المحاضرة بعنوان فضل العمل الصالح وثمراته، وكانت بمسجد السنة بالمركز الجديد بتبالة 26 ذو القعدة 1438هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
العشر الأول من ذي الحجة تتميز بفضيلة عظيمة حيث العمل الصالح فيها أحب إلى الله من الجهاد إلا لمن خرج بنفسه وماله ولم يرجع بشيء. وتثمر الأعمال الصالحة في الدنيا حياة طيبة ونعيماً مقيماً ومحبة الله والناس والتمكين والنصر، وفي الآخرة رضوان الله وجناته.
الأعمال الصالحة تنجي العبد يوم القيامة وتيسر مروره على الصراط وترفع درجاته في الجنة، والإخلاص شرط لقبول العمل. ويحث المسلم على اغتنام العشر الأول بالصيام وقراءة القرآن وحضور مجالس العلم والذكر والدعوة إلى الله.
الله يجازي كل عامل بمثقال ذرة خيراً أو شراً، والجنة حُفت بالمكاره والنار بالشهوات. لذا يجب مجاهدة النفس والتزود بالطاعات والمسارعة إلى مغفرة الله وجنته لأن الحسنة تضاعف والسيئة تجزى بمثلها ولا يظلم الله أحداً.
العمل الصالح يرافق الإنسان في القبر ويوم القيامة رفيقاً دائماً بينما العمل السيء يكون قريناً شريراً. وتصف الأحاديث والآيات حال المؤمن والكافر عند الموت والبعث، مؤكدة أن الندم يومئذ لا ينفع المفرطين في طاعة الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الآباء، أيها الإخوة، أيها الكرام، أيها الأبناء، في هذه المحاضرة أحببنا أن نتهيأ لقبول ذلك الموسم العظيم من مواسم الخيرات والطاعات والأعمال الصالحات. هذا الموسم هو العشر الأول من ذي الحجة، والتي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، يعني العشر الأول من ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». الحديث في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. فهذا الحديث فيه فضيلة هذه الأيام العشر، وأن العمل الصالح فيها يحبه الله، بل أجر العمل فيها كذاك الذي قدم روحه لله سبحانه وتعالى، خرج بنفسه وماله مجاهداً في سبيل الله، فرجع بنفسه وإن فقد ماله، فكذلك الذي يعمل الصالحات أفضل منه في الأجر في هذه الأيام الفاضلة، إلا إذا فقد نفسه وماله، فحينئذ يكون هذا المجاهد أكثر أجراً من العامل في هذه الأيام العشر. أيها المسلمون، عباد الله، إن هذه الأيام ينبغي علينا أن نستغلها حق الاستغلال، وأن تكون أعمالنا الصالحة فيها ليست كالأعمال الصالحة في غيرها من الأيام، فنكثر من عمل الطاعات والقربات، ولا نستهين بالأعمال الصالحة، فمناط سعادة المرء في الدنيا والآخرة تكمن في الأعمال الصالحة. العمل الصالح سبب للحياة الطيبة في الدنيا، وللفوز بالنعيم المقيم في الآخرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. هذا في الدنيا، الحياة الطيبة إنما تكون بالأعمال الصالحة. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. وهذا ملاحظ ومشاهد، عندما يكثر العبد من الأعمال الصالحة يجد من الراحة، ويجد من الطمأنينة، ويجد من السعادة، ويجد من انشراح الصدر، وما ذاك إلا من ثمار هذه الأعمال الصالحة. وهكذا يبقى أثر هذه الأعمال إلى يوم القيامة. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي في الآخرة. في الآخرة فجزاء الأعمال الصالحة في الآخرة دخول جنة عرضها السماوات والأرض. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، بما كانوا يعملون في هذه الدنيا. ولذلك أخرج الإمام البخاري في صحيحه في الحديث القدسي، قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين» - انظر لعبادي الصالحين وهم الذين يعملون الصالحات - «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ثم تلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، بما كنتم تعملون. فسعادة الدنيا والآخرة إنما هي في الأعمال الصالحة. حتى أمور الدنيا من الرزق الطيب الكثير، ومن النصر، ومن التمكين لا يكون إلا بالإيمان والعمل الصالح. