيا، فلهذا حذر من حذر من السلف من تولية القضاء، وذم بعض من تولى القضاء بسبب هذه الأمور. قال: وجميع الولايات؛ يعني ولاية الولاية على مال اليتيم، ولاية النكاح، ولاية أو غيرها، أيضا الولايات الصغرى التي تكون تحت حكم الحاكم كما يسمى مثلا اليوم بالوزارة، هذه الوزارات، الوزير الفلاني أو المحافظ الفلاني، هذا كلهم يعتبرون في حكم ولاية الأمر، هم تبع للأمير العام والحاكم العام. قال: وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ يعني يجب وجود من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لابد من طائفة تقوم بذلك. «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»، هذا من فروض الكفايات. وجهاد لم يتعين؛ جهاد لم يتعين يعني فرض كفاية، جهاد فرض كفاية، وهو الأصل في الجهاد أنه فرض كفاية، فهذا يجب أن يوجد من يقوم به من يقوم به من المسلمين في قتال الكفار وإعلاء كلمة لا إله إلا الله. وإذا لم يوجد غيرهم -يعني مثلا احتاج المسلمون إلى من يعينهم في دفع أذى هؤلاء الكفار المعتدين- فحينئذ ينتقل الجهاد من فرض كفاية إلى فرض عين على كل من كان قادرا على ذلك أو قريبا منهم، فوجب عليهم أن يقاتلوا معهم، لكنه يتكلم على الجهاد الذي هو فرض كفاية. وتجهيز الميت بالتغسيل والتكفين والصلاة والحمل والدفن، كل ذلك من فرض الكفايات إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، فلابد من وجود من يقوم بتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه. قال: وكذلك الزراعة والحراثة والنساجة والحدادة والنجارة والتجارة الصواب والنجارة وغير ذلك؛ يعني من الأعمال الدنيوية التي يحتاج لها الناس، فإيجادها وتعلمها من فروض الكفايات، لا بد من وجود من يكفي لمن يقوم بهذه الأمور. قالوا: من فروع ذلك السعي في الكسب الذي يقيم به العبد ما عليه من واجبات النفس والأهل والأولاد والمماليك من الآدميين والبهائم، وما يوفي به ديونه. فإن هذه واجبات لا تقوم إلا بطلب الرزق والسعي فيه؛ يعني إذا كان لا يمكن أن يسد حاجة أهله ونفسه وأولاده ومن يملك من مماليك -يعني من العبيد أو البهائم التي عنده- لا يستطيع أن ينفق عليهم إلا أن يعمل، فيجب عليه حينئذ أن يعمل وأن يطلب الرزق وأن يكتسب، فهو من هذا الباب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول». فيجب عليه أن يعمل ويكتسب حتى يقوم بهذه الواجبات، وبالنفقة على من يحتاج إلى نفقة. ونكتفي بهذا القدر إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.