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، هذا في الآخرة. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. فذكر من أسباب التمكين والنصر والظهور على الأعداء بالإيمان والعمل الصالح، وبالتوحيد ونبذ ما يضاده من الشرك. بهذا تسعد المجتمعات. فانظر إلى أثر العمل الصالح، لا تستهن أخي المسلم بالأعمال الصالحة. العمل الصالح سبب لمحبة الله عز وجل لك، بل ولمحبة الخلق لك. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، أي محبة ووداً في قلوب الخلق. وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل فقال: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء من الملائكة فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام، وما ذاك إلا بالإيمان والعمل الصالح. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. لا تظن أن محبة الناس لك إنما تكون بالنفاق أو بالكذب أو بإعطاء الأموال أو بالمجاملة والمداهنة، لا والله، إنما تكون محبة الناس لك بالإيمان والعمل الصالح، بالإيمان والعمل الصالح. العمل الصالح سبب للأجر الكثير العظيم الجزيل من الله سبحانه وتعالى. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. وفي آية الكهف: ﴿وَيُبَشِّرُ﴾، وفي آية الكهف: ﴿إِنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. فانظروا إلى أثر العمل الصالح. العمل الصالح سبب لرضى الله سبحانه وتعالى عليك. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ﴾. يا رب، العمل الصالح له ثمار عظيمة وجليلة، به تتبين أو تتبين درجات الخلق، سواء كان في عرصات يوم القيامة أو في الجنة. فما يسلم العباد من تلك الأهوال العظام إلا بقدر أعمالهم، بقدر أعمالهم. فجاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول - أو قال -: «إن الشمس تدنو من العباد يوم القيامة قدر ميل أو ميلين، فيبلغ الناس في العرق على قدر أعمالهم، على قدر أعمالهم ما عملوا في هذه الدنيا». قال: «فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العرق إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً». هؤلاء الذين يكونون في ذلك الموقف العظيم يوم القيامة يكونون في العرق والعذاب بقدر أعمالهم. أما من بلغوا في الأعمال الصالحة مبلغاً عظيماً فإنهم ينجون من هذه الكربة ومن هذه العرصات العظيمة، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. هؤلاء الذين بلغوا في العمل الصالح مبلغاً عظيماً فنجاهم الله عز وجل من هذه العرصات ومن هذه الشدائد. فيتبين لك ويتجلى لك أخي المسلم أهمية العمل الصالح والحرص عليه في هذه الدنيا، وأن لا تتهاون بالعمل الصالح ولو كان عملاً يسيراً، عملاً قليلاً، عملاً صغيراً، فلا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. وكذلك عند المرور على الصراط إنما يمر الناس بقدر أعمالهم، يمرون على هذا الصراط الجسر الذي هو ممدود على ظهر جهنم، يمر عليه جميع الناس، فمنهم المسلّم، ومنهم المخدوش، ومنهم الساقط في نار جهنم والعياذ بالله. منهم من يمر على هذا الصراط كالبرق بسرعة، من الذي أوصله إلى هذه الدرجة وإلى هذه السرعة؟ إنها الأعمال الصالحة، إنها الأعمال الصالحة. منهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجواد الخيل، ومنهم من يمر يمشي، ومنهم من يمر يحبو، ومنهم من يمر يزحف، ومنهم من تختطفه والعياذ بالله كلاليب جهنم. كل ذلك بقدر الأعمال الصالحة. بل حتى أهل الجنة يكونون في درجات الجنة بقدر أعمالهم، كما في صحيح البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كأنهم كوكب دري غابر يرونه في الأفق في المشرق أو في المغرب». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «بتفاضل أعمالهم، بتفاضل أعمالهم أن يبلغون هذه الدرجات العالية بسبب كثرة أعمالهم». فقال الصحابة: يا رسول الله، هذه منازل الأنبياء؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لا، والذي نفسي بيده، إنهم رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وصدقوا المرسلين». فانظروا يا عباد الله ما الذي جعلهم في هذه المنازل العالية؟ إنها الأعمال الصالحة. إنه من يعمل عملاً صالحاً فأولئك في الدرجات العلا، في الدرجات العلا يرفعه الله سبحانه وتعالى. فهذه أدلة من الكتاب ومن السنة تبين فضل الأعمال الصالحة، وأنتم مقبلون على موسم عظيم من مواسم تلك الأعمال الصالحة، ألا وهي العشر الأول من ذي الحجة. فاحرصوا على تعمير هذه الأيام بالأعمال الصالحة. وإنما سميت الأعمال الصالحة لأنه لا بد أن يتوفر فيها شرطان: الشرط الأول الإخلاص. احرص في أعمالك على الإخلاص لله عز وجل حتى لا تخسر أجر هذا العمل. احرص على أن تخلص العمل لله بعيداً عن الرياء، بعيداً عن السمعة، بعيداً عن نظر الناس ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. إن استطعت أن تكون لك خبيئة من العمل الصالح في هذه الأيام فافعل. تصدق ولا يراك أحد، قم بين يدي الله في ظلمات الليل البهيم حيث لا يراك أحد، انفع أخاً لك وفك عنه كربة أو اقض عنه ديناً دون أن يسمع بك أحد. أخلص لله سبحانه وتعالى في عملك. صم ما استطعتم من هذه الأيام، فإن الصيام يدخل في عموم العمل الصالح، فمن صام التسع فهذا من العمل الصالح المرغب فيه. وهكذا احرص على قراءة القرآن، وأن يكون لك حزب يومياً من القرآن تقرأ فيه كتاب الله بتدبر وتمعّن. وهكذا احرص على الجلوس في مجالس العلم ومجالس الذكر، وأنتم تعلمون فضلها وما رتب الله عز وجل عليها من أجر. وقد ذكرنا في خطبة الجمعة أعمالاً، هذه الأعمال وهي أعمال صالحة جليلة يدرك بها فاعلها أجر الحاج وإن كان مقيماً في بلده. وذكرنا من تلك الأعمال الذهاب إلى المسجد لتعلم العلم، وقد ذكرنا في ذلك حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عند الطبراني وغيره، ويحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من خرج - أو من غدا - إلى المسجد يريد أن يتعلم خيراً أو يعلمه كان له أجر حاج، كان له أجر حاج تامة حجته». هكذا جاء لفظ الحديث. فاحرصوا بارك الله فيكم على حضور مجالس العلم، سواء كانت الدروس العامة أو الدروس الخاصة، فمع كونها طاعة وعبادة وقربة إلا أنها سبب لنجاتك من الفتن ومن الضلال ومن الجهل. ففي هذه المجالس تتعلم الحلال والحرام، تتعلم السنة والبدعة، تتعلم التوحيد والشرك، فتجتنب الشرك والمعصية والبدعة والحرام، وتقبل على التوحيد والطاعة والسنة. فهذه مجالس عظيمة، فاحرصوا عليها. ولله الحمد والمنة، مساجد أهل السنة عامرة بالدروس العلمية، وهكذا بحلقات القرآن والعلم، فهذه كذلك من الأعمال الصالحة. من الأعمال الصالحة أيضاً الإكثار من ذكر الله، أكثر من التهليل والتسبيح والتحميد، ومن كذلك الاستغفار، فهذه كذلك من جملة الأعمال الصالحة في هذه الأيام. احرص على الدعوة إلى الله عز وجل، فإن من أجل الأعمال الصالحة: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً»، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة. فاحرصوا على مثل هذه الأعمال، وعظموا ما عظم الله عز وجل، فتلك الأيام أيام العشر أيام معظمة، سمعت فضلها وسمعت وسمعت أجر العمل الصالح فيها وسمعت الحث، وهكذا الترغيب في الأعمال الصالحة. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. فهذه مشاركة في هذه المحاضرة، وإلا فمعنا في هذه المحاضرة كذلك أخونا الفاضل أبو يوسف حفظه الله، فليتفضل مشكوراً مأجوراً يكمل بقية الوقت، جزاه الله خيراً. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فجزى الله أخانا بمعاذ خيراً على ما ذكرنا به من فضل الأعمال الصالحة وما لها من ثمار حسنة وثمار عظيمة ينتفع بها العبد في الدنيا والآخرة. عباد الله، إن الله عز وجل خلق السماوات والأرض ابتلاء للعباد لينظر أيهم أحسن عملاً. قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. فالله عز وجل أخبر بأنه خلق السماوات والأرض، وجعل ما على الأرض زينة لها، بل وخلق الموت والحياة ابتلاء للعباد أيهم أحسن عملاً. فهذا يدلنا على أهمية الأعمال الحسنة والأعمال الصالحة، إذ أنها سبب لخلق هذا الكون العظيم ولإيجاد هذه المخلوقات التي تعيش فيها. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. خلق الله عز وجل الجن والإنس لعبادته والقيام بطاعته. ثم من العباد من يستجيب لأمر الله ويقوم بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، ومنهم من يتكبر عن القيام بما أوجب الله جل وعلا عليه. وجعل الله سبحانه وتعالى لكل من الصنفين ولكل من القسمين ما يناسبه من الجزاء وما يناسبه من الثواب. إن عمل خيراً فسيجد خيراً، وإن عمل سوءاً فسيجد شراً. قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. لو تعمل من الخير مثقال ذرة ستجد خيراً، ومن عمل من الشر مثقال ذرة فسوف يجد شراً. والله جل وعلا يقول: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. أي يوم القيامة تجد كل نفس في هذه الدنيا من ذكر وأنثى ومؤمن وكافر وطائع وعاصي يجد ما عمل من خير أو شر. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾، أي موجوداً ومسجلاً ومسطراً عند الله جل وعلا. ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾، أي كذلك محضراً وموجوداً، يود لو أن بينه وبينه أمداً بعيداً، لو أنه ما عمل هذه السيئات ولا عمل هذه الذنوب ولا عمل هذه الخطيئات، وأن بينه وبين فعليها أمداً بعيداً. نعم عباد الله، إن الله جل وعلا يمتحن العباد في هذه الدنيا، وابتلاهم بهذه الأعمال، فرض عليهم فرائض وأوجب عليهم واجبات، فأمرهم بفعلها وأمرهم بالقيام بأدائها، وحذر من أمور وحرم أشياء وأمر باجتنابها وتركها. هذا ابتلاء من الله. ﴿أَلِفْ لَامْ مِيمْ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. الله جل وعلا خلق الجنة وخلق النار، وجعل الجنة محفوفة بالمكاره، وجعل النار محفوفة بالشهوات. جاء بالصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». حفت الجنة أي جعلت محفوفة ومحوطة بما تكرهه النفوس وما تستثقله من العبادات والطاعات والفرائض والواجبات، وترك شهوات النفس وملذاتها ورغباتها. وجعل النار محفوفة ومحوطة بالشهوات التي تحبها النفوس وترغب فيها وتحب فعلها، وكذلك أيضاً ترغب في إدراكها. وجاء في حديث آخر كذلك بالصحيح أن الله عز وجل لما خلق الجنة قال: «يا جبريل اذهب فانظر». فذهب فنظر إلى ما في الجنة من النعيم، قال: «والله يا رب لا يسمع بها أحد من العباد إلا دخلها». ولما خلق النار قال: «اذهب فانظر إليها». فذهب فنظر إليها ورأى ما فيها من شدة الإحراق وما فيها من النكال والعذاب، قال: «والله يا رب لا يسمع بها أحد من العباد فيدخلها». فلما حفت الجنة بالمكاره أي جعل حجابها المكاره، الذي به إذا تجاوز العبد هذا الحجاب بفعل الطاعات والأعمال الصالحة دخل الجنة. فلما نظر إليها وقد حفت بالمكاره قال: «لقد خشيت يا رب ألا يدخلها أحد». ولما حفت النار بالشهوات قال: «إذا تنظر إليها». فلما نظر إليها قال: «يا رب لقد خشيت ألا يسلم منها أحد». هكذا جعل الله عز وجل الجنة محفوفة بالمكاره، جعل حجابها الذي به يتوصل العبد إلى دخولها والفوز بنعيمها هي ما تكرهه النفوس وما تستثقله هذه الأنفس من فعل الطاعات والقربات. لذلك فالمسلم ينبغي أن يجاهد نفسه، أن يجاهد نفسه في طاعة الله وفي الإقبال على الأعمال، على الأعمال الصالحة. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وأن يجتنب، وأن يجتنب المحرمات وشهوات النفوس التي هي حجاب النار، إذا فعله العبد ووقع فيه فإنه يكسر هذا الحجاب وبه يصل إلى دخول النار، عياذاً بالله. عباد الله، الأعمال الصالحة هي زاد العبد في هذه الدنيا. فإنك في هذه الحياة في سفر إلى الدار الآخرة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. كما أن الإنسان يتزود في سفره في الدنيا إذا أراد أن يسافر إلى بلد من البلاد حمل معه الزاد من طعام وشراب وغير ذلك مما يحتاجه في سفره، فإن لم يفعل ذلك فإنه يوقع نفسه في الهلاك. وكذلك سفرك إلى الآخرة لا بد أن تحمل معك الزاد الذي به تنجو من أهوال يوم القيامة وتنجو من المخاوف التي يخاف منها العباد. فإنك إن لم تتزود من هذه الدنيا بالطاعات والأعمال الصالحات واستغلال مواسم الخيرات فبأي زاد تتزود للآخرة؟ هذا من رحمة الله جل وعلا أن جعل للعباد مواسم للخيرات ومواسم للطاعات يتزود فيها العباد من الأعمال الصالحة ومن الطاعات والقربات ما ينتفعون به يوم القيامة. والله جل وعلا يضاعف لك الحسنات، وهذا من فضله جل وعلا وعظيم عطائه. فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. الله عز وجل يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بمثلها. قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا هم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هم بها فعملها كتبها الله عز وجل عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف، وإذا هم بالسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة واحدة، فإذا عملها كتبها الله عز وجل سيئة واحدة». انظروا إلى عظيم عدله جل وعلا، أنه لا يظلم العبد مثقال ذرة. إن عمل من الخير ضاعف له الأجر وضاعف له الثواب، وإن عمل سيئة جوزي بمثلها ولم يضاعف عليه السيئات والذنوب والخطايا. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. هكذا يحكم الله عز وجل في أعمال العباد يوم القيامة بهذا الحكم العدل، أن يضاعف الحسنات والأجور، وأن يجازي السيئة بمثلها. عباد الله، إننا بحاجة عظيمة أن نتزود من الأعمال الصالحة، وأن نغتنم من فعلها، وأن نستغل مواسم الخير، وأن كذلك أيضاً نتسابق في فعل الطاعات. والله جل وعلا يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ويقول سبحانه: ﴿وَسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي لمثل هذا النعيم فليتنافس من كان منافساً، وليسابق من كان مسابقاً في أمور الآخرة وفي الفوز بنعيم الله وبجنة عرضها السماوات والأرض. وأما إن نافس في الدنيا فارم بها في وجهه، كما قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: «من نافسك في الآخرة فنافسه، ومن نافسك في الدنيا فارم بها في وجهه». عباد الله، إن العمل الصالح رفيق الإنسان وصاحبه الذي يلازمه في الدنيا والآخرة. فإن كان في هذه الدنيا من أهل الأعمال الصالحة وفقه الله جل وعلا للهداية والاستقامة والسير إلى ما يرضي الله جل وعلا، وإن كان من أهل الغفلة والغواية والبعد عن طاعة الله جل وعلا، سلط الله عز وجل عليه الشيطان أن يكون له صاحباً وقريناً. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾. نعم، بعض الله عملك الصالح هو الذي يرافقك في خروجك من هذه الدنيا، لا تصاحبك الأموال ولا تصاحبك الزوجات ولا يصاحبك الأولاد، وإنما تصاحبك أعمالك. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله». متفق عليه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. عملك هو الذي يرافقك، وهو الذي يصاحبك ويكون معك في قبرك. إن كان عملاً صالحاً كان قبرك روضة من رياض الجنة، وإن كان عملك سيئاً فهو حفرة من حفر النار. بل قبل ذلك، إذا وضعت الجنازة والعبد كان من أهل الطاعة والصلاح والاستقامة كانت تتمنى العجلة والإسراع إلى أن تدفن لترى مما أعد الله عز وجل لها من النعيم، وإن كانت من أهل الأعمال السيئة تمنت أن لا يذهب بها إلى قبرها. جاء الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الثقلين، أي الإنس والجن». هذا من آثار الأعمال الصالحة، وكذلك أيضاً من آثار الأعمال السيئة. وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث البراء الذي جاء عند أبي داود وهو أصله في الصحيح، أن الرجل الصالح يأتي إليه ملك في صورة، في صورة بيضاء، حسن الوجه، حسن المنظر، حسن الثياب، فيقول له: «أبشر يا عبد الله الصالح، هذا يومك الذي كنت توعد». فيقول له: «من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير؟» فيقول: «أنا عملك الصالح، والله ما علمتك إلا سريعاً إلى طاعة الله، بطيئاً عن معصية الله، فجزاك الله خيراً». هذا أثر العمل الصالح الذي يعمل الإنسان في هذه الدنيا، يأتيه يوم القيامة بأحسن منظر وأحسن شكل، يبشره بفضل الله وبعطاء الله جل وعلا له. وأما من كان من المفرطين والمضيعين فيأتيه رجل خبيث المنظر، خبيث الثياب، فيقول: «من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر؟» فيقول: «أنا عملك السيء، أنا عملك السيء، والله ما علمتك إلا سريعاً في معصية الله، بطيئاً عن طاعة الله». انظروا عباد الله إلى آثار الأعمال السيئة والبعد عن طاعة الله جل وعلا كيف تؤثر على صاحبها، وشتان بين الرجلين وبين الفريقين، أهل الطاعة والإيمان والعمل الصالح، وأهل الكبر والفسق والعصيان. عباد الله، إن العبد ليندم ندامة عظيمة في تفريطه في طاعة الله جل وعلا واستغلال عمره بما يقربه إلى الله، واستغلال مواسم الخيرات التي يتزود بها من طاعة الله جل وعلا، في أوقات لا ينفع فيها الندم. وأولها عند الموت، إذا نزل بالإنسان الموت وهو مفرط في طاعة الله، مضيع للواجبات، مرتكب للمحرمات، فإذا نزل به الموت وأيقن الرحيل من الدنيا تمنى أن يرجع إليها حتى يتزود من الأعمال الصالحة. قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، أي ارجعني إلى الدنيا. لماذا؟ هل يريد تجارة أو يريد أن يرجع إلى أهله وأولاده وإلى دوره وقصوره؟ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. لعلي أعمل صالحاً، عرف الآن فضل الأعمال الصالحة وعرف عظيم أجرها وعظيم ثوابها، فأراد أن يحسن بعد ما أساء وأن يعمل بعد ما ترك. ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ * كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ما ينفع الندم في هذا الموضع، وقد عمرك الله جل وعلا في هذه الدنيا السنين العديدة والأعوام المديدة، وجعل لك الصحة والعافية، ثم تركت وضيعت، حتى إذا فاتتك الفرصة وفات أوان العمل تمنيت أن ترجع إلى الدنيا حتى تعمل. وإن رجع فلن يعمل، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وهكذا أيضاً يندم الإنسان على تفريطه في ترك الأعمال الصالحة إذا وقف بين يدي الله جل وعلا، فما منا من أحد إلا وسوف يقف بين يدي الله يحاسب على أعماله، ويكلمه الله جل وعلا بلا حجاب. قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حجاب، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». والله عز وجل يقول: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. كل عبد سيقف وحيداً فريداً بين يدي الله جل وعلا، لا تنفعه جنود ولا تنفعه رئاسته ولا تنفعه أمواله ولا ينفعه جاه ولا سلطانه، سلطانه فيحاسبه، فيحاسبه الله جل وعلا على أعماله. وحينئذ يندم الذي فرط في طاعة الله والذي ترك ما يقربه إلى الله جل وعلا. قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾. هكذا سماهم الله عز وجل بالمجرمين. نعم، من ترك طاعة الله وترك عبادة الله وارتكب ما حرم الله جل وعلا فهو مجرم وفاسق وظالم، ظلم نفسه بتركه لطاعة الله وارتكابه ما نهى الله جل وعلا. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾، الآن أيقنا بما أخبرتنا به وبما أخبرنا به رسولك من البعث والنشور والجزاء والحساب والميزان والصراط والجنة والنار. ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا